تتجه لزيادة المدى.. هل تستطيع إيران تطوير صواريخ عابرة للقارات؟

بينما تراوح حرب إيران مكانها دون حسم تعقيدات الصراع، قال الجيش الإيراني إنه يضع خططاً لتصنيع صواريخ باليستية بمدى أطول، وأسرع، مما يوجد في الترسانة الصاروخية للبلاد، دون الكشف عن المدى أو السرعات المتوقعة.
ونقلت صحيفة "إيران انترناشونال" عن المتحدث باسم الجيش الإيراني قوله إن الجيش يعتزم زيادة سرعة ومدى صواريخه.
تأتي التصريحات الإيرانية في ظل العداء المستمر مع إسرائيل والولايات المتحدة التي تتمركز قواتها على بعد نحو 1000 كيلومتر من السواحل الإيرانية.
ترسانة إيران الصاروخية
ذكر مكتب مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية في تقييم سنوي للتهديدات صدر في مارس 2025 بتكليف من الكونجرس، أن "إيران تواصل تعزيز أنظمة صواريخها وطائراتها المسيرة المصنعة محلياً، وتمتلك أكبر مخزون من هذه الأنظمة في المنطقة".
وأحصى المركز الوطني الأميركي للاستخبارات الجوية والفضائية NASIC، في تقرير يعود لعام 2020، ما لا يقل عن 14 نوعاً مختلفاً من الصواريخ الباليستية الإيرانية.
وتشمل ترسانة إيران من الصواريخ الباليستية صواريخ تعمل بالوقود الصلب، والتي تتميز بسهولة صيانتها، وطول عمرها، وصواريخ تعمل بالوقود السائل، والتي تتمتع بقوة دفع أكبر من الصواريخ التي تعمل بالوقود الصلب.
واعتبر موقع Council On Foreign Relations، أن القصف الإيراني الذي استهدف إسرائيل عام 2024، يؤكد امتلاك طهران قدرات متنوعة، تشمل ترسانات واسعة من صواريخ كروز والصواريخ الباليستية، بالإضافة إلى الطائرات المسيرة.
وأكد محللو الاستخبارات الأميركية أن إيران تمتلك أكبر مخزون من الصواريخ الباليستية في الشرق الأوسط.
وتُشير التقارير إلى أن صواريخ إيران الأطول مدى قادرة على ضرب أهداف على بُعد يصل إلى 2000 كيلومتر، وربما أبعد من ذلك، لتغطي بذلك منطقة الشرق الأوسط بأكملها وأجزاء من أوروبا.
وفي مارس الماضي، أفادت وسائل إعلام أميركية، بأن إيران تمكنت من استهداف قاعدة "دييجو جارسيا" العسكرية الأميركية البريطانية المشتركة والتي تبعد نحو 3500 كيلومتر عن إيران.
ورغم النفي الإيراني، إلا أن تصريحات المسؤولين الأميركيين تؤكد أن طهران أطلقت صاروخين باليستيين على القاعدة الأميركية البريطانية دون إصابتها.
ووفقاً للتحليلات الأميركية والغربية عن القدرات الإيرانية الصاروخية، فإن لدى طهران ترسانة تتكون من صواريخ باليستية قصيرة المدى، وأخرى متوسطة المدى.
صواريخ باليستية قصيرة المدى
تضم ترسانة إيران من الصواريخ الباليستية قصيرة المدى، وهي صواريخ يقل مداها عن 1000 كيلومتر، صواريخ تعمل بالوقود السائل، وأخرى بالوقود الصلب.
ووفقًا لتقرير صادر عن وكالة استخبارات الدفاع الأميركية DIA، عام 2019، فإن صواريخ "شهاب-1" و"شهاب-2" و"قيام-1" الإيرانية التي تعمل بالوقود السائل، تعتمد على تكنولوجيا صواريخ "سكود" السوفيتية.
وفي أوائل العقد الأول من الألفية الثانية، بدأت إيران اختبار أول نسخة من عائلة صواريخ فاتح الباليستية قصيرة المدى، وهو صاروخ "فاتح-110".
ويُعد صاروخ "فاتح-110" وخليفته "فاتح-313"، من الصواريخ الباليستية قصيرة المدى التي تعمل بالوقود الصلب، ويبلغ مداها التقديري 300 و500 كيلومتر على التوالي، وفق "NASIC".
وعرضت إيران عدة نسخ من سلسلة صواريخ فاتح التي تتميز بمدى وأنظمة توجيه محسنة، بما في ذلك صاروخ "ذو الفقار" وصاروخ "خليج فارس" الباليستي المضاد للسفن.
صواريخ باليستية متوسطة المدى
تشمل صواريخ إيران الباليستية متوسطة المدى، التي يتراوح مداها بين 1000 و3000 كيلومتر، عائلة صواريخ "شهاب-3" التي تعمل بالوقود السائل، ويُقدر مداها بنحو 2000 كيلومتر.
ووفقاً لتقرير صادر عن مركز NASIC عام 2017، فإن هذا الصاروخ مشتق من صاروخ "Hwasong-7" الكوري الشمالي، وهو ما نفاه مسؤولون إيرانيون.
ويُرجح أن إيران بدأت تجاربها على صاروخ "شهاب-3" عام 1998، ومنذ ذلك الحين، أفادت تقارير بأنها اختبرت عدة نسخ منه، وفي أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ربما تكون إيران قد عدلت صاروخ "شهاب-3" لحمل رأس نووي، وفق تقرير صدر عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية عام 2011.
وبحسب ما ورد، فإن نسخ "شهاب-3" تشكل الأساس لاثنين على الأقل من الصواريخ الباليستية متوسطة المدى الأخرى، هما "قدر-1" و"عماد -1"، والتي صرحت إيران بأنها تتمتع بدقة ومدى محسنين.
واستثمرت إيران بشكل كبير لتحسين دقة هذه الأسلحة وقدرتها على التدمير، ما جعل قوتها الصاروخية تشكل تهديداً حقيقياً للقوات العسكرية الأميركية والمتحالفة معها في المنطقة، بحسب موقع Missile Threat.
واستعرض الموقع أبرز الصواريخ في الترسانة الإيرانية، والتي كان أبرزها:
- فتاح-1
هو أول صاروخ باليستي فرط صوتي إيراني، وتتراوح سرعته بين 13 إلى 15 ضعف سرعة الصوت، بينما يصل مداه إلى 1400 كيلومتر.
وتعتقد إيران، أن الصاروخ الذي طورته محلياً، قادر على اختراق أي منظومة دفاعية في العالم، بما في ذلك "القبة الحديدية" في إسرائيل.
- فتاح-2
استخدمت إيران صاروخها الفرط صوتي الثاني، "فتاح-2" في ردها على إسرائيل في أكتوبر 2024.
وأعلنت إيران عن هذا الصاروخ لأول مرة خلال زيارة المرشد الراحل علي خامنئي، منشأة تابعة للحرس الثوري في نوفمبر 2023، وهو صاروخ يعمل بالوقود السائل، ويصل مداه إلى 1500 كيلومتر.
ويستطيع الصاروخ حمل رأس حربي يزن 450 كيلوجراماً، ويتمتع بقدرة فائقة على المناورة وتجاوز الدفاعات الصاروخية المعادية.
- قدر-1
هو نسخة مطورة من صاروخ "شهاب-3" الأصلي، ويتمتع بمدى يصل إلى 1950 كيلومتراً.
ويصل طول الصاروخ 16.6 متر، وقطره 1.25 متر، وبإمكانه حمل رأس حربي زنة 800 كيلوجرام.
- عماد
يبلغ مدى هذا الصاروخ 1700 كيلومتر، ويستطيع حمل رأس حربي زنة 750 كيلوجراماً، أما قُطره فيبلغ 1.38 متر، وطوله 16.5 متر.
وأعلنت إيران نجاحها في اختبار الصاروخ "عماد" في أكتوبر 2015، وقال وزير الدفاع الإيراني آنذاك، حسين دهقان، إنه أول صاروخ إيراني يمكن التحكم فيه، وتوجيهه حتى يصيب هدفه.
- شهاب-3
هو صاروخ باليستي متوسط المدى يعمل بالوقود السائل، كما يعتبر أول صاروخ باليستي متوسط المدى قادر على الوصول إلى إسرائيل تنجح إيران في تطويره.
ويصل مدى الصاروخ الذي دخل الخدمة عام 2003 إلى نحو 1300 كيلومتر، ويبلغ طوله 16.58متر، وقطره 1.38 متر، أما وزنه عند الإطلاق فيبلغ 17 ألفاً و410 كيلوجرامات.
- سجيل
هو صاروخ باليستي متوسط المدى يعمل بالوقود الصلب على مرحلتين، جرى تصميمه وتصنيعه محلياً في إيران.
ويبلغ طول صاروخ "سجيل" 18 متراً، وقطره 1.25 متر، ويصل وزنه عند الإطلاق إلى 23 ألفاً و600 كيلوجرام.
ويمكنه إيصال حمولة تبلغ نحو 700 كيلوجرام إلى مدى يصل إلى 2000 كيلومتر، ويفترض أن يكون لديه القدرة على حمل رؤوس حربية شديدة الانفجار.
- سومار
تشير التقديرات، إلى أن صاروخ "سومار" يصل مداه إلى 2500 كيلومتر، وفي فبراير 2019، أطلقت إيران لأول مرة صاروخ كروز "الحويزة"، والذي من المحتمل أن يكون تطوراً لصاروخ "سومار".
وذكر وزير الدفاع الإيراني آنذاك، أمير حاتمي، خلال حفل إزاحة الستار عن الصاروخ، أن مدى الصاروخ يزيد عن 1350 كيلومتراً، وهو أقل بكثير عن المدى الأصلي المعلن عنه لصاروخ "سومار" وهو 2500 كيلومتر.
- خيبر
هو صاروخ مدفعي غير موجه جرى تطويره وتصنيعه في سوريا، ويطلق من راجمة الصواريخ الصينية WS-1.
ويبلغ مدى الصاروخ نحو 100 كيلومتر، ويمكن أن تصل حمولته إلى 150 كيلوجراماً، وعادة ما يكون مزوداً برؤوس حربية كبيرة مضادة للأفراد، ويبلغ طوله 6.3 متر، ووزنه عند الإطلاق نحو 750 كيلوجراماً.
صواريخ طويلة المدى
لطالما أعلنت إيران صراحة عن نيتها في تطوير صواريخ باليستية طويلة المدى، ولكن هل تملك طهران التكنولوجيا والقدرة الصناعية والمالية لتطوير صواريخ بعيدة المدى أو عابرة للقارات؟
عندما بدأت إيران في الثمانينيات بناء قدراتها الصاروخية، اعتمدت على كوريا الشمالية لنقل تقنيات الصواريخ، وفق موقع CFR.
وتطور برنامج إيران الصاروخي على عدة مراحل، بدأتها بشراء صواريخ "سكود" قصيرة المدى من كوريا الشمالية. وبحلول منتصف الثمانينيات، وخلال الحرب الإيرانية العراقية، جرى إطلاق أكثر من 600 صاروخ باليستي.
وبحلول عام 1998، كانت إيران صنعت واختبرت صاروخاً متوسط المدى، هو "شهاب-3"، وهو صاروخ أحادي المرحلة يعمل بالوقود السائل، مصمم على غرار صاروخ "Hwasong-7" الكوري الشمالي.
ومنذ ذلك الحين، شرعت إيران في عدد من مشروعات الصواريخ الأخرى، مع تحقيق تقدم في أنظمة الصواريخ التي تعمل بالوقود الصلب ومتعددة المراحل، ما يُعزز نظرياً قدرتها على البقاء على الأرض ومدى طيرانها.
وأشار الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، إلى تصاعد خطر برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، وقال في سبتمبر 2009 إن ترسانة طهران باتت "قادرة على الوصول إلى أوروبا".
ومع تطور قدرات الصواريخ الإيرانية، ناقش خبراء مدى قدرة طهران على إنتاج صواريخ بعيدة المدى، مثل الصواريخ العابرة للقارات، وتكييف هذه الصواريخ لحمل رؤوس نووية.
وأعرب بعض مسؤولي الاستخبارات الأميركية ودول حليفة للولايات المتحدة، منها فرنسا وألمانيا وبريطانيا، عن قلقها إزاء الغرض المزدوج المحتمل لبرنامج إطلاق المركبات الفضائية الإيراني، محذرة من إمكانية استخدام هذا البرنامج لتطوير صواريخ باليستية.
وفي عام 2025، خلصت وكالة استخبارات الدفاع الأميركية إلى أن إيران قد تستخدم مركبات إطلاق الأقمار الاصطناعية لتطوير صاروخ باليستي عابر للقارات ذي جدوى عسكرية بحلول عام 2035، إذا قررت طهران السعي وراء هذه القدرة.
إيران واستئناف إنتاج الصواريخ
ورغم التصريحات الأميركية بتأثير الضربات الأخيرة على قدرة إيران على تصنيع المزيد من الصواريخ، إلا أن صحيفة "وول ستريت جورنال"، أكدت أن طهران استأنفت إنتاج الصواريخ الباليستية باستخدام مكونات مخزنة مسبقاً، والعمل داخل منشآت تحت الأرض.
وقال مسؤولون للصحيفة الأميركية إنه رغم الهجمات المكثفة التي استهدفت مواقع الصواريخ والمنشآت الصناعية الإيرانية خلال المرحلة الأولى من الحرب، تواصل إيران تجميع صواريخ تعمل بالوقود السائل، التي يتعين تزويدها بالوقود مباشرة قبل إطلاقها، إلى جانب صواريخ تعمل بالوقود الصلب، التي يمكن تخزينها وهي جاهزة للإطلاق.
ويرى دانيل بيمن، أستاذ العلوم السياسية الأميركي، وزميل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية "CSIS"، أن إيران "لا تمتلك القدرة حالياً على تصنيع صواريخ طويلة المدى، أو عابرة للقارات رغم إعلانها في أكثر من مناسبة عن خططها لتصنيع صواريخ بمديات أكبر".
وقال بيمن، في تصريحات لـ"الشرق"، إن الولايات المتحدة وإسرائيل دمرتا جزءاً كبيراً من منشآتها المخصصة لإنتاج الصواريخ بعيدة المدى.
وأشار إلى أنه في الوقت نفسه، تزود الصين إيران بمكونات عسكرية، فضلاً عن أهمية الصواريخ بالنسبة لطهران كوسيلة لتهديد أعدائها، مما قد يدفعها للاستثمار في صواريخ ذات مدى أطول متى أتيحت لها الفرصة؛ غير أن إيران تواجه احتياجات متعددة، وستنافس تكلفة الصواريخ الجديدة تلك الاحتياجات الأخرى.
قدرة إيران الصناعية
يبدو أن إيران لديها القدرة على تطوير صواريخ طويلة المدى بالفعل، ولا تحتاج إلى شراء الصواريخ من كوريا الشمالية أو روسيا، وفقاً للعميد اللبناني المتقاعد ناجي ملاعب، الخبير العسكري والاستراتيجي.
وقال ملاعب، في تصريح لـ"الشرق"، إن إيران تمتلك قاعدة صاروخية كبيرة للغاية، ولديها خبرة في إنتاج المحركات، وتصنيع صواريخ تعمل بالوقود الصلب والسائل، فضلاً عن خبراتها في أنظمة التوجيه، ولكن يظل الوصول إلى مديات أكبر مثل صواريخ عابرة للقارات "أمراً معقداً".
وأشار إلى أنه لتصنيع صاروخ باليستي عابر للقارات، فإن إعادة توجيه الصاروخ بدقة بعد تخطيه الغلاف الجوي يحتاج إلى جهد كبير واختبارات لسنوات.
وأوضح ملاعب أن إيران يمكنها في الوقت نفسه الاستفادة من الخبرات الروسية والصينية في تطوير القدرات الصاروخية، وعمليات التوجيه اللازمة إذا أرادت تصنيع صواريخ بعيدة المدى.
وفي السياق ذاته، أكد العميد اللبناني المتقاعد والخبير العسكري، هشام جابر، أنه في ظل الحصار المفروض على إيران فإن إنتاج صواريخ بعيدة المدى غير ممكن إلا بمساعدة من روسيا والصين.
وقال جابر، في تصريح لـ"الشرق": "إذا تمكنت إيران من إنتاج صواريخ بمديات كبيرة تتخطى 15 ألف كيلومتر سيكون الوضع خطيراً للغاية في المنطقة، وستستطيع أن تصل إلى البر الرئيسي للولايات المتحدة".
هل تستهدف إيران أميركا؟
أثارت حادثة دييجو جارسيا التساؤلات بشأن نية إيران تطوير صواريخ بمديات كبيرة أو عابرة للقارات ربما لتهديد البر الرئيسي الأميركي.
وأعلن مسؤولون محليون في إيران، في أكثر من مناسبة اتجاه طهران لتطوير صواريخ يزيد مداها عن 15 ألف كيلومتر.
وأكد مسؤول في معهد الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS تفاوت الجداول الزمنية لتطوير الصواريخ بشكل كبير، لا سيما إذا حصلت إيران على مساعدة خارجية، لافتاً إلى أن تطوير صاروخ "قادر على ضرب الولايات المتحدة" سيستغرق بضع سنوات على الأقل.
وأشار إلى أنه من غير المرجح أن تشن إيران هجوماً على الأراضي الأميركية، حتى إذا تمكنت من تصنيع القدرات الصاروخية اللازمة لذلك؛ "فالحرب لا تحظى بتأييد شعبي في الولايات المتحدة، ومن شأن هجوم كهذا أن يزيد من الدعم للحرب، وإيران تدرك ذلك جيداً".
وقال الخبير العسكري اللبناني، ناجي ملاعب، إنه من غير المرجح أن تتمكن القاعدة الصناعية في إيران من إنتاج صواريخ قادرة على ضرب البر الرئيسي للولايات المتحدة، نظراً لحاجة طهران إلى تجارب لعدة سنوات على تطوير تلك التكنولوجيا.
وأضاف أن تطوير الصواريخ بعيدة المدى يلزمها اختبارات على دقة التوجيه وإدارة الحمولة، وحتى الآن لا توجد أي مؤشرات على مثل تلك الاختبارات، بالإضافة إلى المراقبة الجوية المستمرة من الولايات المتحدة وإسرائيل.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.