فان غوخ في سَنَتَيْه الأَخيرَتَيْن (2 من 2)
1886: كانت سنةً فاصلةً في مسيرة ڤان غوخ (1853-1890). ذلك أَن مرحلته الپاريسية خلال سنتَيْن (1886-1888) كانت تحوُّلًا لافتًا في مسيرته الفنية. ففيها اكتشف الانطباعيين والانطباعيين الجُدُد، ومحاولات البحث من منظار جديد عن اللون والنور، إِذ أَشرقت لوحاته وكانت قبْلُ مُعْتمةً في السنوات السابقة.
في الذكرى 140 (1886-2026) لهذا التحوُّل، سردتُ في الحلقة السابقة وصوله إِلى پاريس وتأْثيرات تلك المرحلة على تَطوُّر ريشته، ثم مغادرته إِياها جنوبًا إِلى مدينة آرْل (الجنوب الشرقي من فرنسا - نحو 750 كلم من باريس).
في هذه الحلقة تتمةُ ما كان له في آرل حتى وفاته فيها.

موسم الحصاد في آرْل
ولادة الثلاثية
أَحَبَّ ڤِنْسِنْت مدينة آرْل وارتاح فيها نفسيًّا وفنيًّا، فأَنتج فيها مجموعةً من أَجمل لوحاته، بينها ثلاثية "ليالي آرْل الـمُرصَّعةُ نجومًا"، رسَمَها بأَلوان خالية تمامًا من الأَسْوَد مع أَنها في الليل. شرح ذلك في رسالةٍ إِلى شقيقته ڤـيليمينا: "هنا الليالي لا عتمةَ فيها. هي زرقاءُ وبنفسجيةٌ وخضراءُ، في مزيج يستعير الأَصفر فيتكامل المشهد، وأَهرع إِلى فرشاتي أُسجل اللقطة الهاربة بجمال سكونها".
بهذه الدهشة أَمام جمال المدينة، تتكرَّرت جولاتُه الليلية: يكتُب على قماشته البيضاء خطوط ليلٍ بدون ليل، تتغاوى في أَلوان رُقشاته ملامحُ غاب عنها الأَسْود كلِّيًّا، يتراقص فيها الأَصفر الهانئ مخاصرًا هنيهاتِ الأَخضر الدافئ والأَزرق الهادئ.
ذات ليلةٍ آرْليَّةٍ ربيعيةٍ أَطل على مقهًى رصيف، وصفه لشقيقته: "رأَيتُ أَمام المقهى ساهرين تحت مصباح مُصفَرٍّ يشعُّ نوره بخفرٍ على واجهة المقهى وعلى بلاط الرصيف، ويمتدُّ بعيدًا حتى آخر الشارع كما مُقَبِّلًا شفاه نجومٍ سهرانةٍ في سماء زرقاء تتلأُلأُ بنفسجيةً وخضراءَ في مشهد مذهل لا أُحسن وصفه بالكلمات كما تَصفُه ريشتي".
تكرَّرت زيارته الليليةَ إِلى ذاك المقهى: يركِّز مَلْوَنَتَه، ويرسمه، ويرسمه، ويُعيد، ويكرِّر، ويُصحِّح حتى أَنجز اللوحة في صيغتها الأَخيرة (ليلة الخميس 16 أَيلول/سبتمبر 1888) وعَنْوَنها "مقهى الرصيف في صحو ليلة آرْل" وهي أُولى ثلاثيَّته.
وفي آرْل نهرُ الرون يخترقُها بمهابة. كان ڤـان غوخ يتردَّد ليلًا على ضفته القريبة من البيت الأَصفر، يتأَمل النجوم المبهرجة، ينقلها بأَبجديته اللونية المميزة ويحلم. رسمَ فيها عاشقَين، لربما حالِمًا أَن تكون له حبيبةٌ لا تنفُر من طبعه ومزاجه وسلوكه الفائض الانفعال. وكانت تلك اللوحة "نجوم فوق ضفَّة الرون"، ثانية الثلاثية.

البيت الأَصفر
المـأْساتان
راسلَ صديقَه ﭘـول غوغان (1848 - 1903) يدعوه، فلبّى غوغان دعوتَه وجاء إِلى آرْل مساءَ الأَحد 23 تشرين الأَول/أُكتوبر 1888، وسكَن معه في البيت الأَصفر. فرِحَ به ڤـان غوخ، وراحا يتجوَّلان معًا في نواحي آرْل الغنية بالمناظر الناطقة جمالًا وهدوءَ ربيع.
يتجوَّلان ويرسمان، يتسامران ويرسمان، يعانقان الليل ويرسمان، وڤِنْسِنْت مرتاحٌ إِلى صديقه معه. ومن إِحدى تلك الجولات الليلية كانت لوحته "نجوم فوق ليل آرْل"، هي ثالثة الثلاثية.
كان يمكن أَن يَمضي شهرَا إِقامةِ غوغان مع صديقه ڤِنْسِنْت هانئَين، لولا خصام ناجم عن مزاجيهما المتضادَّين، تكرَّر ليلة الجمعة 23 كانون الأَول/ديسمبر 1888 حين بلغ نُفُور مزاجه شجارًا حادًّا أَدَّى إِلى رفْع ڤِنْسِنْت موسى الحلاقة في وجه صديقه غوغان الذي فرَّ مذعورًا خارج البيت الأَصفر. وقع ڤِنْسِنْت في حزن شديد، وأُصيب بفورةِ جنونٍ مما فعَل، فأَدار الموسى إِلى وجهه وبَتَرَ به أُذْنه اليُسرى. أَخذ يصرخ ذعرًا وأَلَمًا فهرع إِليه جيرانه وحملوه إِلى مستشفى "أُوتيل ديو" في المدينة.
تانك المأْساتان (الخصام مع صديقه وبَتْرُ أُذْنه) غيَّرتا حياته الهانئة في آرْل. تدهوَرَتْ صحته، فبات يتنقَّل بين المستشفى والبيت الأَصفر. توحَّش مزاجه حتى هجَّ منه جيرانه، وطالبوا السلطات المحلية بمغاردته المدينة أَو بعزْله في مستشفى الأَمراض العصبية. بعد مراسلة مكثَّفة مع شقيقه تِيُو، جاء تيو حزينًا لمصير شقيقه التاعس، فاصطحبه صباحَ الأَربعاء 8 أَيار 1889 وأَودَعه مصحَّ سان ريمي (بروڤـانس، قرب مرسيليا).

غرفته في البيت الأَصفر
باقٍ حيًّا في آرْل
هكذا انتهت، مأْساويًّا، فترةُ 16شهرًا في آرْل، قضاها ڤـان غوخ في أَرجائها بين بساط ثلْجها وصحو لياليها ومكانه المفضَّل فيها: مقهى الرصيف قرب البيت الأَصفر. وفي إِحدى نوبات جنونه وهذَيانه، صوَّب المسدس إِلى صدره ليلة الأَحد 27 تموز 1890 وأَطلق منه رصاصةً قاتلة، كأَنه يسترجع في ذاكرته المريضة لحظةَ رفْع الموسى وبَتْرِ أُذنه. ليلتَئذٍ غاب عن الوعي يومَيْن انطفأَ بعدهما صباح الثلثاء 29 تموز/يوليو قبل أَن يكمل ربيعه السابع والثلاثين (مولده الأَربعاء 30 آذار/مارس 1853).
كرَّست مدينةُ آرْل مرور ڤـان غوخ فيها، فأَنشأَت موقعًا إِلكترونيًّا عَنْوَنَتْهُ "على خطى ڤـان غوخ" مهَّدت له بعبارة "هو الغائب الأَبْدًا حاضر. أَمضى عندنا في آرْل 16 شهرًا. زوروا مواقعه على خطاه، واكتشِفوا روائعه التي رسمها في مدينتنا". بين أَجمل ما يشاهده الزوار والسيَّاح من أَعمال ڤـان غوخ في هذا الموقع، ثلاثيَّتُه التي خلَّد بها مدينتَهم:
"نجوم فوق ضفَّة الرون"، "نجوم فوق ليل آرْل"، وخصوصًا رائعته الخالدة "مقهى الرَصيف في صحو ليلة آرْل".
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.