3 سنوات من حرب غزة.. نزوح ودمار وفقدان يطارد الفلسطينيين

بعد 3 سنوات من الحرب، يعيش مئات الآلاف من النازحين في قطاع غزة داخل خيام تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، فيما تلاحقهم آثار القصف والجوع والمرض وفقدان المنازل والأحباء.
في مخيم المواصي بخان يونس، تختزل لمياء يونس مأساة عائلات كثيرة، حيث فقدت إصبعين من قدميها أثناء محاولة إشعال النار للطهي في ظل شح الوقود، كما توفى والدها وشقيقتها جرّاء المرض وسوء التغذية، بينما يعيش أشقاؤها وأطفالهم في خيمة لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء.
تستحضر لمياء ذكريات سنوات الحرب التي قضت على كل أشكال الحياة في قطاع غزة؛ وتركت نحو مليونين من أهله يلهثون لتأمين لقمة العيش وقبلها الأمان لعائلات أنهكها الفراق قبل الجوع والعطش.
حصار ودمار وفقد
بدأ كل شيء في مثل هذا اليوم قبل ثلاث سنوات، حين اندلعت الحرب الإسرائيلية على القطاع التي خلّفت دماراً واسعاً وخسائر بشرية هائلة.
وبينما تنعى كل أسرة تقريباً ضحية أو ترعى مصاباً، اضطرت معظم الأسر أيضاً إلى النزوح مرات عدة هرباً من القتال وأوامر الإخلاء الإسرائيلية، ليتحول معظم سكان القطاع إلى مواطنين بلا مأوى.
غزة الساحلية أصبحت عملياً واحدة من أكثر مناطق العالم اكتظاظاً بالخيام، حيث تغطي الملاجئ المتهالكة المصنوعة من القماش والنايلون الشواطئ والأراضي الزراعية السابقة، في مشهد يعكس حجم النزوح الذي خلفته الحرب.
ومع بلوغ شح الغذاء والمياه مستويات المجاعة، تفترش لمياء وأشقاؤها أرض خيمة، وتكافح دموعها وهي تتحدث إلى "الشرق" عن حياة اختُزلت في مساحة ضيقة داخل خيمة متهالكة.
تقول لمياء: "من سيئ إلى أسوأ.. نعيش على النار. عندما تصلنا أسطوانة الغاز، سعة 8 كيلوجرامات، نضطر إلى استخدامها بحساب حتى موعد وصول حصتنا في المرة المقبلة، لكنها لا تكفينا. فنضطر إلى إشعال النار والطهي عليها، وهذه النار معروفة للجميع، وهي سيئة جداً".
تنجح لمياء لبضع دقائق في حبس دموعها، لكنها سرعان ما تنهمر وهي تستعيد تفاصيل مأساة فقد إصبعي قدميها، قبل أن تستحضر فقدان والدها وشقيقتها وسط ظروف الجوع والمجاعة التي رافقت الحرب.
تقول لمياء: "أسوأ شيء النزوح من دارنا.. ثاني شيء.. عيشنا زي ما انتو شايفين في الخيام. الفئران أكلتنا.. يعني كل يوم من سيئ لأسوأ.. أنا من النار اللي بنشتغلها (نستخدمها) فقدت أصابع رجلي.. اثنين هنا.. أصابع رجلي.. واحد هنا وواحد هنا فقدتهم. وفقدت أعز الناس إلي".
أضافت: "أبويا توفي في الحرب وأختي توفيت في الحرب.. من قلة الأكل في المجاعة.. وأختي كانت مريضة كمان.. مريضة سكر وتعبت وماتت.. هاي الحرب".
ندوب جسدية ونفسية
فقدت نجوى أبو عيطة ابنتها البالغة من العمر 7 سنوات، عندما قصفت القوات الإسرائيلية منزلها في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة في سبتمبر 2024، فيما أصيب أطفالها الثلاثة الآخرون في الهجوم.
وفقدت أبو عيطة إحدى عينيها، ولا يزال وجهها مشوهاً ومغطى بآثار وندوب الإصابة، كما تعاني صعوبة في التنفس.
كانت تعمل مصففة للشعر قبل الحرب، لكنها اليوم بلا عمل وتعيش في خيمة بجوار أنقاض منزلها. إلا أن ما يؤلمها أكثر، بحسب قولها، أن أطفالها يخافون من ملامح وجهها ويتجنبون النظر إليها.
وتقول لـ"أسوشيتد برس": "يقول لي ابني البالغ من العمر 4 سنوات: أمي، سأعطيك إحدى عينيّ. وفي داخلي أبكي".
إلى جانب محمد وابنته رهف، البالغة من العمر 8 سنوات، تعيش في الخيمة شقيقته المصابة بالصرع، التي تجلس على مقعد بلاستيكي قديم. أما محمد، فيعاني من مرض السكري ولا يستطيع العمل، ما يجعل الأسرة تعتمد إلى حد كبير على المساعدات.
يقول محمد لـ"الشرق": "للأسف، نحن لا نعيش، وإنما نكافح من أجل البقاء. نعاني من تبعات الحرب، فقدت عيني اليمنى بسبب الدخان، وبسبب الحصار الذي نعيشه والحرب".
لا يبدي محمد وأسرته اهتماماً كبيراً بالمفاوضات والاتفاقات الرامية إلى إنهاء الحرب، إذ لا يرون أن القتال توقف فعلياً، في ظل استمرار القصف الإسرائيلي الذي يستهدف بين حين وآخر مناطق في القطاع، بدعوى ملاحقة قيادات في حركة "حماس".
وأظهرت بيانات فلسطينية، استناداً إلى تقييم أممي لصور الأقمار الاصطناعية، أن نحو 82% من مباني قطاع غزة تعرضت لأضرار. كما تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى تضرر نحو 200 ألف مبنى، بينها أكثر من 134 ألفاً دُمرت بالكامل.
ولا يزال الوضع في القطاع يثير تحذيرات إقليمية ودولية من احتمال تجدد التصعيد، في ظل جمود المشهد وغياب حل يضع حداً لمعاناة السكان.
ويصف أشرف النجار، الذي يعمل حلاقاً في مخيم المواصي، هذا الواقع بأنه "لا يمكن وصفه".
ويقول أشرف لـ"الشرق" من داخل خيمته، بينما يجلس أمامه أحد زبائنه المسنين: "لا أعرف ماذا أقول.. لقد رأينا كل ما يمكن أن نراه، ولم يعد هناك شيء أسوأ مما عشناه نريد أن نراه".
ويضيف: "بصراحة، نحن خائفون من المستقبل، فقد عشنا ثلاث سنوات في الحرب وندخل الآن عامنا الرابع. وأطفالنا يعيشون التجربة نفسها التي عشناها. لا توجد مدارس ولا مستقبل لأطفالنا. نحن خائفون حقاً من المستقبل".
تلخص كلمات أشرف واقعاً مؤلماً تعيشه عائلات فلسطينية كثيرة في القطاع، بعدما تحولت المدارس إلى ملاجئ للنازحين، فيما انتقل الطلاب إلى نقاط تعليمية داخل خيام محدودة الإمكانات والانتشار.
لكن أشرف لا ينظر إلى حياته السابقة باعتبارها مجرد ذكرى، بل يتطلع إلى العودة إلى المناطق التي أمضى فيها الجزء الأكبر من حياته، وهو يبلغ الآن 33 عاماً.
ويقول: "أكثر ما يؤلمنا أننا نريد العودة إلى بلادنا، والعودة إلى المنطقة الخضراء كما كانت. الآن أصبحت منطقة صفراء، ولا نستطيع دخولها على الإطلاق. قوات الاحتلال متوغلة فيها حالياً، ونحن غير قادرين على الوصول إليها".
ويتابع الحلاق الشاب: "نريد أن نصل إلى خان يونس. أريد أن أدخل منطقة خزاعة، وبني سهيلا، ودوارها، لكننا لا نستطيع الوصول الآن".
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.