من الغاز إلى الاستثمار: ماذا تقول التجربة الاقتصادية في عهد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عن مستقبل قطر؟
عند قراءة التجربة الاقتصادية في عهد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، لا يكفي السؤال عن حجم الثروة الغازية التي تمتلكها قطر، بل الأهم هو كيف تُدار هذه الثروة، وكيف تتحول من إيرادات طاقة إلى استثمارات واقتصاد قادر على الاستمرار؟
الغاز الطبيعي المسال شكّل ولا يزال أحد أعمدة الاقتصاد القطري. لكن الدوحة تتعامل معه كرافعة لتمويل مرحلة أوسع من التنويع الاقتصادي. ويشير صندوق النقد الدولي إلى استمرار نمو القطاعات غير الهيدروكربونية، مع توقع نمو اقتصادي متوسط يقارب الـ 4% على المدى المتوسط، مدفوعاً بتوسع إنتاج الغاز وتطور القطاعات الأخرى.
هنا تكمن الفكرة الأساسية: التنويع لا يعني التخلّي عن الغاز، بل استخدام عائداته لبناء اقتصاد أقلّ اعتماداً عليه؛ فالثروة الطبيعية تصبح أكثر استدامة عندما تتحول إلى بنية تحتية واستثمارات ومؤسسات ورأس مال بشري.
لكن المرحلة المقبلة تبدو مختلفة. ففي أيلول 2026 أطلقت قطر "الدوحة للاستثمار" بهدف تنمية محفظة جهاز قطر للاستثمار محلياً ودعم الشركات الوطنية وزيادة دور القطاع الخاص في الاقتصاد. وبالتوازي، أعلنت الحكومة عن مشاريع بنية تحتية تقارب قيمتها الـ 38.5 مليار دولار خلال خمس سنوات، إضافة إلى استثمارات متوقعة بنحو 22.5 مليار دولار في العقارات والضيافة.
هذه الأرقام مهمة، لكن الأهم اقتصادياً ليس حجم الإنفاق وحده، بل ما الذي سينتج عنه. فالتنويع الحقيقي لا يقاس بعدد المشاريع، بل بقدرة القطاعات الجديدة على خلق إنتاجية وشركات تنافسية ووظائف عالية القيمة ومصادر دخل أقلّ ارتباطاً بدورة الطاقة.
في المقابل، تبقى هناك مخاطر مرتبطة بتقلّبات أسواق الطاقة، والتوترات الجيوسياسية، والتحولات طويلة الأجل في سوق الغاز. لذلك، يركّز صندوق النقد على تعزيز رأس المال البشري والابتكار والذكاء الاصطناعي وتمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة وتنويع التجارة.
في المحصلة، تُظهر المؤشرات الاقتصادية والاستثمارية أن قطر نجحت في تحويل جزء كبير من عائدات مواردها الطبيعية إلى بنية تحتية واستثمارات ومؤسسات، مع استمرار العمل على توسيع قاعدة الاقتصاد غير الهيدروكربوني. وهذا ما يجعل الأداء الاقتصادي القطري خلال هذه المرحلة نموذجاً لاقتصاد استفاد من ثروته الطبيعية، وفي الوقت نفسه عمل على بناء مصادر جديدة للنمو.
فالنجاح الاقتصادي لا يُقاس فقط بما تملكه الدولة من موارد، بل بما تستطيع أن تفعله بهذه الموارد. وفي الحالة القطرية، تكمن المسألة الأساسية في انتقال الثروة من الغاز كمصدر للإيراد إلى الاستثمار كمصدر للنمو المستدام.
المقاربة الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الاعلامية
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.