لبنان أمام فاتورة الانهيار: من يدفع ثمن الأزمة؟
لم يعد السؤال في لبنان ما إذا كان القطاع المصرفي يحتاج إلى إعادة هيكلة، بل أصبح السؤال الأكثر حساسية: من سيتحمل كلفة الانهيار المالي، وبأي ترتيب؟
بعد زيارة استمرت أربعة أيام، وضع صندوق النقد الدولي هذه المسألة في صلب النقاش. فقد رحّب بتعديل قانون إصلاح أوضاع المصارف، لكنه شدد على ضرورة تعديل قانون الاستقرار المالي واسترداد الودائع بما ينسجم مع المعايير الدولية، مؤكداً أن المودعين يجب ألا يتحملوا الخسائر قبل المساهمين والدائنين من المرتبة الأدنى.
هذه ليست مسألة قانونية تقنية فحسب، بل هي جوهر استعادة الثقة في الاقتصاد اللبناني. فالمصرف الذي يفقد ثقة المودع يفقد أساس وجوده، والاقتصاد الذي يفقد الثقة بالقطاع المصرفي يتحول تدريجياً إلى اقتصاد نقدي محدود الائتمان والاستثمار.
لكن حماية المودعين لا تعني تحميل الدولة وحدها كامل الفجوة المالية. فالأموال العامة هي في النهاية أموال المجتمع، وأي استخدام واسع لها لإنقاذ القطاع المصرفي من دون خطة مالية مستدامة قد ينقل الخسارة من المودعين إلى دافعي الضرائب والأجيال المقبلة. ولهذا ربط صندوق النقد أي مساهمة للدولة بضرورة الحفاظ على استدامة الدين العام والقطاع المالي.
المطلوب إذاً ليس البحث عن طرف واحد لدفع الفاتورة، بل وضع تسلسل عادل وشفاف للخسائر. يبدأ ذلك بتحديد الخسائر الحقيقية في ميزانيات المصارف ومصرف لبنان، وتقييم الأصول بصورة مستقلة، ثم تطبيق ترتيب قانوني واضح يحدد مسؤولية المساهمين والدائنين وسائر أصحاب الحقوق قبل الانتقال إلى أموال المودعين.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل مسؤولية الدولة عن بناء نظام مالي أكثر صلابة. فالإصلاح يجب أن يشمل الإدارة المالية العامة، والحوكمة، والرقابة، والتحصيل الضريبي، ومكافحة التهرب، وإعادة بناء مؤسسات الدولة القادرة على إدارة المال العام بكفاءة.
أما موازنة 2027، فتأتي في توقيت شديد الحساسية. صندوق النقد رحّب باستهدافها وضعاً مالياً متوازناً وتعزيز الالتزام الضريبي، لكنه شجع السلطات على إقرار زيادة ضريبة القيمة المضافة إلى 12%، وحذّر من زيادات جديدة في الرواتب والمعاشات من دون إيرادات مقابلة.
هنا تحديداً ينبغي أن يكون النقاش الاقتصادي أكثر عمقاً. فالـ VAT يوفر إيرادات سريعة للدولة، لكنه ضريبة على الاستهلاك، وبالتالي يجب تقييم أثره على القدرة الشرائية والنشاط الاقتصادي، بالتوازي مع إصلاح التحصيل الضريبي وتوسيع القاعدة الضريبية ومكافحة الاقتصاد غير الرسمي.
لبنان يحتاج كذلك إلى أكثر من موازنة سنوية. فقد دفع صندوق النقد باتجاه إطار مالي متوسط المدى يربط الإنفاق بالإيرادات ويتيح في الوقت نفسه تمويل إعادة الإعمار والحماية الاجتماعية.
وهذا الإطار يمكن أن يكون نقطة التحول الحقيقية إذا تضمن أهدافاً قابلة للقياس بشأن الدين العام، والإنفاق، والإيرادات، والاستثمار، وإعادة هيكلة المصارف، وحماية الفئات الأكثر هشاشة.
الدرس الاقتصادي الأساسي واضح: لا يمكن بناء اقتصاد جديد على توزيع غير عادل لخسائر الاقتصاد القديم. المودعون ليسوا بديلاً عن الإصلاح، والضرائب ليست بديلاً عن مكافحة الهدر، والدولة ليست صندوق إنقاذ مفتوحاً للمصارف.
استعادة الثقة تتطلب اتفاقاً واضحاً على من يتحمل الخسائر، ومن يساهم في إعادة البناء، وكيف تُحمى المدخرات، وكيف تُدار الأموال العامة. وعندما تصبح هذه القواعد معروفة وشفافة، يمكن للبنان أن يبدأ الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء اقتصاد قابل للحياة من جديد.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.