حذف أصفار الدينار العراقي: مخاطرة مالية أم خطوة محسوبة لملاحقة الأموال المنهوبة؟
لم يعد الحديث عن مستقبل العملة العراقية مجرد نقاش نقدي يتعلق بسعر الصرف، أو شكل الأوراق النقدية، بل بدأ يأخذ أبعاداً سياسية ومالية أوسع، في ظل تداول معلومات عن وجود توجه داخل الحكومة العراقية نحو حذف ثلاثة أصفار من الدينار، أو إجراء تغيير في بنية العملة، تزامناً مع تصاعد ملف الأموال العامة المنهوبة وقضايا الفساد التي تقدر مبالغ التسويات الأولية في بعضها بنحو 10 تريليونات دينار عراقي.
وبينما أثارت تصريحات سياسية الحديث مجدداً عن احتمال تغيير العملة، تصرّ الحكومة العراقية رسمياً على عدم وجود مشروع أو قرار بهذا الاتجاه في الوقت الراهن، ما يضع الملف أمام مفارقة واضحة بين حديث عن احتمال إجراء نقدي واسع، ونفي حكومي لأي خطوة وشيكة.
تصريح يعيد الملف إلى الواجهة
عاد موضوع حذف الأصفار إلى واجهة النقاش العام بعد تصريح وزير الاتصالات مصطفى سند، السبت الماضي، أكد فيه وجود توجه بهذا الشأن. وأعاد التصريح فتح باب التكهنات بشأن أهداف الخطوة المحتملة، وما إذا كانت تقتصر على إعادة تنظيم العملة والكتلة النقدية، أم يمكن أن ترتبط بملفات أوسع، بينها الأموال غير المشروعة والأموال المنهوبة.
غير أن الربط بين حذف الأصفار و"إعدام قيمة" الأموال المنهوبة يحتاج إلى قدر كبير من التدقيق الاقتصادي والقانوني. فحذف الأصفار، من حيث المبدأ، هو عملية لإعادة تسمية الوحدة النقدية أو إعادة تحجيمها، ولا يعني في ذاته مصادرة الأموال أو إبطال قيمتها.
وفي أحدث موقف حكومي معلن، نفى حيدر العبودي، المتحدث باسم الحكومة العراقية، الاثنين وجود أي توجه رسمي لتغيير العملة الوطنية أو حذف ثلاثة أصفار من الدينار، مؤكداً أن الأخبار المتداولة لا تستند إلى قرارات رسمية. كما نفى وجود توجه لإعادة تقييم الدينار أو تعديل سعر صرف الدولار، مشيراً إلى أن وجود كميات من الأوراق النقدية المطبوعة لا يعني بالضرورة اتخاذ قرار بتغيير العملة أو قيمتها.
وكان البنك المركزي العراقي قد أكد، في بيان أصدره في 7 حزيران/يونيو الماضي، وجود فرق فني واقتصادي بين خصم حوالات الخزينة وبين "طبع العملة"، مشدداً على أن إصدار النقود الجديدة من دون مقابل محظور قانوناً، وعلى استمرار استراتيجيته الرامية إلى دعم الدينار والحفاظ على الاستقرار النقدي والاقتصادي، داعياً إلى التعامل بدقة مع الأخبار والتفسيرات المتعلقة بإدارة العملة وإصدارها.
وتكتسب مواقف البنك المركزي أهمية خاصة في هذا الملف، فلا يمكن النظر إلى أي تغيير جوهري في بنية العملة أو آلية تداولها باعتباره مجرد إجراء إداري، إنما يتطلب ترتيبات نقدية ومصرفية وتشريعية وتقنية واسعة.

البنك المركزي العراقي. (الموقع الرسمي)
ماذا يعني حذف ثلاثة أصفار؟
اقتصادياً، ضروري التفريق بين ثلاثة مفاهيم كثيراً ما تختلط في النقاش العام: حذف الأصفار، وإعادة تقييم العملة، وتغيير سعر الصرف. فحذف ثلاثة أصفار يعني، على سبيل المثال، تحويل مبلغ 1,000 دينار إلى وحدة نقدية واحدة، مع الحفاظ على القيمة الحقيقية للمبلغ إذا جرى التحويل بصورة متكافئة. وبالتالي، فإن العملية لا تجعل المواطن أكثر ثراءً تلقائياً، ولا تمنح الدولة قدرة إضافية على الإنفاق.
ويصف الباحث في الشأن الاقتصادي رشيد السعدي لـ "النهار" حذف الأصفار بأنه إجراء إداري وتنظيمي "من شأنه تسهيل الحسابات العامة والتسويات وتقريب القيم الدينارية من القيم الدولارية في الحسابات، من دون أن تكون له آثار اقتصادية مباشرة في ذاته". ومن هذا المنطلق، لا ينبغي أن يُفهم حذف الأصفار بصفته خفضاً لقيمة الدينار أو رفعاً لها، ما لم يترافق مع قرار منفصل يتعلق بسعر الصرف أو القوة الشرائية.
هل يمكن أن يطاول الأموال المنهوبة؟
كان الهدف من أي عملية محتملة لتغيير العملة هو إعادة تنظيم الكتلة النقدية وتعزيز الرقابة على الأموال المتداولة خارج الجهاز المصرفي، فقد توفر عملية الاستبدال فرصة لتدقيق حركة الأموال الكبيرة ومصادرها، خصوصاً إذا ارتبطت بإجراءات مصرفية وضريبية ورقابية صارمة.
لكن ذلك لا يعني أن الأموال المنهوبة ستفقد قيمتها بمجرد حذف الأصفار.
فصاحب مبلغ 10 مليارات دينار، على سبيل المثال، سيملك بعد حذف ثلاثة أصفار ما يعادل 10 ملايين من الوحدة النقدية الجديدة، وليس صفراً. أي أن قيمة الأموال الاسمية ستتغير وفق نسبة التحويل نفسها، بينما لا تختفي الأموال لمجرد تغيير وحدة القياس.
لهذا، لا تتحقق استعادة الأموال غير المشروعة من خلال تغيير الأرقام المطبوعة على الأوراق النقدية، إنما تحتاج إلى إجراءات قانونية ومالية تشمل الإفصاح عن مصادر الأموال الكبيرة، والتدقيق المالي والضريبي والمصرفي، وربط عمليات الاستبدال عند الحاجة بأنظمة مكافحة غسل الأموال والتهرب الضريبي والفساد. ويؤكد المختص في شؤون مكافحة الفساد علي حبيب لـ"النهار" أن التعامل مع الأموال غير المشروعة "يحتاج إلى آليات رقابية تتجاوز مجرد تغيير شكل العملة أو حذف أصفارها".
فرصة لإعادة تنظيم السوق أم مخاطرة إضافية؟
ينقسم النقاش العراقي بشأن حذف الأصفار إلى اتجاهين رئيسيين: يرى الأول أن إعادة تنظيم العملة يمكن أن تكون جزءاً من عملية أوسع لإعادة ضبط الدورة النقدية، خصوصاً إذا رافقتها آليات واضحة لاستبدال الأوراق النقدية القديمة، وتدقيق مصادر الأموال، وربط عملية الاستبدال بالنظام المصرفي والمالي. وبحسب هذا التصور، يمكن عملية تغيير العملة أن تمنح الدولة فرصة لإعادة ترتيب السوق النقدية وتقليص مساحة الأموال المتداولة خارج القنوات الرسمية، شرط أن تكون العملية جزءاً من إصلاح مالي ومصرفي متكامل، لا مجرد حذف حسابي للأصفار.
أما الاتجاه الآخر فيحذر من أن طرح هذا الخيار في الظرف المالي الحالي قد يؤدي إلى نتائج عكسية، خصوصاً أن العراق يواجه ضغوطاً تتعلق بالسيولة، وأي تغيير واسع في العملة يحتاج إلى استعداد مصرفي وتشريعي وتقني كبير، فضلاً عن حملة توعية واسعة للمواطنين والتجار والمصارف.
كما أن الانتقال إلى وحدة نقدية جديدة قد يرفع موقتاً تكلفة التعاملات ويخلق ارتباكاً في الأسعار والعقود والرواتب والديون والالتزامات الحكومية والخاصة، إذا لم تتم إدارة العملية بصورة دقيقة ومدروسة.
التوقيت... العامل الأشد حساسية
لا يقل توقيت أي خطوة نقدية محتملة أهمية عن مضمونها. فالحكومة تحدثت عن أزمة سيولة موقتة، وليس عن أزمة مالية هيكلية، فيما يؤكد البنك المركزي أن الحفاظ على الاستقرار النقدي والاقتصادي يمثل أولوية.
وفي ظل حساسية السوق العراقية حيال سعر الصرف والسيولة وثقة الجمهور بالسياسة النقدية، فإن إدخال تغيير واسع في العملة قد يضيف عاملاً جديداً إلى سوق تحتاج أصلاً إلى قدر مرتفع من الاستقرار والوضوح. لذلك، أي قرار من هذا النوع، إن طُرح رسمياً، لن يكون مجرد عملية حسابية لاستبدال ألف دينار بوحدة نقدية واحدة، بل سيكون مشروعاً يحتاج إلى تشريعات واضحة، وجدول زمني، واستعداد مصرفي وتقني، وآليات لحماية المواطنين والتجار، فضلاً عن ضمانات تحول دون استغلال العملية في المضاربة أو التلاعب بالأسعار.
في المقابل، قال الخبير في الشأن الاقتصادي والمالي ناصر التميمي لـ"النهار " إن توجه الحكومة نحو حذف الأصفار من العملة "خطوة نقدية وفنية يمكن أن تحقق عدداً من الإيجابيات في حال تنفيذها ضمن خطة اقتصادية ومالية متكاملة، وهذه الخطوة في ذاتها لا تعني ارتفاع القوة الشرائية للعملة ولا تُعد علاجاً مباشراً للتضخم"، مضيفاً أن "من أبرز الإيجابيات المحتملة لحذف الأصفار، تبسيط التعاملات النقدية والحسابات المالية، وتقليل حجم الأرقام المستخدمة في الفواتير والرواتب والعقود والأنظمة المحاسبية والمصرفية، فضلاً عن تسهيل عمليات الدفع والتسوية وتقليل الأخطاء الحسابية، وتحسين الصورة الفنية للعملة وتعزيز كفاءة الأنظمة المالية والمصرفية".
وبحسبه، إعادة ترقيم العملة تساعد أيضاً في الانتقال التدريجي نحو استخدام أكبر للأدوات المصرفية والدفع الإلكتروني، "خصوصاً إذا تزامنت مع تطوير البنية التحتية للقطاع المصرفي وتعزيز الثقة بالعملة الوطنية"، محذراً من أن "هناك آثار سلبية ومخاطر محتملة إذا جرى تنفيذ القرار بصورة متسرعة أو من دون استعداد مؤسسي ومصرفي كافٍ، ومن أبرز هذه المخاطر ارتفاع تكاليف طباعة العملة الجديدة وإصدارها، وتحديث أجهزة الصراف الآلي والأنظمة المصرفية والمحاسبية، إضافة إلى الحاجة إلى حملات توعية واسعة لتجنب الالتباس بين العملة القديمة والجديدة".
تقريب غير منضبط
وشدد على أن مرحلة الانتقال قد تخلق مجالاً لبعض التجاوزات، ولا سيما منها التقريب غير المنضبط للأسعار إلى الأعلى، الأمر الذي قد ينعكس على المواطنين ويولد موجة من التضخم السعري إذا لم ترافق العملية رقابة فعالة على الأسواق والتسعير، فيما أكد أن حذف الأصفار لا يزيد ثروة المواطنين ولا يرفع القيمة الحقيقية للعملة بصورة تلقائية، "فإذا حُذفت ثلاثة أصفار، على سبيل المثال، يصبح مبلغ 1,000 وحدة نقدية وحدة واحدة، مع إعادة احتساب الأسعار والأجور والمدخرات والديون بالنسبة نفسها. وبالتالي، يعتمد الأثر الحقيقي في الاقتصاد على السياسات التي ترافق عملية إعادة التقييم الاسمية".
وختم التميمي قائلاً إن نجاح الخطوة يتطلب توافر مجموعة من الشروط، "في مقدمها السيطرة على التضخم، والحفاظ على استقرار سعر الصرف، وتعزيز استقلالية السياسة النقدية، وضبط الإنفاق العام، وتطوير القطاع المصرفي، ومكافحة الاقتصاد الموازي، فضلاً عن وضع فترة انتقالية واضحة تسمح بالتعامل بالعملتين القديمة والجديدة لفترة كافية"، ويمكن هذا الحذف أن يكون إصلاحاً إدارياً ونقدياً مفيداً إذا جاء نتيجة استقرار اقتصادي وليس بديلاً منه، والمؤشر الحقيقي لنجاح أي إصلاح للعملة هو تحسن قوتها الشرائية والاستقرار الاقتصادي وثقة المواطنين والمستثمرين.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.