ماذا تفعل بجواز سفر شخص فقدته؟ هذا ما قامت به فنانة هندية

(CNN)-- بينما كانت الفنانة الهندية راديكا تشيتاليا ترتب أوراق والدها الراحل ووثائقه القديمة، عثرت على جواز سفره، لتجد نفسها أمام وثيقة تبدو عادية في ظاهرها، لكنها حملت بالنسبة إليها معنى يتجاوز كونها مجرد إثبات للهوية.
لم تستطع التخلص منه أو إعادته إلى الصندوق، فاختارت أن تمنح صفحاته الفارغة حياة جديدة، وتحولها إلى مساحة تحفظ فيها المشاعر والذكريات، وما لم تحظ بفرصة لقوله لوالدها.
من خلال مشروعها الفني الذي نشرته عبر حسابها الرسمي على "إنستغرام"، أعادت تشيتاليا رسم صفحات الجواز بأسلوب مستوحى من فن المنمنمات المغولية، لتبتكر عملًا فنيًا شخصيًا يلتقي فيه الفقد بالذاكرة والخيال.
وما بدأ كمشروع خاص بالعائلة، سرعان ما تجاوز نطاقه الأول ووصل إلى جمهور أوسع، بعدما وجد كثيرون فيه مساحة للتعبير عن حزنهم وعن الأشياء الصغيرة التي احتفظوا بها من أحبائهم بعد رحيلهم.

تقول تشيتاليا في مقابلة مع CNN بالعربية إن "تجربة الفقد تغيّر علاقتنا بالأشياء اليومية، فتحول ما كان يبدو عاديًا إلى شيء ذي قيمة لمجرد أنه كان يخص شخصًا نحبه". ومن هذا المنطلق، أصبح ملء صفحات جواز سفر والدها بالنسبة إليها وسيلة لمنح أحد هذه الأشياء حياة ثانية.
وكانت الرحلات التي لم يتمكن والدها من خوضها جزءًا من خلفية هذا العمل. فقد كان يحلم بالسفر مع والدتها بعد التقاعد، لكنه لم تتح له الفرصة لتحقيق تلك الخطط. ومع ذلك، لم تستخدم تشيتاليا الجواز لتوثيق الأماكن التي كان يتمنى زيارتها بصورة حرفية، بل حوّلته إلى مساحة للمشاعر.

تشبه الفنانة الهندية هذه العملية بممارسة الكتابة الحرة أو التعبيرية، التي تتيح للشخص ترك أفكاره تتدفق على الصفحة من دون رقابة أو محاولة مسبقة لتنظيمها. لكنها استبدلت الكلمات بالصور، فظهرت على الصفحات مشاعر متباينة، من الفكاهة والفرح إلى الحزن، والندم، والاشتياق، والفقد.
تقول تشيتاليا أن أيًا من هذه العناصر لم يكن مخططًا له مسبقًا، بل خرج تلقائيًا من تجربتها، صفحة تلو الأخرى.
أما اختيارها لفن المنمنمات المغولية، فيرتبط باهتمامها بالفنون الهندية التقليدية. وتشير إلى أن رسم "مادوباني" الشعبي وفن "كلامكاري" القائم على الرسم والطباعة على الأقمشة لطالما شكّلا مصدر إلهام لها، لكن المنمنمات المغولية بقيت الأقرب إلى أسلوبها، وهي تستند إلى هذه المدرسة الفنية في تقنيتها، مع تقديم تفسيرها الخاص لها.

تستخدم تشيتاليا فرشًا دقيقة مصنوعة من شعر السنجاب، إلى جانب أصباغ طبيعية كلما أمكن، فيما تبني كل صورة تدريجيًا، ضربة فرشاة تلو الأخرى.
بالنسبة إليها، لا تكمن أهمية هذه التقنية في دقتها فحسب، بل في الوقت والتركيز اللذين تفرضهما على الفنان، إذ أنها عملية لا تحتمل الاستعجال، وتمنحها في الوقت نفسه مساحة تأملية وعلاجية.
وقد استغرق إنجاز جواز السفر نحو أربعة أشهر، قبل أن ينتقل المشروع من نطاقه العائلي إلى جمهور أوسع، حيث لم تكن تشيتاليا تتوقع أن يغادر العمل محيط أسرتها، قبل أن تصل صورها إلى الجمهور عبر الإنترنت.

رغم اعترافها بأن تحويل المشروع إلى عمل تجاري سيكون أمرًا محببًا لها كفنانة، إلا أنها تعير اهتمامًا بقيمة التجربة الشخصية قبل ذلك، مشجعة الآخرين على خوضها بأنفسهم لمعالجة حزنهم بطريقتهم الخاصة، مع ترك الباب مفتوحًا أمام احتمال أن تتغير رؤيتها لهذا الأمر في المستقبل.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.