سفن الشحن كانت تستقبل السياح.. لماذا أصبحت هذه التجربة نادرة؟

(CNN)-- تُعتَبر بعض سفن الشحن صلة الوصل الوحيدة بالعالم الخارجي لمختلف المناطق النائية حول العالم.
ولا تزال سفن الشحن تشغل تلك المكانة بالفعل، لكنّ عددًا قليلًا منها فقط ينقل السيّاح إلى موانئ بعيدة.
ويقول آرني جودي، صاحب شركة "Langsamreisen" الألمانية التي تنظم رحلات على متن سفن الشحن في بحر البلطيق والمحيط الأطلسي وجنوب المحيط الهادئ: "لم تعد أي رحلة (للسيّاح) متاحة تقريباً منذ جائحة كوفيد".
وتُعد "Langsamreisen" واحدة من الشركات القليلة المتبقية في هذا المجال المتخصّص من صناعة السفر، الذي كان يضم نحو ست شركات كبرى قبل الجائحة.

وتوقفت معظم تلك الشركات عن العمل، إذ كانت ضحيةً لتحديات متعلقة بالصحة والسلامة المرتبطة بحقبة جائحة كورونا، إلى جانب متطلبات الأمن المشددة على متن السفن في وقت أصبحت فيه أعالي البحار أكثر خطورة بسبب الحروب والقرصنة، فضلاً عن الأعباء الإضافية المترتبة على خدمة المدنيين إلى جانب المهام التشغيلية الأساسية للسفن.
وتُعتبر شركة "Maersk Line" الدنماركية الشهيرة، التي تمتلك واحدة من أكبر أساطيل سفن الحاويات في العالم، من بين شركات الشحن التي توقفت عن نقل الركاب منذ تفشي الجائحة.
وتقول المتحدثة باسم الشركة تشيلسي بافونا غاردنر: "نقل أشخاص ليسوا ضمن أفراد الطاقم على متن السفينة يتطلب مزيدًا من إجراءات السلامة والدعم التشغيلي.. بما أنّ سفننا مخصّصة لعمليات الشحن، فإنّ سفر الركاب ليس خدمة نقدمها".
لطالما نقلت سفن الشحن الركاب لقرون عديدة، لكن العصر الذهبي لسفر الشحن البحري كان في النصف الأول من القرن العشرين، أي قبل أن تصبح خدمات الطيران لمسافات طويلة أمراً شائعاً.
وبالنسبة للبعض، كانت سفن الشحن ببساطة الوسيلة الأكثر ملاءمة (والأرخص غالباً) للانتقال من مكان إلى آخر. ولم تكن تلك الرحلات تتّسم دائماً بالفخامة.
على سبيل المثال، عبرت جوليا كليرك، التي نشأت في منطقة البحر الكاريبي، المحيط الأطلسي مع والديها على متن سفينة مخصّصة لنقل الموز تتسع لـ 12 راكباً، لزيارة أقارب لهم في إنجلترا.
وتتذكر أنه في تلك الرحلة "كنّا تستمتع بلعبة دفع الأقراص (shuffleboard)، وقراءة الكتب، وأشعة الشمس. كنّا نزور القبطان في غرفة القيادة، ونتحدث كثيراً مع الركاب الآخرين".
وكانت رحلة العودة إلى منطقة البحر الكاريبي تجربة لا تُنسى تحديدًا، موضحة: "بما أنّ السفينة كانت قد أفرغت حمولتها من الموز في إنجلترا بالفعل، فإنّ توازنها لم يكن مستقراً تماماً أثناء رحلة العودة.. كانت الأمواج هائجة، وعانيت من دوار البحر لدرجة أنّني لم أستطع النهوض من سريري".

أمّا النيوزيلندي بين ماك، فتحدّث عن تجربته على متن سفينة الشحن "Amerigo Vespucci" قبل جائحة كورونا، الذي كان على متنها في رحلةٍ استغرقت ثمانية أيام بين ميناء "كلانغ" في ماليزيا وهونغ كونغ.
وأفاد ماك: "كانت التجربة مريحة جدًا وملهمة في آن واحد بالنسبة لي".
وتابع: "لم تتجاوز كلفة الرحلة بأكملها ألفي دولار أمريكي.. تظل هذه التجربة واحدة من أكثر المغامرات المفضلة لدي".
ما الذي تبقى من هذه التجربة بعد الجائحة؟
لا تزال بعض عبّارات الشحن المخصصة للمسافات القصيرة تنقل الركاب، مثل سفينة "MV Bella Desgagnés" التي تمر بمجتمعات صغيرة على طول منطقة "كوت-نور" في مقاطعة كيبيك الكندية.
وهناك أيضاً سفينة شحن تنطلق مرة واحدة كل شهر من مدينة كيب تاون بجنوب إفريقيا لخدمة ميناءين على الساحل الناميبي، قبل أن تبحر نحو جزيرتي "سانت هيلينا" و"أسينشن" جنوب المحيط الأطلسي.
وفي الوقت ذاته، توفر شركة "Langsamreisen" حالياً رحلات على متن سفن شحن بين مدينة أنتويرب البلجيكية وفنلندا، وبين مدينة روتردام الهولندية وآيسلندا.
وفي حين لا تزال أساطيل سفن الشحن الكبيرة تمتنع عن نقل المدنيين، قرّرت إحدى شركات الشحن الجديدة أنّ الركاب يشكلون جزءاً لا يتجزأ من خدماتها.

انطلقت سفينة "Neoliner Origin"، التي تتخذ من مدينة سان نازير غرب فرنسا مقراً لها، في أولى رحلاتها عبر المحيط الأطلسي في أكتوبر/تشرين الأول من العام 2025.
تقول المتحدثة باسم الشركة غابرييلا بوليت إنّ المؤسسين التسعة، وجميعهم من ذوي الخبرة الطويلة في الملاحة التجارية، اختاروا الاعتماد على طاقة الأشرعة الشمسية في إطار هدف أوسع يتمثل بجعل عمليات الشحن البحري أكثر استدامة وصداقة للبيئة، استجابةً لتحديات التغير المناخي.
وتوضِّح بوليت: "كانت فكرة نقل الركاب على متن السفينة جزءاً من المشروع منذ البداية"، مشيرةً إلى أنّ الإقبال على خدمة نقل الركاب كان هائلاً.
وأكّدت: "لقد كانت السفينة ممتلئة بالكامل في كل رحلة. وفي الواقع، نتلقى الكثير من الرسائل عبر البريد الإلكتروني والاستفسارات من ركاب يرغبون بعبور المحيط الأطلسي بصحبة سياراتهم".
تضم سفينة "Neoliner Origin" ست مقصورات للركاب، ومكتبة، وآلة بيانو، وقاعة لتناول الطعام تتيح للركاب تناول وجباتهم بمفردهم أو التفاعل مع أفراد الطاقم.
وتدرس الشركة إمكانية ضم المزيد من السفن التي تعمل بالطاقة الشمسية والأشرعة إلى أسطولها.
وتقول بوليت: "سننتظر قليلاً للتأكد من نجاح النموذج تجارياً ومن كفاءة تصميم المسار البحري وما إلى ذلك، لكننا نفكر بالتأكيد في إضافة سفينة أخرى".
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.