العراق بعد التحالف... من يضبط سلاح الفصائل؟
يدخل العراق مرحلة أمنية وسياسية جديدة بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي وانسحاب قواته من البلاد في 30 أيلول/سبتمبر 2026، منهياً مرحلة بدأت عام 2014 مع تشكيل التحالف لمحاربة تنظيم "داعش". ومع انتهاء الوجود العسكري الأجنبي، ينتقل أحد أصعب الملفات إلى الواجهة، وهو قدرة بغداد على حصر السلاح وقرار استخدام القوة بيد الدولة.
وحددت الحكومة الأول من تشرين الأول/أكتوبر بداية جدية لمعالجة السلاح خارج إطار الدولة، ضمن خريطة طريق يفترض أن تنتهي في 30 حزيران/يونيو 2027. وتستند الخطة إلى حصر قرار الحرب والسلم بالمؤسسات الدستورية، ومنع أي جهة من تنفيذ عمليات عسكرية بصورة منفردة، إلى جانب منع استخدام الأراضي والأجواء العراقية منطلقاً لهجمات على دول أخرى.
غير أن أول اعتراض جاء سريعاً. فقد أعلنت "المقاومة الإسلامية في العراق"، التي تضم فصائل مسلحة موالية لإيران، أنها غير ملزمة بأي توقيت أو اتفاق بشأن تسليم السلاح لم توافق عليه، ما كشف مبكراً حجم الفجوة بين الجدول الحكومي ومواقف بعض القوى المسلحة.
وتزداد حساسية الملف بسبب تداخل السلاح مع النظام السياسي نفسه. فبعض الفصائل ترتبط بقوى وأحزاب سياسية، وأخرى تعمل ضمن منظومة "الحشد الشعبي"، فيما تمتلك جماعات صواريخ وطائرات مسيّرة وأسلحة ثقيلة. لذلك يتجاوز النقاش مسألة وجود السلاح إلى سؤال الجهة التي تملك قرار استخدامه.
من يقرر استخدام القوة؟
يقول المستشار العسكري معن الجبوري لـ"النهار" إن انتهاء مهمة التحالف ينقل الضغط مباشرة إلى الدولة العراقية، لأن المشكلة أصبحت مرتبطة "بقدرة الدولة على فرض قرارها الأمني والعسكري ومنع أي جهة من اتخاذ قرار منفرد باستخدام القوة أو تنفيذ عمليات انطلاقاً من الأراضي العراقية".
ويرى أن احتفاظ فصائل بقدرات صاروخية وطائرات مسيّرة وأسلحة ثقيلة خارج السيطرة الفعلية للدولة قد يضع الحكومة أمام تحدٍ أكبر في حال تصاعد التوتر الإقليمي.
ويحذر الجبوري من أن أي هجمات على مصالح أو منشآت أميركية تنطلق من العراق قد ترتب على بغداد تداعيات سياسية وأمنية، وخصوصاً إذا اعتبرت واشنطن أن الحكومة غير قادرة على منعها.
ويقول إن رد الفعل الأميركي قد يتدرج من الضغوط السياسية والديبلوماسية والعقوبات إلى إجراءات أمنية أو عسكرية، ما قد يعيد العراق إلى دائرة التصعيد بين واشنطن وطهران التي تسعى الحكومة إلى الابتعاد منها.
ويضيف أن الخطر لا يقتصر على العلاقة مع الولايات المتحدة، إذ إن استخدام الأراضي العراقية في أي مواجهة إقليمية سيضع بغداد أمام تناقض مباشر مع تعهدها منع تحويل البلاد إلى منطلق أو ممر للعمليات العسكرية.
وبحسب الجبوري، فإن حصر السلاح "قضية تتعلق بسيادة العراق وقراره الوطني واستقراره الداخلي"، وليس مجرد مطلب خارجي، فيما تحتاج معالجته إلى مسار منظم يتجنب فتح مواجهة داخلية مع الفصائل.
الحوار قبل المواجهة
هذه النقطة تشكل جوهر المقاربة الحكومية. فمحاولة انتزاع السلاح بالقوة تحمل خطر صدام داخلي، بينما يهدد بقاء مراكز متعددة للقرار العسكري سلطة الدولة وقدرتها على منع انخراط العراق في مواجهات لا تريدها.
ويقول نائب رئيس خلية الإعلام الأمني اللواء تحسين الخفاجي، لـ"النهار"، إن الحوارات بين الحكومة والفصائل مستمرة، وإن معالجة الملف تجري وفق خطة متدرجة وبالتنسيق مع القوى السياسية والأمنية.
ويؤكد أن الحكومة تعتمد "مساراً تدريجياً قائماً على الحوار والتفاهم"، مع وجود مراحل وجداول زمنية يجري العمل عليها مع عدد من الفصائل والقوى السياسية.
ولا يقتصر البحث، وفق الخفاجي، على مصير الأسلحة، إذ يشمل تنظيم أوضاع عناصر الفصائل ومستقبلهم وضمان حقوقهم ضمن مؤسسات الدولة، بهدف الوصول إلى حصر السلاح والقرار العسكري بالمؤسسات الرسمية من دون إحداث فراغ أمني أو توتر داخلي.
ويتحدث عن "تفاهمات أولية" مع عدد من القوى والفصائل، مستبعداً في الوقت الراهن حصول مواجهة مسلحة بسبب الملف، ومؤكداً أن المرحلة المقبلة ستشهد انتقالاً تدريجياً من التفاهمات السياسية إلى خطوات عملية.
لكن هذا المسار يصطدم منذ بدايته بالخلاف على معنى "حصر السلاح" نفسه. فالحكومة تتحدث عن خضوع جميع القدرات العسكرية لقرارها، بينما تتمسك فصائل بحق الاحتفاظ بسلاحها والرد بصورة مستقلة على أي تهديد تعتبره موجهاً إلى العراق.
وهنا يقع الاختبار الحقيقي لما بعد التحالف. فمغادرة القوات الأجنبية أزالت أحد أبرز المبررات التي استخدمتها فصائل للاحتفاظ بسلاحها، لكنها لم تحسم الخلاف على مستقبل هذه الترسانة أو الجهة التي تملك قرار تشغيلها.
وبين مهلة 30 حزيران 2027 التي وضعتها بغداد ورفض قوى مسلحة الالتزام مسبقاً بأي جدول زمني، بات نجاح الخطة مرتبطاً بما تستطيع الحكومة انتزاعه في المفاوضات خلال الأشهر المقبلة، وبقدرتها على تحويل مبدأ حصر السلاح من تعهد سياسي إلى قرار قابل للتنفيذ من دون فتح جبهة داخلية جديدة.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.