تفاصيل خطة التقشف في مصر.. تمتد 3 أشهر وتطال الإنفاق الحكومي

في إطار تحركاتها لمواجهة التداعيات الاقتصادية للأزمة الإقليمية، أقرت حكومة مصر حزمة من الإجراءات الاستثنائية لترشيد الإنفاق العام، تستهدف خفض استهلاك الطاقة والوقود، وتقليص النفقات الحكومية غير الضرورية، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق والاستثمار، لمدة 3 أشهر قابلة للتمديد، مع استثناء قطاعات حيوية ومخصصات اجتماعية من إجراءات التقشف.
وقال مصدر حكومي لموقع "سكاي نيوز عربية"، إن "إقرار خطة ترشيد الإنفاق العام يأتي في إطار تحرك استباقي للتعامل مع التداعيات الاقتصادية للتصعيد في المنطقة، وما يفرضه من ضغوط على أسواق الطاقة وتكاليف الاستيراد وتدبير العملة الأجنبية، فضلا عن احتمالات انعكاسه على موارد الدولة والتزاماتها المالية".
وأوضح المصدر أن "الهدف من الإجراءات ليس تعطيل المشروعات أو التأثير على مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، وإنما إعادة ترتيب أولويات الإنفاق الحكومي، وتأجيل النفقات غير الضرورية، وتوجيه الموارد المتاحة إلى القطاعات الأكثر احتياجا، بما يعزز قدرة الاقتصاد المصري على التعامل مع أي تطورات إقليمية، ويحافظ على الانضباط المالي خلال الفترة المقبلة".
ماذا تتضمن خطة التقشف الحكومية؟
تتضمن الخطة التي تسري لمدة 3 أشهر، خفض استهلاك الكهرباء والإنارة بالجهات الحكومية بنسبة 20 بالمئة، مقارنة بمتوسط الاستهلاك خلال الفترة نفسها من العام المالي السابق، إلى جانب تقليص استهلاك الوقود المخصص للمركبات الحكومية بنسبة لا تقل عن 30 بالمئة.
كما تشمل إرجاء أو إبطاء تنفيذ المشروعات القومية كثيفة الاستهلاك للوقود، مثل السولار والمازوت والبنزين، لمدة 3 أشهر على الأقل، مع إعداد خطط تنفيذية لخفض استهلاك تلك المشروعات من الكهرباء بنسبة 20 بالمئة والوقود بنسبة 30 بالمئة، على أن يعاد تقييم الموقف تبعا لتطورات الأزمة.
وتفرض الإجراءات قيودا على الإنفاق غير الضروري، من خلال تأجيل الصرف على الاحتياجات التي لا تحمل طابع الضرورة القصوى، وترشيد السفر إلى الخارج بحيث يقتصر على الحالات الضرورية، وبعد موافقة رئيس مجلس الوزراء، أو في حال تحمل الجهة الداعية كامل التكاليف وموافقة السلطة المختصة.
كما تشترط الحصول على موافقة وزارة المالية، بالتنسيق مع البنك المركزي والجهات المعنية، قبل الصرف بالمكون الأجنبي، وتحظر اتخاذ قرارات من شأنها زيادة المصروفات بأي باب من أبواب الموازنة من دون التنسيق المسبق مع الوزارة والعرض على مجلس الوزراء.
وفيما يتعلق بنفقات شراء السلع والخدمات، تحظر الخطة الصرف على الدعاية والإعلان والحفلات والاستقبالات والعلاقات العامة، والاشتراك في المؤتمرات داخليا وخارجيا من دون موافقة مسبقة، فضلا عن نفقات إقامة المعارض والمؤتمرات وإيجار الخيام والكراسي، مع تجميد ما لا يقل عن 20 بالمئة من بقية الاعتمادات المخصصة لهذا الباب.
وتشمل الخطة كذلك تأجيل تنفيذ المشروعات حديثة الإدراج في موازنة العام المالي الحالي، وحظر إبرام تعاقدات جديدة بشأنها حتى 30 يونيو 2027، فضلا عن عدم البدء في مشروعات جديدة، مع إعطاء الأولوية لاستكمال المشروعات التي أوشكت على الانتهاء، وقصر الإنفاق الاستثماري على الاحتياجات الضرورية والملحة.
كما تحظر التعاقد على شراء السيارات حتى نهاية يونيو من العام المقبل، أو إبرام تعاقدات وأعمال قد تستلزم تدبير عملات أجنبية أو تؤدي إلى الحاجة للاقتراض الخارجي.
قطاعات مستثناة
تستثني الإجراءات من هذه القيود عددا من المشروعات والقطاعات، أبرزها مبادرة "حياة كريمة"، والصحة والتعليم قبل الجامعي والداخلية، ومشروعات مياه الشرب والصرف الصحي، إلى جانب المشروعات المرتبطة بالأمن القومي والمائي والغذائي والسيبراني وأمن الطاقة، فضلا عن التكليفات الرئاسية وتكليفات رئيس مجلس الوزراء.
كما لا تسري إجراءات الترشيد على وزارة الصحة والجهات التابعة لها والمستشفيات الجامعية ومقدمي الخدمات الصحية، أو على أغراض الأمن القومي، كما تستثني فوائد وأقساط القروض، ومخصصات علاج العاملين والطلبة، والإعانات والمعاشات الضمانية وبرنامج "تكافل وكرامة".
وتشمل الاستثناءات أيضا مخصصات دعم السلع التموينية، مع الالتزام بخفض واردات القمح وفقا للزيادة في الكميات الموردة محليا، إلى جانب مخصصات توريد المواد البترولية والغاز ومشتقاتهما، مع استمرار ترشيد الاستهلاك وفق النسب المحددة، فضلا عن إعانات العاملين والمقابل النقدي للعاملين بالمناطق النائية.
ما الهدف من الخطة؟
يرى الباحث الاقتصادي المتخصص في تحليل السياسات العامة أبو بكر الديب، أن موافقة مجلس الوزراء على مشروع قرار ترشيد الإنفاق العام "تمثل خطوة مهمة في توقيت اقتصادي بالغ الحساسية، وتعكس إدراكا حكوميا لحجم التحديات والضغوط التي تواجه الاقتصاد المصري في ظل التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة، وما تفرضه من أعباء إضافية على الموازنة العامة للدولة، خاصة فيما يتعلق بتكاليف الطاقة والوقود والاحتياجات التمويلية وتدبير العملة الأجنبية".
وقال الديب لموقع "سكاي نيوز عربية"، إن "القرار لا ينبغي النظر إليه باعتباره تعليمات إدارية لتقليل المصروفات أو الحد من بعض أوجه الإنفاق الحكومي، وإنما يجب قراءته باعتباره جزءا من محاولة أوسع لإعادة ترتيب أولويات الدولة المالية، وتحقيق قدر أكبر من الانضباط في إدارة الموارد المتاحة، وتوجيه كل جنيه إلى الاستخدام الأكثر أهمية وتأثيرا في حياة المواطنين وفي قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة الأزمات".
واعتبر أن "الاقتصاد المصري يعمل في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، وأي تصعيد عسكري أو سياسي في منطقة الشرق الأوسط يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على أسواق الطاقة العالمية، وأسعار النفط والغاز، وتكاليف النقل والشحن والتأمين، وحركة التجارة الدولية، فضلا عن تدفقات الاستثمار والسياحة والعملات الأجنبية".
كما أضاف أن"هذه التطورات لا تقف آثارها عند حدود الأسواق الخارجية، وإنما تنتقل إلى الاقتصادات المستوردة للطاقة والسلع الوسيطة، وتفرض عليها أعباء مالية إضافية، وهو ما يجعل التحرك الاستباقي ضرورة وليس اختيار".
وعن أسباب لجوء الحكومة إلى هذا القرار، ذكر الديب أن "هذا القرار يتمثل في الرغبة في تحصين الموازنة العامة من أي صدمات مالية جديدة قد تنتج عن استمرار التوترات الإقليمية أو اتساع نطاقها، خصوصا أن ارتفاع أسعار الطاقة عالميا ينعكس على فاتورة الاستيراد وتكاليف تشغيل محطات الكهرباء ووسائل النقل والمرافق والمشروعات كثيفة الاستهلاك للوقود، وبالتالي يزيد الاحتياجات التمويلية للدولة ويضغط على مواردها من النقد الأجنبي".
وأوضح أن هناك سببا آخر لا يقل أهمية، هو "ضرورة تخفيف الضغوط على عجز الموازنة العامة، وتقليل الاعتماد على الاقتراض لتمويل الاحتياجات الحكومية، خاصة أن كل زيادة غير ضرورية في الإنفاق قد تتحول في النهاية إلى احتياج تمويلي إضافي تتحمله الخزانة العامة، سواء من خلال الاقتراض المحلي أو الخارجي"، وفق رأيه.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.