الأمن المائي العربي: التحولات والتحديات ومسارات الاستدامة - دراسة خاصة من "النهار"
يشكّل الأمن المائي أحد أبرز التحديات الاستراتيجية التي تواجه الدول العربية، في ظل محدودية الموارد المائية وتزايد الطلب عليها بفعل النمو السكاني والتوسع الحضري، بالتوازي مع تداعيات تغير المناخ واستنزاف المياه الجوفية. وتتزايد تعقيدات هذه المسألة نتيجة اعتماد عدد من الدول العربية على موارد مائية عابرة للحدود، وتفاوت القدرات الوطنية في إدارة الموارد وتطوير مصادر بديلة، بما يجعل المياه قضية تتجاوز تأمين الإمدادات لتتصل بالأمن الغذائي والطاقة والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
في هذا السياق، تتناول هذه الدراسة واقع الأمن المائي العربي وتحولاته في ظل الضغوط الديموغرافية والمناخية والاقتصادية المتنامية، بدءًا من التحولات التي أحدثها سدّ النهضة في جغرافيا المياه الإقليمية، وصولًا إلى التحديات المرتبطة بندرة الموارد واستنزاف المياه الجوفية وتزايد الطلب على المياه والغذاء والطاقة. كما تبحث الدراسة في أبرز مصادر الهشاشة المائية العربية، مع التركيز على الموارد العابرة للحدود، وكفاءة استخدام المياه، إلى جانب دور التكنولوجيا والحوكمة والدبلوماسية المائية في تعزيز القدرة على إدارة الندرة وبناء أمن مائي أكثر استدامة ومرونة.
وإلى جانب البيانات والتقارير الدولية، تستند الدراسة إلى رؤى عدد من المتخصصين الذين تناولوا جوانب مختلفة من الأزمة المائية. وفي هذا السياق، يبرز د. وليد مروش في تحليل العلاقة بين الأمن المائي والحوكمة وإدارة الطلب، ولا سيما مخاطر الاعتماد المفرط على استنزاف المياه الجوفية غير المتجددة وضرورة الانتقال نحو سياسات أكثر استدامة لإدارة الاستهلاك. كما يسلّط د. نديم فرج الله الضوء على أهمية التخزين المائي، والحد من الهدر في شبكات النقل والتوزيع، والاستعداد المسبق لتداعيات تغير المناخ، إضافة إلى الترابط بين المياه والطاقة، خصوصًا في ظل التوسع في تحلية المياه في دول الخليج. أما د. جوانا دُمَر فتتناول الأهمية الاستراتيجية للمياه الجوفية، وتلفت إلى الاتجاهات المتراجعة في معدلات تغذية الخزانات الجوفية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما يعزز الحاجة إلى حماية هذه الموارد وإدارة استخدامها وفق أولويات واضحة.
وتخلص الدراسة إلى أن الأمن المائي العربي لا يمكن تحقيقه من خلال زيادة الإمدادات وحدها، بل يتطلب تحولًا من إدارة الأزمات إلى إدارة المخاطر، ومن التركيز على العرض إلى إدارة الطلب ورفع كفاءة الاستخدام وحماية الموارد الجوفية. كما تبرز أهمية التكامل بين سياسات المياه والغذاء والطاقة، إلى جانب التكنولوجيا وتعزيز الدبلوماسية المائية. وفي أفق عام 2050، تقترح الدراسة الانتقال نحو نموذج عربي أكثر تكاملًا ومرونة، يقوم على تنويع مصادر المياه، والاستثمار في البنية التحتية المستدامة، وتطوير الحوكمة وتعزيز التعاون الإقليمي لمواجهة الضغوط المتزايدة على الموارد المائية.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.