ديزل بوتين بين وعود ترامب وأزمة المصافي... ماذا يعني الاتفاق لأوروبا؟
أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب فتح باب تجارة الديزل الروسي، بإعلانه الجمعة 9 تشرين الأول/أكتوبر الجاري التوصل إلى تفاهم مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لإمداد الأسواق الأميركية والعالمية بالوقود، بالتزامن مع إصدار الخزانة الأميركية ترخيصاً استثنائياً يسمح بهذه المعاملات، في محاولة لاحتواء ارتفاع الأسعار واضطراب الإمدادات.
جاء التحرك بعد أسبوع من تعهد مجموعة السبع مواصلة العقوبات على روسيا، وأثار اعتراضات أوروبية وأوكرانية، وسط أزمة وقود عالمية فاقمتها الحرب في الشرق الأوسط واضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز، فيما تتعرض المصافي الروسية لهجمات أوكرانية متكررة تحدّ من قدرتها الإنتاجية.
لكن تخفيف العقوبات لا يضمن زيادة فعلية في المعروض العالمي. وفي تصريحين خاصين لـ"النهار"، يشرح خبيران في أسواق الطاقة حدود الاتفاق وتأثيره المحتمل في الأسعار والعائدات الروسية، وانعكاساته على العلاقة بين واشنطن وأوروبا والحرب في أوكرانيا.
.jpg)
الرئيسان الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين خلال قمة ألاسكا في 15 آب/أغسطس 2025. (البيت الأبيض)
استثناء أميركي يصطدم بالموقف الأوروبي
أعلن ترامب أن روسيا ستوفر فوراً أكثر من 300 ألف طن من الديزل، تليها 500 ألف طن في تشرين الثاني/نوفمبر، ثم مليون طن لاحقاً، فضلاً عن 3 ملايين طن أخرى ربط تسليمها بحالة المصافي الروسية. وفي 10 تشرين الأول، رفعت موسكو جزئياً حظر صادرات الديزل، بما يتيح طرح 500 ألف طن في الأسواق العالمية، من دون تأكيد تسليم شحنات فعلياً.
وأصدر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في الخزانة الأميركية الترخيص العام رقم 135، الذي يسمح حتى 7 نيسان/أبريل 2027 ببيع الديزل الروسي وتسليمه وتفريغه واستيراده، بما في ذلك إلى الولايات المتحدة. ويقتصر الاستثناء على معاملات محددة، من دون رفع شامل للعقوبات النفطية، مع استمرار حظر السحب من حسابات البنك المركزي الروسي وصندوق الثروة الوطنية ووزارة المالية الروسية لدى المصارف الأميركية.
وكانت مجموعة السبع قد اتفقت في 2 تشرين الأول على تنفيذ التزامات سابقة بالإفراج المنسق عن 100 مليون برميل من الاحتياطيات خلال أربعة أشهر، مع تقديم كميات كبيرة من الديزل خلال الأيام العشرين الأولى، والتأكيد على استمرار العقوبات ضد موسكو.
وأثار التحول الأميركي اعتراض مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس، التي حذرت من توفير إيرادات إضافية لروسيا لتمويل حربها، مؤكدة أن أوروبا لن تخفف الضغط على موسكو. كذلك جددت ألمانيا تمسكها بالعقوبات.
وتراجعت حصة روسيا من واردات النفط إلى الاتحاد الأوروبي من 25.8 في المئة عام 2021 إلى 2.2 في المئة عام 2025، وفق بيانات أوروبية. غير أن تقليص الاعتماد المباشر على الخام الروسي لا يحمي الأسواق الأوروبية من ارتفاع أسعار الديزل عالمياً، ما يضع الحكومات أمام معادلة صعبة بين استقرار الأسعار والحفاظ على العقوبات.

دخان أسود يتصاعد من محيط مصفاة غازبروم في موسكو، 18 حزيران/يونيو 2026. (أ ف ب)
أزمة المصافي تحدّد فرص نجاح الاتفاق
ترى تاتيانا ميتروفا، الباحثة في مركز سياسات الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا الأميركية، أن توفير 300 ألف طن دفعة واحدة يبدو ممكناً، لكن لا أدلة على جاهزية الكمية للتسليم الفوري. وتؤكد لـ"النهار" أن التعهدات اللاحقة أكثر غموضاً، في ظل تراجع إنتاج الديزل الروسي وتعقّد إصلاح المصافي المتضررة.
وتوضح ميتروفا، المديرة التنفيذية السابقة لمركز الطاقة في كلية سكولكوفو للإدارة بموسكو، أن الضغط الأميركي على أوكرانيا لوقف استهداف المصافي قد يغير المعطيات، لكنه لا يضمن توقف الهجمات أو استعادة الطاقة الإنتاجية سريعاً.
وبحسب وكالة الطاقة الدولية، انخفض إنتاج الديزل الروسي بنحو 30 في المئة مقارنة بعام 2025، فيما تراجعت معالجة الخام في المصافي إلى 3.8 ملايين برميل يومياً في حزيران/يونيو، وهو أدنى مستوى منذ أكثر من عقدين.
وترجح ميتروفا أن تأتي الشحنة الأولى من مخزونات متراكمة أو صادرات كانت مخصصة لوجهات أخرى. وتلفت إلى أهمية التمييز بين الحالتين، إذ يتيح السحب من المخزون زيادة مؤقتة في الإمدادات، بينما تؤدي إعادة توجيه الشحنات إلى تغيير وجهتها من دون زيادة المعروض العالمي.
وتشدد على أن الإعفاء الأميركي يزيل عقبة قانونية مهمة، لكنه لا يعيد تشغيل المصافي المتضررة أو يعوض الإنتاج المفقود. وحتى إذا أوفت موسكو بتعهداتها، فإن الكميات المطروحة ستغطي جزءاً محدوداً من خسائر الإمدادات الناجمة عن أزمة هرمز. وقد يهدئ الإعلان توقعات الأسواق مؤقتاً، فيما يتطلب انخفاض الأسعار المستدام تعافياً فعلياً للإنتاج والصادرات.
ويتفق بنجامين هيلغنشتوك، مدير مركز الجيواقتصاد والمرونة في معهد كييف للاقتصاد، مع هذا التقدير. ويوضح لـ"النهار" أن المشكلة الروسية تكمن في شح المعروض، مع استمرار الطلب على المنتجات النفطية. ويستبعد تحقيق عائدات إضافية كبيرة أو زيادة ملموسة في الكميات، خصوصاً أن موسكو كانت تخطط أصلاً لرفع حظر الصادرات، مع احتمال تحسن هامشي في الأسعار التي تحصل عليها من المشترين.
لكن هيلغنشتوك يحذر من التداعيات السياسية للاتفاق، ولا سيما احتمال استخدامه للضغط على كييف لوقف ضربات المصافي. وفي 10 تشرين الأول، طالب ترامب أوكرانيا علناً بوقف الهجمات، بعدما كشفت "فايننشال تايمز" عن تحذيرات أميركية بشأن استمرار تبادل المعلومات الاستخباراتية. وتصاعد الخلاف مع دعوة الرئيس الأميركي إلى تغيير القيادة الأوكرانية.
وبحسب "أكسيوس"، يبدي الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي استعداداً لوقف استهداف المصافي مقابل توقف الهجمات الروسية على محطات الكهرباء الأوكرانية، وهو شرط لم تقبله واشنطن أساساً للوقف المتبادل.
ويربط هيلغنشتوك موقف ترامب بحسابات الانتخابات النصفية الأميركية المقررة في 3 تشرين الثاني، متوقعاً تراجع اهتمامه بالملف بعد إجرائها. وبذلك، قد تكون المكاسب السياسية للاتفاق أكبر من أثره الفعلي في سوق الديزل، بينما تبقى أوروبا أمام ارتفاع كلفة الوقود وتباعد الموقف الأميركي عن سياستها تجاه روسيا.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.