فكرُ الإمام الصدر هو الحل
ثمانيةٌ وأربعون عاماً مرّت على الغياب، وما زال سماحة الإمام القائد السيد موسى الصدر حاضراً؛ كأن الزمن، بكل ما حمله من عواصف وانكسارات، لم يستطع أن يطوي صوته، ولا أن يطفئ الضوء الذي أشعله في عتمة لبنان. غاب الرجل وبقيت الفكرة، غاب الجسد وبقيت البوصلة، وغابت الملامح خلف ستارٍ من الأسئلة، إلا أن كلماته ظلّت تمشي بين الناس، وتطرق أبواب الوطن كلّما ضاقت به السبل.
لم تنتهِ صلاحية فكر الإمام الصدر، بل لعلّ لبنان هو الذي كبر كثيراً في أزماته وشاخ أمام التحديات، حتى صار أكثر شبهاً بالأسئلة التي طرحها الإمام منذ عقود. وكلما تبدّلت الوجوه، وتغيّرت الأزمنة، وتكاثرت المحن، عاد فكره أكثر لمعاناً؛ كذهبٍ لا تزيده السنون إلا صفاءً، وكجذرٍ ضاربٍ في تراب هذا الوطن لا تقتلعُه العواصف.
كان يرى ما لا نراه، ويقرأ ما وراء الأحداث قبل أن تقع. عرف أن الحرمان إذا طال يتحول إلى غضب، وأن الظلم إذا استُمرِئ يصير فتنة، وأن الدولة إذا ضعفت صار الوطن مكشوفاً، وأن الوحدة الوطنية ليست ترفاً سياسياً بل آخر جدارٍ يحول دون سقوط لبنان في هاوية الانقسام.
عرف ماذا سيحدث، وعرف لماذا سيحدث، والأهم من ذلك أنه عرف كيف يُمنع.
لهذا لم يكن الإمام موسى الصدر مجرد رجل دينٍ يتحدث في الوعظ، ولا رجل سياسةٍ يلاحق اللحظة، بل كان صاحب مشروعٍ يرى الإنسان قبل الطائفة، والوطن قبل الحسابات، والدولة قبل المصالح، والعدالة قبل الاستقرار المزيّف. كان يريد للبنان أن يكون وطناً لا ساحة، ودولةً لا متاريس، وشراكةً لا غلبة، وإنساناً لا رقماً في سجلات الحرمان.
وحين رأى الخطر الإسرائيلي يمدّ ظله فوق الجنوب، لم ينتظر أن تصبح الكارثة واقعاً. حمل القضية إلى الناس، وحمل الناس إلى قلب القضية، وبدأ من حيث يجب أن يبدأ كل مشروع وطني حقيقي: من الإنسان، ومن كرامته، ومن حقه في الأرض والأمن والعيش.
وبين الدولة التي تحمي، والمقاومة التي تردع، والعدالة التي تمنع الانفجار، والوحدة التي تخنق الفتنة، والإنسان الذي هو أصل القضية وغايتها، رسم الإمام الصدر معادلةً لا تزال، بعد كل هذه العقود، تقف أمامنا بكل وضوح.
ولربّما كان الغياب هو الذي جعل حضوره أكثر اتساعاً؛ لأن الرجل الذي يُختزل في جسده يمكن أن يغيب، أما الفكرة التي تسكن وجدان الناس فلا تُغيّب.
واليوم، ونحن نقف على عتبة الذكرى الثامنة والأربعين لتغييبه، تبدو الحقيقة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى:
لم يعد فكر الإمام الصدر مجرد إرثٍ من الماضي... إنه حاجة لبنان إلى المستقبل.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.