مراسم دفن سماوية وتماثيل غريبة تجسّد البشر.. موقع أثري في تركيا يزخر بأسرار تعود للعصر الحجري

في صباحٍ عاديٍ من عام 2020، عند سفوح جبال طوروس الشرقية في تركيا، كُشف النقاب عن مستوطنة بشرية تعود لعصور ما قبل التاريخ، وتزخر بأسرار قديمة في قرية "سايبورج" (Sayburç).
تبيّن أنّ تلك الأحجار الغريبة التي تتخذ شكل حرف "T"، والتي استخدموها في بناء جدران حدائقهم، عبارة عن أعمدة تمثّل أشكالًا بشريةً تجريدية.
وهي هياكل ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمجتمعات الصيادين وجامعي الثمار التي سبقت عصر الزراعة، حيث نُحتت هذه الأعمدة قبل نحو 11 ألف عام.

وبعد أن تعرّف عليها متخصصون من متحف "شانلي أورفا" القريب، بدأت أعمال التنقيب العام التالي، وتوالت الاكتشافات بوتيرة متسارعة منذ ذلك الحين.
حتّى عام 2026، تم الكشف عن نحو 70 هيكلًا من العصر الحجري الحديث في "سايبورج"، حيث يوجد مزيجٌ متراص من المساكن والمباني الجماعية التي عاش فيها البشر القدامى وماتوا.

تشير أدلة تشمل أحواض حجرية وأدوات طحن إلى أنّهم كانوا يعالجون الحبوب، وربما صنعوا الجعة أيضًا، في واحدةٍ من أقدم القرى المعروفة.
ومع ذلك، لم يثر أي اكتشاف الخيال بقدر ذلك الذي ظهر في بدايات أعمال التنقيب في الموقع: خمس شخصيات منحوتة على مقعد حجريٍ داخل إحدى المباني الجماعية الخمسة في المستوطنة.
من اليسار إلى اليمين، يظهر ثور بقرون ضخمة تتجه نحو رجل يبدو وكأنّه في وضعية القرفصاء.
يرفع الرجل يده اليسرى ذات الأصابع الستة، بينما تمسك يده اليمنى شيئًا ما.

لكن الرجل الآخر الموجود على يمينه هو الأكثر لفتًا للانتباه، فهو الوحيد المنحوت بأسلوب نحتٍ ناتئ، ويتميّز بعيون جاحظة وشفاه غليظة تنظر نحو الغرفة، وكأنّ صاحبها لا يكترث بوجود نمرين ضخمين على جانبيه، بذيول ملتفة وأسنان حادةٍ بارزة، على بُعد بوصات قليلة منه.
أوضحت إيلم أوزدوغان، عالمة الآثار في جامعة إسطنبول ورئيسة فريق التنقيب في الموقع، في ورقة بحثية نُشرت عام 2022 في دورية "Antiquity" الأكاديمية، أنّ هذه الاكتشافات مجتمعة تُمثّل أقدم تصوير حجري معروف لـ "مشهد" قصصي.
تضم مواقع أخرى من العصر الحجري الحديث في محيط مقاطعة شانلي أورفا، معروفة باسم "تاش تيبيلر" (أي "التلال الحجرية")، تقنيات معمارية ورموزاً بصرية مشابهة، لكن لا يوجد في أي منها أمثلة على هذا النمط الأفقي الذي يعرض قصة متسلسلة ومترابطة.
وفي حديثها مع مراسلة CNN إريكا هيل، قالت أوزدوغان: "إذا نظرت إلى المنطقة، وتحديداً إلى موقعي غوبكلي تبه وكاراهان تبه، ستجد أنّ كل هذه الشخصيات تظهر كعناصر مستقلة. أمّا هنا، فهي تظهر في سياق مترابط. إنّها عناصر من قصة واحدة".
ثغرات في الحبكة

لكن القصة الفعلية التي يرويها هذا المشهد تشكِّل لغزاً حتّى الآن. هذا لا يعني غياب النظريات، فقد جمعت أوزدوغان في السنوات الأخيرة عدداً كبيراً من التفسيرات، سواءً من المتخصصين أو من الهواة.
فسّر البعض المشهد على أنّه تصوير درامي لمواجهات بين الإنسان والحيوان، بينما اعتبر آخرون أنّ المشهد يصوِّر "طقساً انتقالياً"، حيث يواجه الأفراد حيوانات ضخمة كجزء من طقوس للانضمام إلى مجموعة ما أو كاختبار لبلوغ مرحلة النضج.
كما طُرحت تفسيرات تربط المشهد بمفاهيم الخصوبة والاستمرارية، إذ يمسك الذكر الذي يتوسط النمرين، بعضو ذكري منتصب بارز بيده اليمنى، ما دفع بعض الباحثين المعاصرين إلى قراءة المشهد كحكاية تعود إلى ما قبل عصر الزراعة، تتمحور حول البقاء والرجولة.
وبصفتها الباحثة الرئيسية في "سايبورج"، لا تتبنى أوزدوغان فرضية واحدة تحديدًا. ورُغم ترحيبها بالتفسيرات المتنوعة، إلا أنّها لا تهتم كثيراً بالتوصل إلى الحبكة الدقيقة للقصة.
وأوضحت: "بالنسبة لي كعالمة آثار، ما يهمني هو كيف كانت هذه القصص تؤدي وظيفتها بالنسبة لهم.. أمّا معرفة القصة الحقيقية بحد ذاتها، فهو ليس أمراً مهماً لي".
بالنسبة لأوزدوغان، تثير الأهمية التي كانت تحظى بها هذه النقوش البارزة لدى المجتمع الذي نحتها الكثير من الفضول.
أفادت عالمة الآثار أنّ هذه النقوش تمثل الذاكرة الجماعية وقيم شعب كان يشق طريقه نحو الاستقرار في نمط حياة أكثر ثباتاً، وقد عُرضت في مكان عام ليراها الجميع.
عظام وأحزمة

توالت الاكتشافات الأخرى في موقع "سايبورج"، إذ ظلّت بقايا العصر الحجري الحديث بحالة سليمة وشاملة تقريباً، رُغم تعرّضها لبعض الأضرار خلال فترة الاستيطان الروماني اللاحقة، وكذلك نتيجة إنشاء قرية حديثة في منتصف القرن العشرين.
كما شكّلت علاقة المستوطنين الأوائل في الموقع بالموت مصدراً دائماً للاهتمام، فقد كشفت عمليات التنقيب أنّ الموتى كانوا يُدفنون غالباً داخل المساكن، وأحياناً تحت الأرضيات وفق ترتيبات دقيقة، ما يشير إلى أنّ المتوفين ظلوا يُعتبرون جزءاً من الأسرة.
وفي العام الماضي، تم العثور على تمثال صغير منحوت يُجسِّد على الأرجح شخصًا متوفى، وبدا فمه مغلقًا أو مخيطًا بإحكام.
وفي بعض المواقع، اختلطت عظام الحيوانات بعظام البشر.
وعند وضع هذه الممارسة في سياق الصور المتكرّرة للطيور الجارحة (التي تقتات على الجيف) في منطقة "تاش تيبيلر"، فإنّ هذا يدفع البعض إلى طرح فرضية مفادها أنّ عمليات الدفن هذه كانت جزءًا من ممارسة مقصودة تُعرف بـ "التجريد من اللحم" (excarnation)، حيث يُقدَّم جسد الميت للطيور الجارحة، كجزء من طقوس جنائزية معروفة بـ "الدفن السماوي".
كما شكّلت الأعمدة مصدرًا آخر للغموض، لا سيما تلك الهياكل التي تتخذ شكل حرف "T" المنتشرة حول مساكن العصر الحجري الحديث في موقع "سايبورج" وداخلها.
ونظرًا لاحتواء هذه الحجارة غالبًا على نقوش لأذرع وأحزمة، فقد فُسِّرت على أنّها تُجسِّد البشر، وربما تم التعامل معها كما لو كانت كائنات بشرية.
وفي أحد المباني المميزة وسط القرية، يوجد عمود يحمل نقشًا لوجه بشري عند قاعدته.
قد يهمك أيضاً
ونظرًا لوجود هذا العمود في مواجهة تجويف كبير في الجدار، وإحاطته بأعمدة أخرى تحمل نقوشًا لفهد وخنزير، ترى أوزدوغان أنّ تصميم الغرفة كان مقصودًا، حتى وإن ظلت القصة الدقيقة وراءه غامضة.
وشرحت: "نلاحظ أنّ الفن العام هنا أكثر بروزًا مقارنة بالمناطق الأخرى.. هذا يشير إلى رغبتهم في إظهار تقاليدهم بطريقة مرئية".
وأضافت: "بما أنّها كانت ثقافات تعتمد على التراث الشفهي، فقد كان من المستحيل نقل الأعراف والتقاليد عبر الكتابة، لذا كانوا يتناقلونها من خلال الكلمات والقصص. وربما ساعدهم ذلك في تذكر الحكايات وما يحتاجون لمعرفته، ونقلها إلى الأجيال الجديدة".
لضمان استمرار رواية هذه القصص، تشارك أوزدوغان حاليًا في خطة لتحويل موقع سايبورج إلى متحف في الهواء الطلق.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.