حين تصبح حياة المدنيين أداة للابتزاز
الاعتداءات الحوثية على المطارات والمنشآت المدنية في المملكة العربية السعودية مرفوضة بكل المقاييس؛ فالمسافر والعامل والأسرة لا يجوز أن يصبحوا أهدافاً للصواريخ والمسيّرات ولا أوراقاً للضغط السياسي. هذه الهجمات تكشف سلوك جماعة تدّعي الحكم بينما تتجاهل أبسط مسؤولياته من احترام حياة الناس وأمنهم.
وتتجاوز القضية السعودية إلى نمط أوسع من الاعتداءات الإيرانية وهجمات الجماعات المرتبطة بطهران على دول المنطقة، وهو ما أدانته مواقف خليجية وعربية مشتركة. والخطر في هذا النهج أنه يحاول تحويل الحياة المدنية إلى وسيلة ابتزاز ودفع الدول إلى اتخاذ قراراتها تحت تهديد استهداف سكانها وتعطيل اقتصادها.
هنا يظهر التناقض بين الشعارات التي ترفعها السلطة الإيرانية والجماعات التابعة لها وبين نتائج أفعالها. فالحديث عن نصرة الشعوب يفقد صدقيته حين تكون النتيجة ترويع المدنيين وتعريض حياتهم للخطر، كما أن تنفيذ الاعتداء بواسطة جماعة مسلحة لا يُخرج داعميها من دائرة البحث والمساءلة، بل يستوجب توثيق أدوار التمويل والتسليح والتدريب والمشاركة في التخطيط والتنفيذ لتحديد مسؤولية كل طرف بالأدلة.
والقاعدة القانونية واضحة كما تؤكدها اللجنة الدولية للصليب الأحمر إذ تقول إن تعمّد استهداف المدنيين غير المشاركين في القتال جريمة حرب، ويُحظر كذلك استهداف المنشآت المدنية التي لا تشكّل أهدافاً عسكرية، وتنفيذ الهجمات العشوائية أو غير المتناسبة، وقد ترقى هذه الأفعال إلى جرائم حرب بحسب ظروفها والأدلة المتاحة، فالأهمية الاقتصادية للمطار لا تبرر ضربه.
وفي مواجهة هذه الاعتداءات يؤدي الإعلام دوراً أساسياً في تفسير الحدث وبناء الوعي بتداعياته، وطريقة تناول الهجوم تحدد ما إذا كان الجمهور سيفهم حقيقته الإنسانية والسياسية أم سيتلقى رواية المهاجم وشعاراته. لذلك تحتاج التغطية إلى سردية متماسكة تربط الوقائع بأثرها على الناس وتشرح لماذا يُعدّ استهداف حياتهم المدنية انتهاكاً يستوجب المساءلة.
وتوحيد الرسائل الإعلامية الخليجية والعربية حول حماية المدنيين واحترام سيادة الدول ضرورة لبناء موقف مشترك لدى الرأي العام العربي والعالم. ويتحقق ذلك بالدقة واتساق الحقائق وإظهار أن رفض الإرهاب مبدأ ثابت مهما كانت هوية مرتكبيه أو الشعارات التي يرفعونها، فالفكر الإرهابي ينكشف حين يبرر قتل الأبرياء ويحوّل الخلاف السياسي إلى استباحة لحياتهم.
وتكتسب هذه الرسائل قوتها من شهادات الضحايا والصور المتحقق منها والتوثيق المتراكم للهجمات مع الفصل بين المعلومات المؤكدة والادعاءات. كما أن تقديمها بلغات متعددة والاستعانة بخبراء مستقلين وشرح القواعد القانونية ببساطة يوسّع فهم العالم لما يجري ويدعم فرص المحاسبة، وتقتضي صدقية السرد التمييز بين السلطة الإيرانية والشعب الإيراني وبين الجماعات المسلحة والمجتمعات التي تدّعي تمثيلها.
إن مواجهة هذا النهج تستدعي عملاً خليجياً وعربياً متماسكاً يجمع الحماية الأمنية والتحرك الديبلوماسي والسرد الإعلامي الموثوق، ويدعم التحقيقات المستقلة ومحاسبة من تثبت مسؤوليته، فحياة المدنيين ليست ساحة لتصفية الحسابات، ولا يجوز أن تصبح أداة لفرض إرادة الميليشيات وداعميها.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.