لقاح تجريبي لسرطان الجلد يقلل احتمالات عودة المرض بعد استئصال الورم

أظهرت نتائج تجربة سريرية دولية واسعة أن لقاحاً تجريبياً للسرطان، يعتمد على تقنية الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA)، ويُصنع بصورة شخصية لكل مريض، نجح في خفض احتمالات عودة سرطان الجلد الميلانيني، أو الوفاة، بنسبة 42%، عند استخدامه إلى جانب أحد أدوية العلاج المناعي.
جاءت النتائج ضمن المرحلة الثالثة من التجربة السريرية المعروفة باسم ":INTerpath-001"، بمشاركة 1137 مصاباً بالميلانوما عالية الخطورة، وأُعلنت تفاصيلها خلال المؤتمر السنوي للجمعية الأوروبية لطب الأورام الذي تستضيفه العاصمة الإسبانية مدريد في الفترة من 23 إلى 27 أكتوبر الجاري.
ويعد هذا التطور من أبرز النتائج السريرية المتقدمة للقاحات السرطان الشخصية المعتمدة على تقنية الحمض النووي الريبوزي المرسال، والتي اكتسبت شهرة عالمية خلال تطوير لقاحات فيروس كورونا، لكنها تستخدم هنا لغرض مختلف، وهو تدريب جهاز المناعة على التعرف على الخلايا السرطانية المتبقية بعد الجراحة ومهاجمتها.
لقاح يقلل احتمالات عودة سرطان الجلد
أجرت شركتا "موديرنا" و"ميرك" الأميركيتان التجربة لاختبار لقاح يحمل الاسم العلمي "intismeran autogene" المعروف أيضاً باسم V940 أو mRNA-4157، بالاشتراك مع دواء "pembrolizumab" المعروف تجارياً باسم "Keytruda".
وشملت الدراسة مرضى خضعوا لجراحات لاستئصال أورام الميلانوما بصورة كاملة، وكانوا في المراحل من الثانية "B" إلى الرابعة من المرض، وهي فئات تختلف درجة خطورتها لكنها تواجه احتمالات لعودة السرطان حتى بعد إزالة الورم.
وقسَّم الباحثون المشاركين عشوائياً إلى مجموعتين؛ تلقت الأولى اللقاح التجريبي مع العلاج المناعي، بينما حصلت المجموعة الثانية على دواء وهمي إلى جانب العلاج المناعي نفسه.
وبعد فترة متابعة وسيطة بلغت 24.6 شهر، أظهرت النتائج أن العلاج المزدوج خفّض احتمال عودة السرطان، أو الوفاة بنسبة 42% مقارنةً بالعلاج بـ"Keytruda" وحده.
وبلغت نسبة المرضى الذين ظلوا دون عودة للسرطان بعد عامين 82.2% في مجموعة اللقاح، مقابل 70% في المجموعة الأخرى، بفارق 12.2%.
وسجل الباحثون كذلك انخفاضاً بنسبة 38% في الاحتمال النسبي لانتشار السرطان إلى أعضاء بعيدة، أو الوفاة، وبعد عامين، بلغت نسبة المرضى الذين لم يحدث لديهم انتشار بعيد 88.5% مع العلاج المزدوج، مقارنة بنحو 80.2% مع العلاج المناعي وحده.
وتشير هذه النتائج إلى فائدة علاجية ذات دلالة إحصائية، لكن انخفاض الاحتمال النسبي بنسبة 42% لا يعني أن اللقاح يمنع عودة السرطان لدى 42 من كل 100 مريض، وإنما يعبر عن مقارنة معدلات حدوث الانتكاس، أو الوفاة خلال فترة المتابعة بين المجموعتين.
كيف يعمل لقاح سرطان الجلد الجديد؟
بخلاف اللقاحات التقليدية التي تعطى لأصحاء للوقاية من أمراض معدية، فإن اللقاح الجديد يُستخدم لعلاج مرضى بالسرطان بالفعل؛ بهدف تقليل احتمالات عودة المرض بعد استئصال الورم، وتبدأ عملية إنتاج اللقاح بالحصول على عينة من الورم السرطاني، وتحليل مادته الوراثية لتحديد الطفرات التي تميز خلاياه عن الخلايا السليمة.
ويستخدم الباحثون هذه المعلومات لاختيار مجموعة من البروتينات غير الطبيعية المرتبطة بالطفرات السرطانية، تعرف باسم "المستضدات الجديدة" التي يمكن لجهاز المناعة التعرف عليها بوصفها أهدافاً للهجوم.
وبناءً على تلك المعلومات، يُصنع لقاح خاص بكل مريض، باستخدام تعليمات وراثية من نوع الحمض النووي الريبوزي المرسال، تحفز خلايا الجسم على إنتاج مستضدات تساعد على تنشيط الخلايا التائية المناعية القادرة على مهاجمة السرطان، ويستطيع اللقاح التجريبي استهداف ما يصل إلى 34 مستضداً جديداً، بما يسمح بتوجيه الاستجابة المناعية نحو مجموعة من الخصائص الفريدة للورم.
أما دواء "Keytruda" فيعمل على تعطيل بروتين يعرف باسم PD-1، وهو أحد المكابح الطبيعية للاستجابة المناعية، ويساعد تعطيل هذا البروتين على تعزيز قدرة الخلايا المناعية على مهاجمة الأورام، ويراهن الباحثون على التكامل بين الاثنين؛ إذ يساعد اللقاح الجهاز المناعي على تحديد أهدافه، بينما يعمل الدواء المناعي على تعزيز استجابته ضد الخلايا السرطانية.
بناء استجابة موجهة ضد الخلايا السرطانية
وكشفت التحليلات الإضافية للتجربة أن تأثير العلاج المزدوج لم يكن واضحاً خلال الأشهر الستة الأولى؛ إذ كانت النتائج متقاربة بين المرضى الذين تلقوا اللقاح، ومن حصلوا على العلاج المناعي وحده.
لكن بعد الأشهر الستة الأولى، أظهر تحليل محدد مسبقاً انخفاضاً بنسبة 58% في الاحتمال النسبي لعودة السرطان أو الوفاة، وانخفاضاً بنسبة 50% في احتمال الانتشار البعيد، أو الوفاة، مقارنة بالعلاج المناعي وحده خلال الفترة اللاحقة.
ورأى الباحثون أن هذه النتائج تتفق مع الوقت الذي يحتاجه اللقاح لتنشيط الجهاز المناعي، وبناء استجابة موجهة ضد الخلايا السرطانية.
ومع ذلك، فإن هذه النسب تخص تحليلاً لفترة محددة من المتابعة، ولا ينبغي الخلط بينها وبين النتيجة الأساسية للتجربة، التي سجلت انخفاضاً إجمالياً بنسبة 42% في احتمال عودة المرض أو الوفاة.
استهداف الخصائص الجينية الفردية للأورام
وقالت الباحثة الرئيسية في التجربة، جورجينا لونج، المديرة الطبية لمعهد الميلانوما في أستراليا، إن النتائج قد تؤسس لتحول في الطريقة التي يعالج بها الأطباء السرطان، بالانتقال نحو مستحضرات تستهدف الخصائص الجينية الفردية للأورام بدلاً من الاعتماد على موضع نشأتها فقط.
وأضافت أن تصميم العلاج وفق البصمة الجينية للورم يمكن أن يساعد على تعزيز الاستجابة المناعية، مشيرة إلى أن النتائج قد توفر معلومات مهمة لتطوير لقاحات مشابهة لأنواع أخرى من السرطان.
وتعد التجربة الحالية اختباراً أكثر اتساعاً لقدرة العلاج على تحسين النتائج السريرية، بعد الانتقال من الدراسات المبكرة إلى المرحلة الثالثة التي تسبق عادة طلب الموافقة التنظيمية.
حالتا وفاة في تجربة اللقاح
ورغم النتائج الإيجابية، سجّل الباحثون ارتفاعاً في بعض الآثار الجانبية لدى المرضى الذين تلقوا اللقاح مع العلاج المناعي؛ إذ ظهرت أعراض مرتبطة بالعلاج لدى 95.8% من المرضى في مجموعة العلاج المزدوج، مقارنة بنسبة 90% في المجموعة التي تلقت العلاج المناعي وحده.
كما سُجِّلت حالتا وفاة مرتبطتان بالعلاج في مجموعة اللقاح، لكن الباحثين نسبوهما إلى دواء "pembrolizumab" وليس إلى اللقاح التجريبي، وقالت الشركتان المطورتان للعلاج إن بيانات السلامة لم تكشف عن إشارات جديدة غير متوقعة، وإن معظم الأعراض الشائعة المرتبطة باللقاح كانت مؤقتة.
ورغم نجاح التجربة في تحقيق هدفها الأساسي المتمثل في تقليل احتمالات عودة مرض السرطان أو الوفاة، إلا أن الباحثين لم يثبتوا بعد أن إضافة اللقاح تؤدي إلى زيادة ذات دلالة إحصائية في معدلات البقاء على قيد الحياة، كما يمثل تصنيع لقاح منفصل لكل مريض واحداً من أبرز التحديات التي تواجه تحويل النتائج إلى علاج متاح على نطاق واسع.
ورغم هذه القيود، يرى الباحثون أن النتائج تمثل تقدماً مهماً نحو تحويل لقاحات السرطان الشخصية من فكرة بحثية إلى خيار علاجي محتمل، يهدف إلى تقليل الانتكاسات، وتحسين فرص المرضى في البقاء دون عودة للمرض.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.