واشنطن ترفع سقفها ضد الحوثيّين... غطاء سياسيّ للحسم؟
في أقل من 24 ساعة، رفعت الولايات المتحدة سقف خطابها حيال الحرب المتجددة في اليمن. حمّلت الحوثيين مسؤولية إشعال التصعيد، وأكدت أن الحكومة اليمنية هي "الحكومة الشرعية الوحيدة"، ومنحتها حق الدفاع عن شعبها و"إنهاء قدرة الحوثيين على ممارسة الإرهاب"، قبل أن تقول إن الجماعة وداعميها الإيرانيين "أخطأوا في حساباتهم".
تكتسب هذه اللغة أهمية أكبر مع اتساع المعارك على الساحل الغربي، ووصول الحوثيين الخميس إلى مدينة المخا الاستراتيجية، وسط تقارير عن اقترابهم من إحكام السيطرة عليها والتقدم نحو المناطق المطلة مباشرة على باب المندب. وبذلك، لم تعد المواجهة مرتبطة فقط بميزان السيطرة داخل اليمن، إذ باتت تقترب من أحد أهم الممرات البحرية في العالم، في وقت تتعرض فيه السعودية أيضاً لهجمات بالصواريخ والمسيّرات على مدن ومنشآت للطاقة.
وهنا يبرز السؤال الذي أثارته المواقف الأميركية الجديدة في الأوساط اليمنية. هل انتقلت واشنطن من دعم احتواء الحرب والتسوية السياسية إلى توفير غطاء لتحرك عسكري أوسع ضد الحوثيين؟
من التهدئة إلى تحميل الحوثيين المسؤولية
قالت السفارة الأميركية لدى اليمن عبر حسابها في منصة "إكس" إن الحوثيين "بدأوا هذا الصراع وعليهم تحمل تبعات عدوانهم"، مؤكدة أن حكومة الجمهورية اليمنية تملك كامل الحق في الدفاع عن شعبها وإنهاء قدرة الحوثيين على ممارسة الإرهاب. وأكدت أيضاً حق السعودية في الدفاع عن أراضيها ومواطنيها ودعم الحكومة اليمنية في جهودها ضد الحوثيين.
وفي موقف لاحق، ذهبت السفارة أبعد من ذلك، معتبرة أن الحوثيين وداعميهم الإيرانيين "أخطأوا في حساباتهم" عندما استهانوا بعزم الحكومة والقوات المسلحة اليمنية والشعب اليمني، وربطت التصعيد الحالي بـ"دعم إيراني موثق".
ويمثل ذلك تبدلاً ملحوظاً في النبرة مقارنة باللغة التي غلب عليها خلال مراحل سابقة التركيز على خفض التصعيد والمسار السياسي. ففي كانون الأول/ديسمبر 2025، كانت واشنطن تدعو إلى ضبط النفس ومواصلة الجهود الديبلوماسية للتوصل إلى حل دائم في اليمن. أما اللغة الحالية فتحدد بصورة أكثر وضوحاً الطرف الذي تحمّله واشنطن مسؤولية التصعيد، وتقر صراحة بحق خصوم الحوثيين في مواجهتهم.
ويرى المحلل السياسي اليمني فؤاد مسعد، في حديث إلى "النهار"، أن المواقف الأخيرة تشكل "مؤشراً إلى تحول في السياسة الأميركية تجاه الحرب"، خصوصاً مع التصعيد الحوثي في تعز والحديدة والهجمات على مدن سعودية.
ويعتبر أن الحكومة اليمنية وحلفاءها "يستطيعون الاستفادة من هذا الموقف، بعدما تجاوز التهديد الحوثي حدود الصراع الداخلي وأصبح متصلاً بالملاحة في البحر الأحمر وباب المندب"، كما يضع التشدد الأميركي ضمن المواجهة الأوسع مع إيران، إذ يجعل ارتباط الحوثيين بطهران الملف اليمني جزءاً من صراع إقليمي أكبر.
وهذه النقطة تزداد أهمية مع محاولة الحوثيين توسيع نفوذهم على الساحل الغربي. فباب المندب يمثل شرياناً رئيسياً للتجارة والطاقة، وتزداد حساسيته في ظل الاضطراب القائم في مضيق هرمز واعتماد السعودية بصورة أكبر على منافذ البحر الأحمر لتصدير النفط.

مقاتلون موالون للحوثيين يهتفون بشعارات خلال تجمع لتجنيد مقاتلين جدد في صنعاء، 10 أيلول/سبتمبر 2026. (أ ف ب)
الغطاء السياسي وحده لا يصنع الحسم
الأكاديمي في جامعة عدن نشوان العثماني يرى في حديثه إلى "النهار" أن الموقف الأميركي يمثل "تحولاً قد يكون مهماً وإيجابياً"، وأن تأكيد مسؤولية الحوثيين عن التصعيد وحق الحكومة في الدفاع عن شعبها يشكل لغة أقوى من مواقف أميركية سابقة.
وبحسب العثماني، يمكن قراءة ذلك باعتباره "ضوءاً أخضر سياسياً" لتحرك عسكري أوسع يهدف إلى وقف تقدم الحوثيين والرد على هجماتهم، ويوفر للسعودية والحكومة اليمنية مساحة أكبر للتحرك من دون أن يعني قراراً أميركياً بالمشاركة في حرب شاملة.
ويرجح أنه إذا وضعت الحكومة خطة عسكرية موحدة للتقدم نحو صنعاء، فقد تجد غطاءً سياسياً وديبلوماسياً أميركياً، لكنه يربط انتقال واشنطن إلى دعم عسكري فعلي بمؤشرات أكثر وضوحاً، بينها تسليح نوعي للجيش اليمني، وتوفير معلومات استخباراتية ودعم لوجستي وجوي، إلى جانب حماية ديبلوماسية للعمليات الحكومية.
أما الناشط السياسي والصحافي خالد محسن الكثيري، فيقول لـ"النهار" إن نظرة واشنطن إلى الحرب بدأت تتغير مع تحوّل تهديد الحوثيين للملاحة والمصالح الأميركية ومصالح حلفائها إلى خطر مباشر.
ويتوقع الكثيري دعماً سياسياً واستخباراتياً ولوجستياً أكبر للحكومة، مع استبعاد تدخل أميركي مباشر أو تشجيع عملية برية سعودية واسعة، معتبراً أن بيانات السفارة توفر "غطاءً سياسياً وديبلوماسياً أكثر من كونها ضوءاً أخضر عسكرياً".
وتتقاطع القراءات الثلاث عند نقطة أساسية. الخطاب الأميركي تغيّر، لكن الفارق بين تغيير اللغة وتغيير قواعد الحرب لا يزال كبيراً.
حتى الآن، أعطت واشنطن الحكومة اليمنية والسعودية مساحة سياسية أوسع لمواجهة الحوثيين، وحمّلت الجماعة وطهران بصورة مباشرة مسؤولية التصعيد. أما الانتقال إلى دعم الحسم العسكري فسيتطلب ما يتجاوز بيانات السفارة. وستكشف طبيعة التسليح والمعلومات الاستخباراتية والدعم الجوي واللوجستي، والموقف الأميركي من أي هجوم واسع نحو صنعاء، المدى الحقيقي الذي تريد واشنطن الوصول إليه.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.