بعد عقد على استفتاء "بريكست".. هل تعود بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي؟

مع اقتراب بريطانيا من إتمام عامها الـ6 منذ دخول اتفاق خروجها من الاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ في 31 يناير 2020، بعد استفتاء فاز فيه مؤيدو الانسحاب بفارق ضئيل، يتصاعد الجدل في المملكة المتحدة بشأن إمكانية العودة إلى التكتل الأوروبي، والصيغ المحتملة لهذه العودة وشروطها، مدفوعاً بتوجه واضح من رئيس الوزراء آندي بيرنام نحو إعادة النظر في علاقة بلاده بأوروبا.
ومنذ المؤتمر الأخير لحزب العمال في سبتمبر الماضي، يقود بيرنام حملة سياسية تدفع باتجاه عكس مسار "بريكست"، مع دعوته إلى "دراسة نماذج مختلفة" لعلاقة بريطانيا "طويلة الأمد مع أوروبا"، وسط نقاش واسع بشأن مكاسب هذا المسار وكلفته والعقبات التي تعترضه.
وفي خطوة قُرئت باعتبارها امتداداً لهذا التوجه، أثار بيرنام جدلاً بتصريحاته خلال بودكاست (The Rest Is Politics)، التي تحدث فيها عن تدخل روسي في استفتاء "بريكست" عام 2016.
لكن أعضاء في الحكومة ومكتب رئيس الوزراء في "10 داونينج ستريت" سعوا إلى تخفيف وقع التصريحات، مؤكدين أن بيرنام كان يشير إلى محاولات روسية للتدخل، لا إلى أنها أثرت في نتيجة الاستفتاء.
ولم يمنع ذلك الساسة من الاشتباك مع هذه الادعاءات، إذ دعت أحزاب من اليسار ويسار الوسط للكشف عن أي تدخلات عدائية، بينما رفضت أحزاب يمينية، بينها حزب المحافظين، إدخال العامل الروسي في سردية الاستفتاء.
أما نايجل فاراج، زعيم حزب "الإصلاح"، الذي يأتي حزبه في المركز الثالث في استطلاعات الرأي بفارق محدود عن حزبي العمال والمحافظين، فقد وصف تصريحات بيرنام بشأن تدخل روسيا بأنها "مشينة".
ويرى خبراء بريطانيون تحدثوا لـ"الشرق"، بينهم مسؤول رفيع سابق في وزارة "بريكست"، أن ملف العودة إلى الاتحاد الأوروبي فُتح بالفعل، لكن رفع العلم البريطاني مجدداً أمام مؤسسات الاتحاد في بروكسل، إذا حدث، قد يحتاج إلى سنوات قبل التوصل إلى صيغة سياسية وقانونية تتيح ذلك، وسط مناخ أوروبي معقد سياسياً وأمنياً.
وحتى الآن، لم يحدد بيرنام، الذي تولى رئاسة الحكومة في يوليو الماضي، الصيغة التي يريدها للعلاقة مع أوروبا. وبينما تجنب سلفه كير ستارمر طرح العودة إلى الاتحاد ضمن برنامجه الانتخابي عام 2024، وعد رئيس الوزراء الحالي، خلال المؤتمر السنوي لحزب العمال، بفتح نقاش جاد بشأنها.
وقال بيرنام أمام النواب، الاثنين الماضي، إن "التمسك بالوضع الراهن ليس كافياً لبريطانيا"، مؤكداً أن أولويته العاجلة تتمثل في إنجاح القمة البريطانية الأوروبية المرتقبة ببروكسل في 20 نوفمبر، قبل فتح نقاش طويل الأمد بشأن خيارات العلاقة، بما فيها العودة إلى العضوية.
لكن بيرنام يبقى مقيداً ببرنامج حزبه الانتخابي، الذي يستبعد العودة إلى السوق الأوروبية الموحدة أو الاتحاد الجمركي أو حرية تنقل الأفراد، كما يؤكد أنه لا يقترح إجراء استفتاء جديد على العضوية في الوقت الراهن.
ولذلك، لا يبدو السؤال الحقيقي هو ما إذا كان بيرنام يريد الاقتراب من أوروبا، بل إلى أي مدى يستطيع ذلك، وبأي صيغة، وما إذا كان الشارع البريطاني مستعداً لتحمل كلفة هذه الخيارات.
شبح التدخل الروسي
وقال فيليب رايكروفت، الوكيل الأسبق لوزارة الخروج من الاتحاد الأوروبي، لـ"الشرق" إن هناك "معرفة منذ وقت طويل بمحاولات روسية للتدخل في الديمقراطية البريطانية".
وسبق أن عمل رايكروفت في الوزارة التي أنشأتها رئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماي عقب ظهور نتائج الاستفتاء، لتتولى التفاوض مع الاتحاد الأوروبي بشأن ترتيبات خروج بريطانيا.
وبعد مغادرته الوزارة عام 2019، كلفته الحكومة في ديسمبر 2025 بإعداد مراجعة مستقلة للتدخلات والتهديدات المالية الأجنبية في السياسة البريطانية، عُرفت باسم "مراجعة رايكروفت"، وصدرت في مارس الماضي.
وخلصت المراجعة إلى وجود تهديدات مصدرها روسيا والصين وإيران، لكنها استنتجت أن هذه الأنشطة لم تؤثر في الانتخابات العامة الأخيرة عام 2024، التي أعادت حزب العمال إلى الحكم للمرة الأولى منذ 14 عاماً، وأدخلت فاراج إلى مجلس العموم للمرة الأولى.
وعن توصيات المراجعة، يقول رايكروفت لـ"الشرق" إنها تركزت على "ضرورة أن تأخذ الحكومة التدخلات بجدية كبيرة، وأن تكون أكثر صراحة مع الجمهور بشأن ما يجري، وأن تعمل بقوة أكبر مع شركات التواصل الاجتماعي لإزالة ذلك المحتوى".
وقبلت حكومة العمال توصيات رايكروفت من حيث المبدأ، في وقت كان تقرير سابق أصدرته لجنة الاستخبارات والأمن وقدمته إلى البرلمان عام 2020 تحت عنوان "روسيا" قد قوبل بتفاعل مختلف من الحكومة.
وأوصى ذلك التقرير أجهزة الاستخبارات البريطانية بإعداد تقييم لاحتمال تدخل روسيا في استفتاء "بريكست"، على غرار تقييم أجرته الاستخبارات الأميركية بشأن التدخل في الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016، مع نشر ملخص غير سري منه.
لكن حكومة رئيس الوزراء الأسبق بوريس جونسون دفعت بعدم وجود دليل على تدخل ناجح في العملية التي تناولها التقرير، وخلصت إلى عدم الحاجة لإجراء تقييم بأثر رجعي ما لم تظهر معلومات جديدة لدى أجهزة الأمن.
وبعد تصريحات بيرنام الأخيرة، حذر مدير جهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني (MI5) من تضخيم أثر المحاولات الروسية في نتيجة الاستفتاء، معتبراً أن تلك التدخلات كانت "محدودة نسبياً".
ويميل رايكروفت إلى الرأي نفسه، قائلاً إن التدخلات الروسية لم يكن لها أثر جوهري في النتيجة: "كل هذه الأمور من الواضح أنها قد سُجلت، ونأمل أنه، في عمق المنظومة، هناك من يفهم ما يجري".
المزاج العام تغيّر
أما بشأن إلغاء "بريكست" نفسه، فيرى رايكروفت أن العودة إلى الاتحاد الأوروبي باتت مطلباً يحظى بتأييد متزايد، قائلاً: "غالبية الناس في المملكة المتحدة يقولون الآن إن علينا العودة. إذاً فقد تغير الرأي. لقد كانت 10 سنوات أو نحوها مضطربة بالنسبة للمملكة المتحدة".
وشهدت تلك السنوات تعاقب 7 رؤساء وزراء، بينهم ليز ترس التي لم تستمر في منصبها سوى 49 يوماً، فيما تشير تقديرات إلى أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي أصبح أقل بنحو 6% إلى 8% مما كان سيبلغه لو لم يحدث "بريكست"، مع توقعات بانخفاض الإنتاجية بنحو 4% على المدى الطويل، إلى جانب معوقات تجارية أثرت في أصحاب الأعمال.
ويقول رايكروفت إن هذه الكلفة لم تكن مفاجئة لمن تولوا التفاوض على الخروج، مضيفاً: "كنا ننفذ التفويض الشعبي، ونعلم حينها أن بريكست سيكون بالغ الصعوبة، وقد تبين صحة ذلك فعلاً. وكنا نعلم أيضاً، وهناك تقديرات منشورة تثبت ذلك، أن أي نتيجة ضمن طيف الاحتمالات لعلاقتنا المستقبلية مع الاتحاد الأوروبي ستكون أسوأ اقتصادياً للمملكة المتحدة من بقائها فيه".
وتشير استطلاعات رأي نُشرت مطلع أكتوبر إلى ارتفاع التأييد لعودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي. فقد أظهر استطلاع لـ"يو جوف" أن نسبة التأييد تبلغ 52%، فيما يصل متوسط معظم الاستطلاعات إلى نحو 61% بعد استبعاد المترددين.
ويصف البروفيسور السير جون كيرتس، أستاذ السياسة بجامعة ستراثكلايد وأحد أبرز خبراء استطلاعات الرأي في بريطانيا، هذه النسبة بأنها "أعلى مستوى من التأييد للعودة في أي وقت منذ عام 2016".
ويضيف كيرتس لـ"الشرق" أن التأييد سجل "ارتفاعاً ملحوظاً تماماً منذ العام الماضي".
لكنه يستدرك بأن الصورة تتغير بمجرد طرح الشروط التي قد تفرضها العودة، قائلاً: "ما إن تبدأ بسؤال الناس: هل تريد العودة إذا اضطررنا إلى التخلي عن الجنيه الإسترليني واعتماد اليورو والانضمام إلى منطقة شنجن؟ وماذا عن حرية تنقل الأفراد؟ حتى يصبح الرأي العام أكثر تذبذباً إلى حد ما".
ويشير استطلاع أجرته "يو جوف" في يونيو الماضي إلى أن نسبة التأييد للعودة تنخفض إلى 35% إذا كان ذلك يعني التخلي عن الاستثناءات التي تمتعت بها بريطانيا سابقاً، وفي مقدمتها عدم الانضمام إلى منطقة شنجن والاحتفاظ بالجنيه الإسترليني.
وتكشف أرقام أخرى حدود هذا التحول. ففي استطلاع لـ"يو جوف" مطلع الشهر، قال 64% إنهم يريدون إجراء استفتاء قبل أي اتفاق للعودة، فيما لم يؤيدها سوى 22% ممن صوتوا لصالح الخروج عام 2016.
وفي المقابل، تؤيد غالبية واسعة إقامة علاقات أوثق مع الاتحاد الأوروبي من دون العودة إلى عضويته، بنسبة 73% مقابل 15%، بينما يفضل 52%، عندما يوضعون أمام الاختيار بين الأمرين، الاحتفاظ بالسيطرة الكاملة على الحدود على إقامة علاقات أوثق مع أوروبا.
ويرى كيرتس أن كثيراً من البريطانيين اعتبروا كلفة "بريكست" ثمناً مقبولاً لاستعادة السيادة، لكنه يشير إلى أن بعضهم بدأ يعيد النظر في هذا الحساب.
ويعتبر أن من أسباب صياغة بيرنام حجته للتقارب مع الاتحاد الأوروبي من زاوية اقتصادية أن "بعض من صوتوا للخروج باتوا اليوم أكثر تشككاً في المنافع الاقتصادية لبريكست مما كانوا عليه عام 2016".
ويربط بيرنام حجته بملف الهجرة أيضاً، قائلاً إن بريطانيا فقدت بعد الخروج جزءاً من سيطرتها على اقتصادها وعلى الهجرة، وهو الملف الذي أسهم في صعود حزب "الإصلاح"، الذي يتعهد بوقف نظام اللجوء إذا وصل إلى الحكم.
ولم تعد بريطانيا بعد الخروج جزءاً من نظام "دبلن" الأوروبي، الذي يتيح إعادة طالبي اللجوء إلى أول دولة أوروبية دخلوها، وربطت دراسة لجامعة "دورام" عام 2023 بين ذلك وارتفاع أعداد المهاجرين الواصلين عبر بحر المانش.
لكن بيانات مرصد الهجرة في جامعة أكسفورد تظهر أن بريطانيا لم تكن تعيد بموجب هذا النظام سوى نحو 560 شخصاً سنوياً إلى دول الاتحاد مجتمعة.
ويرى كيرتس أن بيرنام يخاطب بذلك جمهوراً بعينه، محاولاً "استثمار خيبة أمل مؤيدي الخروج من ملف الهجرة عبر تركيز الحجة على طالبي اللجوء، وهم بطبيعة الحال الشق الأكثر حساسية وإثارة للنفور من الهجرة".
ويعتقد كيرتس أن على رئيس الوزراء أن يبدأ منذ الآن في بناء حجته للتقارب مع أوروبا، قبل الشروع رسمياً في أي عملية للعودة، وأن يكون مستعداً "لمواجهة فاراج ومن معه"، لا تجنبهم كما فعل سلفه ستارمر، وأن يقول لهم: "لا، أعتقد أنكم مخطئون ومشروعكم أخفق. يجب أن نكون أقرب بكثير إلى الاتحاد الأوروبي".
حذر أوروبي وعقدة التفويض
من جانبه، يرصد سيباستيان مايار، الزميل المشارك في برنامج أوروبا لدى المعهد الملكي للشؤون الدولية "تشاتام هاوس"، قدراً من التحفظ الأوروبي، رغم الاستقبال الدافئ لتصريحات بيرنام بشأن إمكانية العودة إلى الاتحاد.
ويقول مايار لـ"الشرق": "نعم، صدرت بعض التصريحات الدافئة، مثل: مرحباً بعودتكم، كما فعل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يوم مؤتمر حزب العمال البريطاني. لكن حين تتحدث إلى الدبلوماسيين، سواء في باريس أو بروكسل، تجدهم متوجسين بعض الشيء من الغاية الحقيقية لحديث بيرنام، ولا توجد رغبة كبيرة، بصراحة، في إعادة فتح نقاش بهذا الحجم حول العودة بهذه السرعة".
وكان رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد أعلنا، خلال مؤتمر صحافي مشترك بمدريد في 30 سبتمبر الماضي، أن الاتحاد الأوروبي سيرحب بعودة المملكة المتحدة إلى التكتل إذا قررت ذلك يوماً ما، بعد وقت قصير من طرح بيرنام إمكان إعادة الانضمام.
لكن مايار يحذر من تفسير تصريحات رئيس الوزراء البريطاني على أنها تمهيد مباشر لطلب العضوية، خصوصاً قبل قمة بروكسل المقبلة.
ويقول: "حتى الآن، لا يُنظر إليها على أنها محاولة حقيقية وجادة للعودة، وكأن المملكة المتحدة ستتقدم فعلاً بطلب للانضمام. فالدبلوماسيون ينظرون إلى الجدل باعتباره نقاشاً بريطانياً داخلياً بامتياز، لأسباب سياسية، وليس محاولة جدية للعودة بحد ذاتها".
ويضيف أن المفاوضات الحالية تركز على "مسائل تقنية للغاية"، تشمل اتفاق المعايير الصحية والصحة النباتية (SPS)، ونظام تداول الانبعاثات (ETS)، وحركة تنقل الشباب، محذراً من أن "العودة لن تكون طريقاً سهلاً حقاً".
ويرجع مايار جزءاً من التحفظ الأوروبي إلى غياب تفويض شعبي صريح يتيح لبريطانيا العودة إلى الاتحاد، ويضمن ألا تتراجع حكومة لاحقة عن أي اتفاق بعد انتخابات جديدة، وهي المخاوف التي تجسدت في ما بات يعرف بـ"بند فاراج".
ويطلق دبلوماسيون أوروبيون هذا الاسم على شرط يطالب به الاتحاد ضمن اتفاق المعايير الصحية والصحة النباتية الجاري التفاوض عليه، ويلزم بريطانيا بدفع تعويض يشمل كلفة إعادة نقاط التفتيش الحدودية إذا انسحبت حكومة مقبلة من الاتفاق.
ويقول مايار إن بيرنام "ليس في موقع سياسي يسمح له حالياً بتقديم طلب للعضوية في الاتحاد الأوروبي، لأن ذلك لم يكن جزءاً من البرنامج الانتخابي لحزبه، ولذلك فهو لا يملك تفويضاً بذلك. فالانتخابات لم تُخض لهذا الغرض".
ويتفق كيرتس مع مايار على ضرورة وجود تفويض واضح، إذ يرى أن العودة استناداً إلى برنامج انتخابي وحده يمكن أن تنقضها انتخابات لاحقة، بينما يوفر الاستفتاء أساساً أقوى لعلاقة دائمة.
ويقول إنه إذا أُجري استفتاء جديد، فإنه "سيمحو إرادة الشعب السابقة، مثلما ألغى استفتاء الخروج عام 2016 نتيجة استفتاء عام 1975 على البقاء في المجموعة الأوروبية".
ويضيف: "إذا كان المسعى هو إيجاد علاقة دائمة بين هذا البلد والاتحاد الأوروبي، فمن الحكمة أن تجري استفتاءً، حتى وإن تبين أنه مخاطرة، كما اكتشف كاميرون".
ويظل استفتاء يونيو 2016 عبرة لأي سياسي بريطاني، بعدما اعتقد رئيس الوزراء الأسبق ديفيد كاميرون أن التصويت سينتهي لمصلحة البقاء، مستنداً إلى استطلاعات الرأي آنذاك، وإلى نجاحه السابق في إقناع الاسكتلنديين برفض الاستقلال في استفتاء 2014.
لكن النتيجة جاءت مخالفة لتوقعاته، إذ صوت 51.9% لصالح الخروج، مقابل 48.1% للبقاء، ما دفع كاميرون، الذي قاد حملة البقاء، إلى إعلان استقالته في اليوم التالي.
عقبة اليمين الأوروبي
يأتي الجدل البريطاني حول العودة في وقت تبدل فيه المشهد السياسي الأوروبي، مع استمرار الحرب في أوكرانيا وصعود قوى يمينية متشددة ومشككة في الاتحاد في دول بينها ألمانيا وفرنسا.
وتشير استطلاعات الرأي المتعلقة بالانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة في 2027 إلى تقدم مارين لوبان، ويرى مايار أن وصولها إلى الرئاسة قد يعقد مسار عودة بريطانيا.
ويقول: "إذا افترضنا أن لوبان أصبحت رئيسة، فربما يجعل ذلك الأمور أصعب قليلاً. لوبان معادية للاتحاد الأوروبي وضد توسيعه، ولذلك فإن أي شيء من شأنه أن يظهر الاتحاد في صورة أفضل، وعودة المملكة المتحدة ستكون في الواقع انتصاراً له، ستعارضه".
وحتى إذا لم تفز لوبان، فإن انضمام أي دولة جديدة إلى الاتحاد الأوروبي يتطلب إجماع جميع الدول الأعضاء، ما يضع عقبة إضافية في باريس.
ويشير مايار إلى أن فرنسا تشترط، لقبول أعضاء جدد، وهو ما ينطبق على المملكة المتحدة، موافقة أغلبية ثلاثة أخماس أعضاء مجلسي البرلمان مجتمعين أو إجراء استفتاء.
وكان الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك قد أدرج شرط الاستفتاء في الدستور عام 2005، قبل أن يعدل عام 2008 لإضافة بديل له، هو موافقة البرلمان بمجلسيه بأغلبية ثلاثة أخماس.
ويقول مايار: "كنت في الجبل الأسود وغرب البلقان مؤخراً، وهي دول مرشحة للعضوية، وبالنسبة إليهم فإن فرنسا هي العامل غير المحسوب بهذا الصدد. لذا، فالأمر لا يتعلق بالمملكة المتحدة وحدها، بل بأي وافد جديد يعلم أنه سيتعين عليه إقناع عدد كبير من النواب الفرنسيين بتمرير الانضمام".
وتشير استطلاعات للرأي في فرنسا إلى أن 59% من الفرنسيين يؤيدون، من حيث المبدأ، عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي.
صيغ ما دون العضوية
وإلى أن تتضح فرص العودة إلى العضوية الكاملة، تحاول لندن، منذ القمة البريطانية الأوروبية الأولى في مايو 2025، توسيع مساحة العمل المشترك مع بروكسل.
وفي حين تعثر انضمامها إلى برنامج التمويل الدفاعي الأوروبي، البالغة قيمته 150 مليار يورو، نجحت في الاتفاق على إعادة المملكة المتحدة إلى برنامج التبادل الطلابي والمنح الأوروبي "إيراسموس+" اعتباراً من العام الدراسي 2027-2028.
وتتضمن أجندة قمة بروكسل المقبلة ملفات أكثر تقنية وأقرب إلى التحقق. لكن ماكرون، رغم ترحيبه بإمكان عودة بريطانيا إلى الاتحاد، رفض فكرة "نصف العضوية"، مؤكداً أن لندن لا تستطيع اختيار المزايا التي تناسبها وترك القواعد التي لا ترغب فيها.
ويرى رايكروفت أن العودة إلى السوق الموحدة من دون عضوية كاملة، بما تتيحه من حرية تبادل السلع والخدمات وفق قواعد الاتحاد، تعني "أن علينا قبول جميع القواعد والالتزامات، إلى جانب المزايا، من دون أي مشاركة في طريقة وضع تلك القواعد. وأعتقد أن ذلك سيكون وضعاً غير مريح إلى حد كبير".
بدوره، يرى جويل ريلاند، الزميل الباحث الأول في مركز "المملكة المتحدة في أوروبا متغيرة" لأبحاث السياسات، أن الكلفة الاقتصادية السلبية لـ"بريكست" قد تبرر قبول القوانين الأوروبية باعتباره حلاً وسطاً.
ويقول لـ"الشرق": "يبدو بشكل متزايد أن البعض قد يكونون مستعدين لقبول الحجة القائلة إن التضحية بالسيادة وقبول قواعد الاتحاد الأوروبي في بعض المجالات، إن لم يكن في جميعها، أمر يستحق العناء مقابل علاقات اقتصادية أفضل، لا سيما في عالم لم تعد تبدو فيه الولايات المتحدة موثوقة كما كانت في السابق، خصوصاً بعد ترويج معسكر بريكست لها كشريك مستقبلي يمكن للمملكة المتحدة الاعتماد عليه".
تجربة سويسرا والنرويج
ويشير ريلاند إلى النرويج وسويسرا باعتبارهما نموذجين محتملين لعلاقات وثيقة مع الاتحاد من دون عضوية كاملة.
ويقول إن النرويج "تتبع عملياً جميع تشريعات الاتحاد الأوروبي باستثناء بضعة مجالات محددة، مثل مصائد الأسماك والزراعة. وفي المقابل، هي مندمجة بدرجة عالية في السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي، بل تشارك فيها عملياً بشكل كامل".
لكنه يضيف أن "المشكلة التي تكتشفها سويسرا والنرويج الآن على أرض الواقع هي أن الاندماج في السوق الموحدة لا يعني الإدراج في هذه البرامج الجديدة من نوع صُنع في أوروبا، وهو مفهوم جديد حقاً في الاتحاد الأوروبي ولم يطبق من قبل فعلياً".
وستسعى لندن في القمة البريطانية الأوروبية المقبلة إلى الانضمام إلى مبادرة "صُنع في أوروبا"، التي يطورها الاتحاد لمواجهة المنافسة الصينية وتعزيز الصناعة في القارة، عبر تفضيل المنتجات الأوروبية في العقود الحكومية وبرامج الدعم العام.
ويشير ريلاند إلى قطاع السيارات بوصفه مثالاً على الكلفة الاقتصادية للخروج، قائلاً: "إذا نظرنا إلى صناعة السيارات تحديداً، فلدينا بعض البيانات التي تظهر أن أداء المملكة المتحدة جاء أضعف بكثير مقارنة بألمانيا. فقد كانت تتفوق عليها حتى الاستفتاء، وبعده بدأ أداؤها يتراجع قليلاً مع تزايد الضبابية بشأن مستقبل القطاع. ومنذ عام 2021، حين دخل اتفاق التجارة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ، جاء أداء المملكة المتحدة أسوأ بكثير من ألمانيا. لذا، هناك قطاعات يتضح فيها جلياً أنه لا مجال للجدل في أن الآثار الاقتصادية لبريكست كانت سلبية بشكل ساحق".
وشدد ريلاند على ضرورة اتخاذ لندن خطوات دبلوماسية لدعم صناعتها المحلية، بصرف النظر عن قرار العودة إلى الاتحاد الأوروبي.
وقال: "المملكة المتحدة تحتاج إلى أن تثبت أهمية قطاع سياراتها لسلاسل الإمداد الأوروبية، وأنهم إذا أرادوا امتلاك ما يسمونه الاستقلالية الاستراتيجية، أي اعتماداً أقل على الصين، فسيتعين عليهم إيجاد شركاء من خارج الاتحاد. شركاء آخرين سيصنعون السيارات ويبنون تلك المنظومات، والمملكة المتحدة على الأرجح جزء مهم جداً من ذلك في أوروبا. لذا، عليها أن تقدم البيانات والأدلة التي تثبت لماذا هي جزء أساسي من صناعة السيارات الأوروبية في المستقبل".
ويتفق مايار مع هذا الطرح، ويرى أن الاضطرابات التجارية العالمية أوجدت فرصاً جديدة للتعاون.
ويقول: "هناك إمكانات هائلة للتعاون بشكل أكبر بكثير في مشاريع صناعية مشتركة، ولا يتعين أن تكون عضواً في الاتحاد للقيام بذلك. وأعتقد أن هذا أمر قد نراه، على سبيل المثال، مع كندا. سيطرحون في قمة بمونتريال مع الاتحاد، في نهاية الشهر الجاري، مشاريع للتعاون الصناعي وفي مجال المعادن الحيوية والغاز الطبيعي المسال".
ويضيف: "الأمر لا يتعلق بالتجارة فحسب، بل بالتعاون أيضاً، حيث تقتضي مصلحة الطرفين، في ظل عالم يسوده عدم اليقين، أن نجمع مواردنا. يقول بيرنام إنه يريد أن تُصنع الأشياء في بريطانيا، وأوروبا تريد أن تُنجز الأشياء مع منح الأفضلية لأوروبا. لكن ربما يمكن في الواقع التوفيق بين الأمرين".
بعد 10 سنوات على الاستفتاء، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد سؤال العودة أو البقاء خارج الاتحاد: غالبية بريطانية تميل، من حيث المبدأ، إلى العودة، لكنها تتردد أمام شروطها، وعواصم أوروبية ترحب بالتقارب، لكنها تتوجس من عضوية يمكن أن تنقضها انتخابات لاحقة، ورئيس وزراء يملك، حتى الانتخابات العامة المقبلة المقررة بحلول عام 2029، وقتاً لبناء حجته، لكنه لا يملك حتى الآن تفويضاً يحولها إلى طلب عضوية.
لذلك، ستقاس الخطوة الأولى لبيرنام بما يحققه في قمة بروكسل، لا بما يقوله عن استفتاء 2016. أما القرار الأخير، فقد أعاده بنفسه إلى الناخبين، حين قال إن "الشعب البريطاني سيكون صاحب القرار".
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.