InquirerVP Trial Day 19: Ligutan to explain public remarksDaily MaverickBRIMFUL OF ALEX: The hope inside Alexandra’s creative revivalESPN DeportesDallas Wings aseguran el último puesto en los playoffs de la WNBA con su victoria 23PunchMorning recap: Governors spend N512bn on travels and offices, 19 oil licences expire this year, other top storiesRTP DesportoAmbição Portuguesa no Mundial de Canoagem na PolóniaInquirer EntertainmentDolly Parton, music star and actor, dies at 80 after ‘brief battle with cancer’ESPNInside Bianca Andreescu's hard-fought road back to the US Openוואלההחום נמשך, אבל הגשם בדרך: מזג אוויר שיזכיר את הסתיו צפוי בסופ"ש | התחזית한겨레만화·독립출판까지 껴안은 ‘군산북페어’ 29일 개막SözcüStarlink'in tahtı sallanacak: Yeni rakibi yörüngeye 292 uydu fırlatacakSky TG24Pakistan, incendio in un reparto di ginecologia: 14 neonati mortiWirtualna PolskaOgień pod Barceloną. 14 tysięcy osób uwięzionych we własnych domach
The Daily Newsstand · Free, Always
Wednesday, August 26, 2026

عندما تصبح المؤسّسة نفسها تعليماً

Translate

"تتجلّى أهميّة التربية في كونها المقياس الحقيقيّ لمدى صدق حبّنا العالم، ومدى استعدادنا للنهوض بتبعات حمايته وصونه" (حنّة آرندت).

لا يكفي أن تنقل المؤسّسة التعليميّة المعرفة فحسب، ذلك أنّها تحمل في ذاتها رؤية معيّنة للعالم. لذا، فهي مدعوّة إلى تجاوز دورها كوسيلة للتعليم، لتصبح من خلال طريقة عملها وأخلاقيّاتها نموذجًا حيًّا للتعليم، بحيث لا يحصّل التلميذ تعليمًا نظريًّا فحسب، بل يختبر بطريقة مباشرة القيم التي تسعى المؤسّسة إلى غرسها فيه، وهذا ما يؤثّر تأثيرًا شديدًا في تكوين علاقته بالمسؤوليّة المهنيّة والاجتماعيّة والوطنيّة. وتكتسب هذه الرؤية التربويّة أهميّتها وتبرز تحدّياتها عندما ننظر إلى النظام الطائفيّ اللبنانيّ نظرة موضوعيّة، هذا النظام الذي بات بذاته عائقًا أمام تطوّره، وبالتالي يصبح البحث عن إمكانيّات تغييره خارج نطاقه أمرًا ضروريًّا، وفي هذا السياق يكتسب القطاع التربويّ مكانة خاصّة. لكن قبل التوسّع في هذه النقطة الأخيرة، لا بد من تحديد أسس المشكلة.

لا تكمن المشكلة الأساسيّة في الآليّة الطائفيّة التي كانت وظيفتها الأساسيّة حماية العيش معًا، من خلال إرساء عناصر تمثّل ضمانة متبادلة، بل في الطريقة التي تحوَّلت بها هذه الآليّة تدريجيًّا إلى مبدأ الحفاظ على النظام. وتزداد صعوبة تجاوز هذا الوضع لأنّ القادة، سواء السياسيّين أو الدينيّين، باتوا هم أنفسهم عالقين بعمق في هذا المنطق الطائفيّ، ويبدون بالتالي غير راغبين، بل عاجزين في الغالب عن وضع التوازنات التي تعتمد عليها سلطتهم موضع التساؤل.

غير أنّ الأحداث المتعاقبة في السنوات الأخيرة، ولا سيّما منذ العام 2019، لا تزال تُظهر أنّ النظام لم يعد يحمي العيش معا، بل بات يميل إلى حماية نفسه. فما كان من المفترض أن يكون وسيلة تضمن التوازن بين الطوائف، أصبح يُسهم في تفاقم الحذر المتبادل، وزيادة المنطق الطائفيّ، فضلاً عن شبه شلل في اتّخاذ القرار السياسيّ وفي عمل القضاء.


ومن ثمّ، لا يؤلِّف هذا الواقع انحراف النظام عن وظيفته الأساسيّة فحسب، بل يكشف أيضًا عمّا يمكن أن يؤدّي إليه المنطق الطائفيّ المتفاقم. فالمنظومة القائمة على الحفاظ على التوازنات بين الطوائف تميل عمليًّا إلى إعطاء الأولويّة لإعادة إنتاج هذه التوازنات عوض مساءلتها. وهكذا، تتوفّر لهذا النظام العناصر الضروريّة التي تحافظ على سير عمله، من دون أن تتوفّر الآليّة التي تضع تلك العناصر موضع إعادة نظر أو نقد فعليّ.


وبناءً عليه، إذا كان تحوّل النظام لا يمكن أن يتمّ من الداخل على أيدي الأشخاص الذين يضمنون إعادة إنتاجه، فإنّ شروط هذا التحوّل يجب أن تُبنَى في فضاءات تقع خارجه. ويمكن التربية أن تشكّل أحد هذه الفضاءات، شرط أن تبقى أمينة لرسالتها الخاصّة. فكما سلف القول، لا تقتصر الرسالة التربويّة على نقل المعرفة أو إعادة إنتاج موروثات، بل تتمثّل في وضع التلميذ بصفته فردًا في صميم العمليّة التربويّة، ومساعدته على تنمية قدراته على التفكير النقديّ والاستقلاليّة والحوار الحرّ والمسؤول مع الآخر. وفي السياق الطائفيّ اللبنانيّ، يفترض ذلك، على وجه الخصوص، تمكين التلميذ من اتّخاذ مسافة نقديّة من المسلّمات والمعايير والتصوّرات الموروثة عن انتمائه الطائفيّ، من دون التخلّي، في الوقت نفسه، عن غنى التقليد الدينيّ. وهكذا، يمكن إعادة قراءة قيم الإيمان والإنسانيّة الشاملة في ضوء مبادئ الثقافة الديموقراطيّة وحقوق الإنسان، بما يساهم في خلق وتعزيز شركة وطنيّة تقوم على الحريّة الفرديّة والتنوّع الثقافيّ والسعي إلى الخير العام.


غير أنّ الوفاء للرسالة التربويّة لا يمكن أن يقتصر على الخطاب وحده. فهو يتطلب أيضًا انسجامًا بين القيم التي تعلنها المؤسّسة والممارسات التي تعتمدها. فالمؤسسة التي تدّعي أنها تربّي على الحريّة والمسؤوليّة والحوار والمواطنة لا يمكنها، في طريقة عملها الخاصّة، أن تعيد إنتاج منطق التسلّط أو التلاعب أو غياب الشفافيّة أو الزبائنية أو الطائفيّة الذي تسعى إلى المساهمة في تجاوزه. ذلك أنّ حوكمتها، وأساليب اتخاذ القرارات فيها، وممارساتها في العلاقات، وطريقة تعاملها مع التنوع، تشكّل في حدّ ذاتها جزءًا لا يتجزّأ من التربية المتكاملة. فالمؤسّسة التعليميّة لا تنقل القيم من خلال ما تعلّمه فحسب؛ بل تنقلها أيضًا من خلال الطريقة التي تجعل بها هذه القيم حيّة ومُعاشة.

لذا، يمكن التربية، في هذا الانسجام بالذات بين الرسالة والخطاب والممارسات، أن تصبح فسحة تحوّل حقيقيّ. فمن خلال وضع التلميذ بصفته فردًا في الوسط، وتعزيز الروح النقدية والحوار، وكذلك من خلال إتاحة تجربة ملموسة للمسؤوليّة والمشاركة واحترام الآخر في طريقة عمل المؤسّسة نفسها، تستطيع المؤسّسة التربويّة أن تسهم في توفير الشروط الاجتماعيّة والثقافيّة لتجاوز الطائفيّة تدريجيًّا، وبالتالي النظام الطائفيّ. وهي، في هذه الحالة، لا تغيّر هذا النظام بطريقة مباشرة؛ بل تسهم في تكوين أشخاص قادرين على أن يصبحوا مواطنين حقيقيّين، قادرين على أن يروا أنفسهم أعضاء في فضاء سياسيّ واحد، وأن يشاركوا في بناء الخير العام، في الوقت الذي يعجز فيه النظام الطائفيّ عن توفير شروط قيام مثل هذه المواطنة المشتركة.

كما يمكن التربية أن تسهم في صياغة سرديّة وطنيّة مشتركة غير طائفيّة، قادرة على بناء "نحن" من دون محو الانتماءات الخاصّة. وليس المقصود فرض تاريخ رسميّ، ولا مجرد مجاورة ذكريات طائفيّة تبقى غريبة بعضها عن بعض، ولا التزام الصمت حيال ماضٍ حافل بالصراعات. بل المقصود هو الاعتراف بتعدّد الذاكرات وإدراجها في تاريخ مشترك، حيث يمكن مساءلة المعاناة والمخاوف والمسؤوليّات من دون اختزال الماضي في مواجهة بين معسكرات متنازعة. ويمكن تدريس التاريخ بتلك الطريقة أن يعطي الأولويّة لفهم الآليّات التي جعلت العنف والتجزئة ممكنين، بدلًا من الاكتفاء بتحديد المذنبين. ولا تكون مثل هذه السردية ثابتة ونهائية؛ بل تبقى نتاجًا جماعيًّا علميًّا مفتوحًا على الحوار، وعلى تعدّد الأصوات، وعلى إعادة قراءة الماضي قراءةً نقديّة.

غير أن هذا المسار يفرض، في المقابل، على المؤسّسة التربويّة نفسها أن تنأى عن الدور الذي قد تُدفَع إلى أدائه في إعادة إنتاج التوازنات الطائفيّة. فعندما تعيد المؤسّسة، في ممارساتها الخاصّة، إنتاج المنطق الذي تدّعي السعي إلى تجاوزه، فإنها لا تقوّض مصداقيّتها فحسب؛ بل إنها، من حيث لا تريد، تعلّم بالضبط عكس ما تقول إنّها تريد نقله وتعليمه.

View the original on النهار

KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.