هل يستعد العالم لـ"عصر ما بعد النفط"، وماذا سيحدث للدول التي تعتمد عليه؟

- Author, سوزانا قسوس
- Role, بي بي سي نيوز عربي
Published
مدة القراءة: 7 دقائق
تشير تقارير حديثة إلى أن هناك "تحوّلاً عالمياً" بعيداً عن النفط، لن يقتصر على أبعاده الاقتصادية والبيئية، بل قد يخلق أزمات مالية واضطرابات تتعلّق بالسياسة والهجرة والصراعات إذا لم تستعدّ البلدان المنتِجة لمواجهة هذا التراجع.
تبرز دول مثل الجزائر ونيجيريا وأنغولا وإيران والعراق وليبيا باعتبارها الأكثر عرضة للخطر، بسبب اعتمادها الكبير على عائدات النفط لتمويل الموازنات والخدمات العامة، مع ضعف التنويع الاقتصادي وغياب رأس المال الكافي لامتصاص الصدمة، وفقاً لتقرير "نهاية عصر النفط" الصادر عن مؤسسة E3G، وهي مؤسسة بحثية تُعنى بقضايا المناخ والطاقة والجغرافيا السياسية.
يقول البنك الدولي إن نمو الطلب العالمي على النفط يتباطأ، إذ يُتوقع أن يرتفع بنحو 0.7 مليون برميل يومياً فقط في 2025 و2026، أي نحو نصف متوسط الزيادة قبل وباء كورونا، مع تراجع كثافة استخدام النفط وانتشار السيارات الكهربائية.
لا يعني ذلك أن العالم سيتوقّف عن استخدام النفط قريباً، لكن السؤال الذي يزداد إلحاحاً هو: ماذا سيحدث للدول التي تعتمد على عائداته إذا بدأ الطلب العالمي عليه بالانخفاض؟
الخميس، 10 أيلول/سبتمبر، سجّل خام برنت بحر الشمال الذي تجاوز عتبة مئة دولار في اليوم السابق للمرة الأولى منذ تموز/يوليو، ارتفاعاً إضافياً بحوالي 0.5 في المئة خلال التعاملات الآسيوية المبكرة، ليتخطى بذلك مستوى 101.60 دولار.
تتوقع وكالة الطاقة الدولية تباطؤ نمو الطلب العالمي على النفط إلى حد كبير خلال السنوات المقبلة، وصولاً إلى استقرار الطلب قرب 105.5 مليون برميل يومياً بحلول 2030، مع توقّع تراجعه بشكل طفيف في ذلك العام.
ويتوقّع تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية أن يبدأ الطلب العالمي على النفط بالاستقرار ثم التراجع خلال العقد المقبل، ما سيُجبِر المنتجين على التنافس على سوق أصغر، فيما تتمتع دول "منخفضة التكلفة" مثل السعودية والإمارات بقدرة أكبر على الصمود مقارنة بالمنتجين الأعلى تكلفة والأقل تنوعاً.
هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة للدول التي تعتمد على النفط، إذ يحذّر تقرير E3G من أن تراجع الطلب قد يتحول إلى أزمة اقتصادية واجتماعية إذا لم تُسرّع هذه الدول تنويع اقتصاداتها.
تخطى الأكثر قراءة وواصل القراءة
الأكثر قراءة
الأكثر قراءة نهاية
ما الدول الأكثر عرضةً للخطر؟
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
يتوقّع التقرير من مؤسسة E3G انخفاض عائدات النفط في بعض الدول بشكل حاد بحلول 2030، يصل إلى 87 في المئة في الجزائر وأكثر من 60 في المئة في نيجيريا، ما قد يضغط على الإنفاق الحكومي ويزيد من البطالة والفقر والهجرة.
يحذّر المهندس الاستشاري بشركة تتخصص في دعم قطاع الطاقة والنفط والغاز، علي غالب، من أن الدول الأكثر عرضة للخطر هي تلك التي لم تتمكن من بناء اقتصاد متنوع ومصادر دخل بديلة، موضحاً أن انخفاض أسعار النفط والإيرادات الناتجة عنه "سيؤدي بدوره إلى تراجع الموارد"، وهو ما قد يدفع الحكومات إلى تقليص الإنفاق العام، وتأخير المشاريع والخدمات، والتأثير في فرص العمل، إلى جانب احتمال زيادة الضرائب، بما "سينعكس بشكل مباشر على المواطن العادي".
في حين يُشير الباحث في شؤون الاقتصاد حسام عايش إلى أن التأثير يبدأ عادةً من المالية العامة، إذ إن تراجع الطلب على النفط يضغط على الأسعار أو على حجم الصادرات، وبالتالي يقلل الإيرادات الحكومية وتدفقات العملات الأجنبية.
ومع انخفاض الإيرادات، قد يتّسع العجز المالي، وتزداد الحاجة إلى الاقتراض، ثم ترتفع كلفة خدمة الدين، قبل أن تنتقل الضغوط إلى الإنفاق الحكومي والاستثمار والمشاريع والتوظيف والدعم، وصولاً إلى بقية قطاعات الاقتصاد.
ماذا عن الدول الخليجية؟
تبدو دول الخليج، بفضل احتياطياتها المالية واستثماراتها في السياحة والصناعة والتكنولوجيا والطاقة المتجددة، في وضع أفضل نسبياً، لكن التحدي يبقى في قدرة هذه القطاعات على توفير إيرادات ووظائف بالحجم الذي كان يوفره النفط.
لذلك، قد لا يظهر "عصر ما بعد النفط" بالنسبة للمواطن باعتباره تحولاً في أسواق الطاقة، بل في صورة وظيفة مفقودة أو خفض في الإنفاق الحكومي أو ارتفاع في الضرائب أو تراجع في قيمة العملة أو حتى قرار بالهجرة بحثاً عن مستقبل أكثر استقراراً.
يرى المهندس الاستشاري في شركة للنفط علي غالب، أن النفط سيظل مطلوباً لعدة عقود، ليس فقط باعتباره مصدراً للطاقة، وإنما أيضاً لدوره في صناعات عديدة. ويقول إن "قيمة النفط الخام أعلى بكثير من كونه وقوداً"، موضحاً أنه يَدخُل في إنتاج مئات الآلاف من المواد والمنتجات الصناعية، من الأسمدة والبتروكيماويات إلى المنظِفات وغيرها، ما يعني أن تراجع الاعتماد عليه كمصدر للطاقة لا يعني بالضرورة "اختفاء" الطلب عليه.
يتفق الباحث في شؤون الاقتصاد حسام عايش أن النفط لا يزال يحتفظ بموقع مهم في مزيج الطاقة العالمي، إذ تبلُغ حصته نحو 31 في المئة، فيما تتجاوز حصة النفط والغاز معاً نصف مزيج الطاقة العالمي، بينما لا يزال الوقود الأحفوري بمختلف أنواعه مسؤولاً عن أكثر من 82 في المئة من الاستهلاك العالمي. ويقول إن هذه الأرقام تؤكّد أن "الوقود الأحفوري لا يزال فاعلاً على مستوى الحصة وعلى مستوى الاستهلاك"، رغم توسُّع الاعتماد على مصادر الطاقة البديلة.
تتمتَّع معظم دول الخليج بهامش أمان أكبر نسبياً مقارنةً بالدول الأكثر اعتماداً على النفط، بفضل احتياطياتها المالية واستثماراتها الخارجية وصناديقها السيادية، إلى جانب مشاريع تنويع اقتصادي بدأت منذ سنوات، وفق عايش.
لكنه في الوقت ذاته يرى أن الأزمة الحالية المرتبطة بمسارات تصدير النفط والغاز ومضيق هرمز تمثل "اختباراً حقيقياً" لمدى عمق هذا التنويع، وليس فقط لحجم القطاع غير النفطي في الناتج المحلي.
ويضيف أن امتلاك دول مثل السعودية والإمارات وقطر لصناديق سيادية ضخمة واحتياطيات وبنية مالية ولوجستية قوية يمنحها أدواتٍ ووقتاً أكبر للتعامل مع انخفاض عائدات النفط مقارنة بدول "أكثر هشاشة".

تداعيات إضافية
قد لا تتوقف تداعيات تراجع العائدات النفطية عند حدود الموازنات العامة، خصوصاً في الدول التي يعتمد فيها القطاع العام بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية.
يُشير غالب إلى أن نقص السيولة قد يحدّ من قدرة الحكومات على دفع رواتب موظفي القطاع العام، فيما يتأثر القطاع الخاص والاستثمار بتراجع الإنفاق الحكومي، ما قد يؤدي إلى ارتفاع البطالة والفقر وزيادة التوتر الاجتماعي.
ولا يستبعد غالب أن تنعكس هذه الهزات الاقتصادية على حركة الهجرة أيضاً، إذ إن تراجع الاستثمارات وفرص العمل والإنفاق الحكومي قد يدفع الشباب إلى البحث عن مصادر دخل وفرص أفضل خارج بلدانهم.
ويحذّر عايش بدوره من سلسلة تداعيات قد تبدأ بانخفاض الإيرادات وتنتهي بضغوط اجتماعية، قائلاً إن المسار المحتمل هو "تراجع الإيرادات، وبالتالي، عجز مالي واقتراض ثم ارتفاع الدين وخدمة الدين"، يتبعه خفض الدعم أو الإنفاق على المشاريع والخدمات، وصولاً إلى الضغط على الوظائف والدخل.
لكنه يؤكد أن هذا السيناريو ليس حتمياً، إذ يُمكن لامتلاك أصول سيادية كبيرة، وقطاع خاص قوي، ومصادر مستدامة للإيرادات، ومؤسسات مالية متينة، أن يساعد الدول على كسر هذه السلسلة وامتصاص الصدمة.
الجزائر والعراق وليبيا أمام هامش أضيق
يختلف وضع الدول النفطية الأقل تنوعاً في الاقتصاد، مثل الجزائر والعراق وليبيا، حيث لا تزال الإيرادات النفطية تمثل جزءاً كبيراً من موارد الدولة، فيما تحد الاضطرابات السياسية والمؤسسية في بعضها من قدرتها على تنفيذ إصلاحات اقتصادية طويلة الأمد.
ويُشير عايش إلى أن العراق، على سبيل المثال، يعتمد بصورة شديدة على النفط، إذ تمثل الإيرادات النفطية الجزء الأكبر من موارد الموازنة، فيما تواجه ليبيا هشاشة إضافية مرتبطة بالانقسام المؤسسي والتنازع على الحقول النفطية.
أما الجزائر، فعلى الرغم من أنها أقل اعتماداً على النفط من العراق في بعض المؤشرات، فإن اقتصادها لا يزال مرتبطاً بقوة بعائدات النفط والغاز.
ويختصر عايش قائلاً إنه من المهم للدول النفطية معرفة حجم ما أنجزته في تأسيس بنية اقتصادية خارج قطاع النفط قبل أن ينخفض الطلب عليه، ما يشكّل تحدياً لها.

صدر الصورة، Getty Images
"لا يوجد بديل واحد للنفط"
يؤكد المتخصصان عايش وغالب، أن تعويض النفط لا يمكن أن يتم من خلال قطاع واحد، مهما بلغت قدرته على تحقيق الإيرادات.
يقول عايش: "لا يوجد قطاع واحد يمكنه أن يحل محل القطاع النفطي، والتعويض الحقيقي يحتاج إلى سلة واسعة من القطاعات؛ بحيث تُصبح مجموعة قادرة على توليد الناتج والصادرات والضرائب والوظائف التي كان النفط وحده يمولها".
تشمل القطاعات التي يمكن أن تلعب دوراً في هذا التحول: الصناعات التحويلية والبتروكيماويات المتقدمة وقطاع التعدين والصناعات المعدنية والخدمات اللوجستية والسياحة والخدمات المالية والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إلى جانب الصناعات الدفاعية والطاقة المتجددة والهيدروجين والأمونيا والصناعات الغذائية والدوائية.
يرى غالب أن الدول العربية تمتلك بدورها موارد وإمكانات اقتصادية تتجاوز النفط، لكنَّ تحويلها إلى مصادر دخل حقيقية يتطلَّب استثمارات طويلة الأمد في قطاعات إنتاجية، وليس الاكتفاء بالعائدات النفطية فحسب.
كذلك، يشددان على أن الاستعداد لمرحلة تراجع النفط يجب أن يبدأ قبل حدوثها، عبر تحويل جزء من العائدات الحالية إلى أصول واستثمارات قادرة على توليد دخل مستدام.
يقول غالب إن المطلوب هو "تحويل الأصول النفطية إلى أصول أخرى منتجة، وليس تبديد الموارد على متطلبات المعيشة الحالية". ويضيف أن الاستعداد لمرحلة ما بعد النفط يجب أن يشمل الاستثمار في البحث والتطوير والصناعات التحويلية والتعليم والزراعة والطاقة النظيفة، إلى جانب تعزيز الصناديق السيادية وتنويع مصادر الدخل.
كما يُشير إلى أهمية الموارد التي قد تزداد قيمتها مع التحول التكنولوجي، من بينها العناصر النادرة المستخدمة في صناعة الشرائح الإلكترونية والتقنيات الحديثة.
وبالنسبة إلى الباحث في شؤون الاقتصاد حسام عايش، فإن نجاح التنويع لا يقاس فقط بارتفاع مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي خلال سنوات الاستقرار، وإنما بقدرتها على الحفاظ على النمو عندما تتعرض عائدات النفط لصدمة.
هل يمثل تراجع النفط فرصة أم خطراً؟
يحذّر المهندس الاستشاري في شركة للنفط علي غالب، من أن التحول بعيداً عن النفط يمكن أن يكون خطراً إذا ما حدث سريعاً، قبل أن تتمكن الدول المنتِجة من تطوير قطاعات قادرة على تعويض النقص في الإيرادات.
لكن الباحث الاقتصادي حسام عايش يرى أن انخفاض الطلب على النفط قد يمثّل في الوقت نفسه فرصة لإجبار الحكومات على تسريع الإصلاحات، وتقليل الهدر، وإعادة النظر في الإنفاق، وبناء نموذج اقتصادي أقل اعتماداً على مصدر واحد للدخل.
ويقول: "إن انخفاض الإيرادات يجبر الحكومات على مواجهة السؤال الذي قد تؤجله خلال فترات ارتفاع أسعار النفط: ما الذي سينتجه الاقتصاد عندما لا يكفي النفط؟".
عصر ما بعد النفط، هل هو نهاية النفط؟
لا يعني الحديث عن عصر ما بعد النفط أن النفط سيختفي من العالم أو يفقد قيمته خلال سنوات قليلة. فبحسب عايش، الأدق هو الحديث عن مرحلة يفقد فيها النفط موقعه باعتباره المصدر المهيمن الذي يدور حوله الاقتصاد والطاقة والجغرافيا السياسية، ليصبح واحداً من عدة مصادر للطاقة والمواد الخام.
تُشير الاتجاهات الحالية إلى تراجع تدريجي في حصة النفط من مزيج الطاقة العالمي، بالتزامن مع تسارع التحول نحو الكهرباء والطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية.
يُشير عايش إلى أن حصة الطاقة المتجددة من إنتاج الكهرباء العالمي بلغت نحو 34 في المئة في عام 2025، مقارنة بـ 23 في المئة قبل عشر سنوات، في حين وصلت حصة طاقة الشمس والرياح إلى نحو 17 في المئة.
كما يتوقع استمرار نمو قطاع السيارات الكهربائية، مع إمكانية تجاوز حصتها نصف مبيعات السيارات الجديدة عالمياً بحلول عام 2035، وهو ما قد يؤدي إلى خفض استهلاك النفط مقارنة بالمستويات الحالية.
لكن التحوّل، في نظر عايش، لا يعني أن برميل النفط سيختفي، بل إن العلاقة التاريخية بين النمو الاقتصادي العالمي واستهلاك النفط قد تبدأ في الانفصال تدريجياً.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.



