من نيويورك إلى العالم... هل تتشكل أجندة عربية جديدة؟
تكشف قراءة المشاركة العربية في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك عن تحوّل يستحق التوقف عنده. فالمشهد لم يعد محصوراً بحضور عربي للدفاع عن قضايا المنطقة أو التعامل مع أزماتها، بل بدأت تتشكل ملامح دور أوسع، تسعى من خلاله دول عربية إلى أن تكون شريكاً في صوغ الإجابات عن الأسئلة التي تشغل العالم.
صحيح أن فلسطين وغزة والسودان واليمن والأمن الإقليمي ظلت في قلب التحركات العربية، إلا أن الأجندات التي حملتها دول عدة تجاوزت الجغرافيا السياسية للمنطقة إلى الذكاء الاصطناعي والطاقة والمناخ والمياه والتنمية والاقتصاد وإصلاح المؤسسات الدولية والعمل الإنساني.
عندما نتحدث عن الدلالة الاستراتيجية، فالإمارات على سبيل المثال قدمت أجندة متعددة المسار، من تسوية النزاعات والاستقرار والتعايش إلى تطوير منظومة الأمم المتحدة والاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، ومن المناخ والأمن المائي إلى الاقتصاد والاستثمار وسلاسل الإمداد. وربط ذلك باستحقاقات دولية مقبلة، بينها مؤتمر الأمم المتحدة للمياه الذي تستضيفه. هذا النموذج يعكس توجهاً نحو بناء حضور يقوم على امتلاك ملفاتٍ دولية يمكن الدولة أن تجمع حولها الحكومات والمؤسسات والقطاع الخاص.
ويمكن رصد مساراتٍ متخصصة لدى دول عربية أخرى. السعودية ربطت الأمن الإقليمي بأمن الطاقة والتنمية والتحول الاقتصادي والمناخ والتكنولوجيا. واصلت قطر الاستثمار في الوساطة والديبلوماسية الوقائية بالتوازي مع التنمية والصحة والتعليم. وطرحت مصر إلى جانب أدوارها الإقليمية، إصلاح النظام المالي الدولي والديون وتمويل التنمية والمناخ، فيما حافظ الأردن على دور بارز في القضية الفلسطينية واللاجئين والعمل الإنساني.
هذه الأجندات لا تتنافس بالضرورة، بل يمكن النظر إليها باعتبارها رأس مال ديبلوماسياً عربياً متنوعاً: دولة تمتلك خبرة في الوساطة، وأخرى في الطاقة، وثالثة في العمل الإنساني، وأخرى في المياه أو التنمية أو التكنولوجيا.
ويزداد هذا التحول أهمية لأن نيويورك نفسها تغيرت. فالقوة خلال أسبوع الجمعية العامة لم تعد تُصنع داخل الأمم المتحدة وحدها. المؤتمرات الموازية تجمع رؤساء الدول مع المستثمرين وشركات التكنولوجيا والمؤسسات الإنسانية والخيرية والإعلام ومراكز الفكر. وهنا تنتقل الديبلوماسية من البيانات الرسمية إلى بناء الشبكات والتحالفات وإطلاق الحلول.
ومن هنا يمكن استشراف المرحلة المقبلة: الفرصة العربية ليست في البحث عن صوت واحد في كل قضية، وإنما في تحويل تنوع القدرات العربية إلى منظومة تأثير متكاملة، بحيث تقود دول المنطقة ملفات تمتلك فيها المعرفة والموارد والصدقية وتبني حولها شراكات دولية.
العالم يتجه إلى مرحلةٍ تتداخل فيها الجغرافيا السياسية مع التكنولوجيا والطاقة والمناخ والمياه والأمن الإنساني، وكثير من هذه الملفات يقع في صميم التحولات التي تعيشها المنطقة العربية نفسها.
لذلك، فإن السؤال بعد نيويورك ليس: كم كان حجم المشاركة العربية؟ بل: ما القضايا العالمية التي يمكن أن تصبح الدول العربية خلال العقد المقبل جزءاً من قيادتها؟
الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد الفارق بين حضور عربي قوي في المحافل الدولية، ودور عربي مؤثر في صناعة النظام الدولي المقبل.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.