من قُصرة إلى الأغوار... الاستيطان يرسم ممراً جديداً في قلب الضفة
بدأ الأمر بخيمة نصبها مستوطنون إسرائيليون قرب 3 منازل فلسطينية في منطقة رأس العين في بلدة قُصرة، جنوب نابلس. خلال أيام، تحوّلت الخيمة إلى بؤرة استيطانية، وأغلقت الطرق، وحوصرت عائلات داخل منازلها، قبل أن تدخل القوات الإسرائيلية إلى المنطقة وتفرض سيطرة عسكرية على محيطها.
لكن ما يحدث في قُصرة يتجاوز مصير بضعة منازل. فالبلدة الواقعة جنوب شرق نابلس، على ارتفاع نحو 850 متراً، تشرف على الطريق نحو غور الأردن، وتقع وسط منطقة تتكثف فيها المستوطنات والبؤر الاستيطانية. ومع تكرار أنماط مشابهة في قرى أخرى، يطرح الحصار سؤالاً أكبر عن مستقبل التجمعات الفلسطينية الواقعة بين وسط الضفة الغربية والأغوار.
الحصار يدخل أسبوعه الثاني
بدأت الأزمة عندما وصل مستوطنون إلى منطقة رأس العين ونصبوا خيمة قرب منازل فلسطينية في محاولة لإنشاء بؤرة استيطانية. ومع تصاعد التوتر، تدخل الجيش الإسرائيلي، وتحوّل محيط المنازل إلى منطقة عسكرية مغلقة.
وأغلقت الطرق المؤدية إليها، فيما تعذّر لفترة وصول الموادّ الأساسية إلى العائلات. وبحسب السكان، قطع المستوطنون المياه والكهرباء، فيما تقول إسرائيل إن قواتها "انتشرت لحماية السكان والحفاظ على الأمن".
قصي أبو ريدة (48 عاماً وأب لأربعة أطفال) يعيش في منزل شقيقه لؤي المقيم في الولايات المتحدة. منذ بدء الحصار، بات عاجزاً عن مغادرة المنزل حتى للذهاب إلى عمله، فيما تحوّلت أبسط تفاصيل الحياة اليومية، من تأمين الطعام والمياه إلى الحصول على الدواء، إلى معركة.
"نحن محبوسون وعالقون. لا نستطيع ترك المنازل والذهاب إلى أعمالنا"، يقول أبو ريدة، موضحاً بأنه اضطر إلى الاستعانة بموظف لفتح متجره في وسط البلدة.
وتمكّنت منظمة "اليونيسف" - بحسب أبو ريدة - من إيصال موادّ غذائية ومياه وأدوية للعائلات تكفيها أياماً قليلة. ويقيم معه أيضاً جاره يوسف عبد السلام وعائلته بعدما تحول منزل الأخير إلى موقع عسكري.
ويضيف أن العائلة استعانت بمحام فلسطينيّ لمتابعة القضية مع الجهات الإسرائيلية، تمهيداً للتوجّه إلى المحكمة العليا إذا استمر الوضع.
ويختصر أبو ريدة موقفه بالقول: "لن يجبروني على ترك منزلي، حتى إن اضطررت إلى العيش أياماً على الماء والملح. نحن في منزلنا، وعلى أرضنا، ولن ينجحوا في إخراجنا".
"البيت أصبح سجناً"
يوسف عبد السلام (30 عاماً - مزارع) يقيم منذ أيام في منزل جاره، فيما بقي شقيقه رزق ووالدته وشقيقته في منزل مجاور للبيت الذي دخلته القوات الإسرائيلية.
ويروي لـ"النهار" أن طواقم الكهرباء وصلت إلى المنطقة بعد تنسيق مع الجيش الإسرائيلي لإعادة التيار. وعندما حاول الاقتراب لإعادة الكهرباء إلى منزل شقيقه، احتجزه الجنود لنحو ساعة ونصف الساعة وحذروه من الاقتراب مجدداً.
ويقول: "أوضاعهم صعبة جداً. تمكّنا أخيراً من إدخال الطعام والماء والمستلزمات الصحية إليهم".
أما الأثر الأكبر، فيظهر على طفلتيه البالغتين عامين و4 أعوام. "نحن متعبون نفسياً، لكن معنوياتنا عالية. طفلتاي هما الأكثر تضرراً، فهما مرعوبتان طوال الوقت".
ويضيف: "صعب جداً أن يتحول البيت إلى سجن. ليس سهلاً أن تكون سجيناً في منزلك".
رغم ذلك، يستبعد عبد السلام الرحيل، مؤكّداً أن العائلات قررت البقاء، وأن أهالي قُصرة يتواصلون معها باستمرار للاطمئنان إلى أوضاعها.
قُصرة ليست حالة معزولة؛ ففي قرية جالود جنوب نابلس، استولى مستوطنون في نهاية تموز/يوليو على منزل محمود الطوباسي، بعدما غادرت عائلته إثر حصار واعتداءات استمرت أكثر من 3 أشهر. وسبقت الرحيل اعتداءات متكررة وقطع للكهرباء وإغلاق للطريق ومنع وصول الغذاء والمياه والأدوية.
وتواجه عائلات في مناطق أخرى، بينها ترمسعيا، ضغوطاً مرتبطة بتمدد البؤر الاستيطانية والرعوية.

رجل يلوّح بالعلم الفلسطيني أمام منزل يحاصره مستوطنون إسرائيليون في قرية قُصرة جنوب نابلس، 14 آب/أغسطس 2026. (أ ف ب)
من "الأصابع" إلى الضفة
استخدام المستوطنات والطرق لفرض تواصل جغرافي إسرائيلي وتقطيع التواصل بين التجمعات الفلسطينية ليس جديداً في تاريخ التخطيط الاستيطاني.
في مطلع السبعينيات، ارتبط اسم أرييل شارون في قطاع غزة بما عُرف بـ"خطة الأصابع الخمسة"، التي قامت على إنشاء محاور استيطانية وأمنية تخترق القطاع وتفصل بين تجمعاته الفلسطينية.
أما في الضفة الغربية، فطرح شارون عام 1977، عندما كان وزيراً للزراعة ورئيساً للجنة الوزارية للاستيطان، خطة مختلفة وأكثر اتساعاً، قامت على توسيع الاستيطان في غور الأردن، وإنشاء شبكة مستوطنات غرب التجمعات الفلسطينية الرئيسية، وتطويق القدس الشرقية بحزام استيطاني، وربط المحاور الغربية والشرقية بشبكة من الطرق والمستوطنات.
وتظهر وثائق أميركية تعود إلى تلك المرحلة أن الخطة تضمنت شبكة طرق طولية وعرضية تصل المناطق الواقعة غربي الضفة بغور الأردن شرقاً، فيما تحدّثت تقارير معاصرة عن محور يعبر الضفة، جنوب نابلس.
وبعد نحو نصف قرن، تغير حجم الاستيطان وأدواته. لكن الجغرافيا التي دارت حيالها تلك المخططات لا تزال في قلب الصراع على الضفة.
إعادة تشكيل الواقع على الأرض
يرى الخبير في شؤون الاستيطان خليل التفكجي أن المنطق الذي قامت عليه مخططات شارون القديمة، أي اختراق التجمعات الفلسطينية بمحاور استيطانية وأمنية وتقطيع التواصل بينها، ظهر لاحقاً بصيغ مختلفة في الضفة الغربية.
ويشرح لـ"النهار" بأن شارون دفع في الضفة نحو كتل استيطانية ومحاور تمتد من الغرب إلى الشرق، وتربط مناطق داخل الخط الأخضر بغور الأردن، ومن أبرزها الكتلة المحيطة بمستوطنة "أريئيل" المقامة على أراضي سلفيت، والطريق ذات الرقم 5 المعروفة بـ"عابر السامرة".
ويشير إلى أن قرى فلسطينية مثل قُصرة وجوريش والمغيّر تقع على مرتفعات تشرف على الأغوار، ما يمنح السيطرة على محيطها أهمية تتجاوز حدود كل قرية.
ويربط التفكجي بين الضغوط التي تتعرض لها قُصرة والمغيّر وترمسعيا واللبن الشرقية والساوية وبين محاولة توسيع نطاق السيطرة على الأرض وربط الكتل الاستيطانية بمساحات أكبر.
ويقول إن المعادلة تقوم على السيطرة على "أكبر مساحة من الأرض بأقل عدد من الفلسطينيين"، سواء عبر دفع السكان إلى الرحيل أو إحاطة تجمعاتهم بالمستوطنات والطرق بما يجعل حركتهم ودخولهم وخروجهم أكثر ارتباطاً بالسيطرة الإسرائيلية.
ويرى التفكجي أن الظروف الإقليمية الحالية تمنح إسرائيل مساحة أكبر لدفع مخططات استيطانية قديمة إلى الأمام.
من هنا، تصبح الخيمة المنصوبة أمام منزل في قُصرة أكثر من نزاع محلي على قطعة أرض. ففي منطقة تصل مرتفعات وسط الضفة بغور الأردن، يمكن لبؤر صغيرة ومتفرقة - إذا اتصلت ببعضها - أن تتحول تدريجياً إلى وقائع جغرافية جديدة.
أما بالنسبة إلى العائلات المحاصرة، فالمسألة أقلّ تعقيداً من خرائط شارون وخططه. معركتها اليوم هي البقاء في المنزل.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.