هجوم كنيسة "حمود".. ماذا وراء عودة الإرهاب إلى الواجهة في الأردن؟

عمّان، الأردن (CNN)-- منذ الهجوم المسلح الذي استهدف مشيّعين داخل كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك، جنوبي الأردن، تسود حالة من الصدمة في الأوساط المجتمعية والسياسية، وسط نقاش محتدم بشأن خلفيات العملية ودوافع منفذيها. وأسفر الهجوم عن مقتل 9 أشخاص، غالبيتهم من المنتمين إلى تيارات سياسية قومية وعروبية، بينهم أطباء ومهندسون ومحامون.
وقبل هجوم الكنيسة في 23 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، شهد الأردن خلال السنوات الماضية عمليات إرهابية بارزة، من أهمها أحداث خلية إربد المسلحة في آذار/ مارس 2016، وهجوم قلعة الكرك في العام نفسه، وتفجيرات الفحيص عام 2018 المرتبطة بما عُرف بـ"خلية السلط"، وهجوم معان عام 2022. وقد أسفرت تلك الحوادث عن مقتل عدد من الضباط وأفراد الأجهزة الأمنية، وخلّفت تداعيات وتحديات أمنية واجتماعية مركبة.
وخلّف الهجوم على حمود، وهي قرية تاريخية لا يتجاوز عدد سكانها 250 نسمة، صدمة واسعة، إذ وُصف بأنه الأول من نوعه في بلد يمثّل فيه المسيحيون جزءًا أصيلًا من مسيرة بناء الدولة والنسيج الاجتماعي. وقد برز في التحقيقات تورط شقيقين ونسيبهما، ينتمون جميعًا إلى قرية الجديدة المجاورة لحمود، والتي لا تبعد عنها سوى بضع كيلومترات.
وكشفت المعلومات المتداولة أن هزاع زيدان محمد، الذي وُصف بأنه المخطط للهجوم، سبق أن أُلقي القبض عليه عام 2021، وحُكم عليه بالسجن سبع سنوات بالأشغال المؤقتة في قضية تتصل بجناية المؤامرة بقصد القيام بأعمال إرهابية والترويج لأفكار جماعة إرهابية. كما أعاد نشطاء تداول مقطع فيديو لمصالحة عشائرية في قرية حمود في وقت سابق، على خلفية حادثة دهس فتاة من القرية ذاتها، التي تقطنها عشيرة الهلسا المسيحية، ونُسبت إلى شقيقه مشعل زيدان محمد.
وتزداد حدة الغضب إزاء الهجوم الدامي، بحسب ما رصدته CNN بالعربية خلال جولة في القرية وحديثها إلى الأهالي، في ضوء المكانة التاريخية لقرية حمود وروابطها الاجتماعية والجغرافية بمحيطها، فضلًا عن إسهامها في رفد مدارس محافظة الكرك وقرى لواء القصر، بما فيها قرية الجديدة، بكفاءات تعليمية وعلمية متميزة.
روابط عائلية وجغرافية
ولا يفصل خبراء في شؤون الجماعات المتشددة والتكفيرية بين "نسق الأعمال الإرهابية" المسجلة في البلاد على مدار عقد، وصلته بالروابط العائلية وعلاقات الصداقة والجوار، كما جرى في هجوم حمود، في حين تبقى فرضية الارتباط التنظيمي المباشر بتنظيمات خارجية محدودة.
ولم تكشف مستويات القرار الأردني، حتى اللحظة، عن الصلة التفصيلية بين منفذي الهجوم وما وُصف بأنه "أوكار داعش" في الجنوب الشرقي السوري، التي قصفها سلاح الجو الملكي الأردني في عملية مفاجئة سُمّيت "بالردع الأردني – حمود"، في 26 تشرين أول/ أكتوبر من الشهر الجاري، وقد أثارت العملية ردود فعل شعبية ورسمية متبادلة بين البلدين، إثر سقوط ضحايا مدنيين فيها.
التطرف وروابط القرابة
من جهته، يرى الباحث والخبير في شؤون التنظيمات الإرهابية، حسن أبو هنية، في حديث لموقع CNN بالعربية، أن الإرهاب والتطرف ظاهرتان عالميتان لا ترتبطان بثقافة محددة، موضحًا أن استهداف كنيسة حمود والمشيّعين "يمثل نمطًا غير مألوف في الحالة الأردنية"، إذ لم يشهد الأردن نمطًا ممنهجًا من استهداف الكنائس على غرار ما شهدته بعض دول المنطقة في سياقات التوترات الطائفية، حتى خلال فترة ذروة صعود تنظيم "داعش" في المنطقة وتأثيراته على الأردن.
وأوضح أبو هنية أن العمليات الإرهابية التي شهدها الأردن سابقًا، مستشهدًا بحوادث الكرك وإربد والسلط وغيرها خلال العقد الأخير، اتسمت بوجود روابط مكانية واجتماعية شملت القرابة والصداقة والجوار، مؤكدًا أن فهم هذه الروابط ضروري لتحليل طبيعة الهجوم الأخير، وما إذا كان مرتبطًا بشبكة أوسع أم بمجموعة محدودة تجمع أفرادها أفكار متقاربة.
كما ميّز أبو هنية بين الارتباط التنظيمي المباشر بالجماعات الإرهابية وتبنّي الفكر التكفيري والأيديولوجيا المتطرفة، موضحًا أن وجود فكر متطرف لدى منفذي أي عملية لا يعني بالضرورة انتماءهم إلى تنظيم مركزي أو تلقيهم توجيهات منه، بل قد يُستخدم الفكر المتطرف لإضفاء غطاء أيديولوجي أو شرعي على العنف وتبريره.
وشدد أبو هنية على أن اختزال التطرف في الثقافة أو الدين يُعد اعتقادًا خاطئًا يتجاهل تداخل عوامل بنيوية واجتماعية وسياسية واقتصادية معقدة. وأضاف أن تنظيم "داعش" لا يمكن تفسيره بوصفه ظاهرة ثقافية، بل هو نتاج تفاعل هذه العوامل وتمددها في بيئات تتراجع فيها فرص المشاركة والاستقرار، وتتغذى على الإحباط والاضطراب الاجتماعي.
وربط أبو هنية تاريخ العنف والإرهاب في الأردن بتعقيدات الأمن الإقليمي وارتدادات الصراعات المجاورة، بدءًا من تداعيات الحرب في أفغانستان، والفوضى التي أعقبت الغزو الأميركي للعراق، والحرب في سوريا، وصولًا إلى الإبادة في قطاع غزة والتهجير في الضفة الغربية والتحولات السياسية ونفوذ الميليشيات في المنطقة. واعتبر أن استمرار هذه الأزمات والإخفاقات السياسية يوفر مناخًا تستغله التيارات المتطرفة لنشر أفكارها وإعادة بناء شبكاتها واستقطاب عناصر جديدة.
تقرير حقوقي يحذر من استقطاب الأحداث
وفي سياق متصل، كشف تقرير للمركز الوطني لحقوق الإنسان، وهو هيئة حقوقية أردنية معتمدة دوليًا، عن ارتفاع أعداد الأحداث المرتكبين لجرائم مصنفة إرهابية بموجب قانون منع الإرهاب الأردني، واستقطاب الجماعات الإرهابية لبعضهم بوسائل متعددة، في مقدمتها التكنولوجيا الحديثة وبعض الألعاب الإلكترونية.
ولم يتضمن التقرير الصادر مؤخرًا عن حالة حقوق الإنسان في البلاد لعام 2025 أرقامًا تفصيلية موثقة عن أعداد الأحداث الذين تقل أعمارهم عن 18 عامًا، لكنه أورد توصيات تتعلق بتعزيز الوقاية من الجرائم الإرهابية، ورفع وعي الأفراد، خصوصًا الأطفال، بمخاطر الجماعات المتطرفة وأساليب استقطابها.
استراتيجية مكافحة التطرف
من جانبه، قال أستاذ النظرية السياسية والباحث محمد أبو رمان، إن جريمة كنيسة حمود لا تقتصر خطورتها على عدد الضحايا وبشاعة القتل، بل تمتد إلى استهداف النسيج الوطني والثقة المتبادلة بين الأردنيين، مؤكدًا أن المسيحيين جزء أصيل من المجتمع الأردني، وأن مواجهة الإرهاب تبدأ بإفشال محاولاته تحويل الاختلاف الديني إلى مصدر للخوف والانقسام.
وأضاف أبو رمان في حديثه للموقع أن التراجع العسكري لتنظيم داعش لا يعني نهاية الفكر المتطرف، إذ قد يتراجع النشاط العلني للتنظيمات فيما تستمر الأفكار والشبكات الاجتماعية القادرة على إعادة إنتاج التطرف. وأشار إلى أن تحديد طبيعة العلاقة بين منفذي الهجوم وأي تنظيم يتطلب أدلة ونتائج تحقيق موثوقة.
وأوضح أبو رمان، أن التطرف لا يمكن تفسيره بعامل واحد أو حصره في فئة اجتماعية أو تعليمية محددة، لافتًا إلى الدور الذي تؤديه شبكات القرابة والمصاهرة والصداقة والجوار في نقل الأفكار المتشددة وتعزيزها، إلى جانب دور الإنترنت في الدعاية والتواصل.
وفيما يتعلق بالروابط العائلية، أشار أبو رمان إلى أن الدراسات التي تناولت التيار الجهادي في الأردن رصدت حالات امتد فيها الارتباط بهذا التيار من الآباء إلى الأبناء، وأحيانًا عبر ثلاثة أجيال، إلى جانب حالات بين الأشقاء والشقيقات والأحداث.
وأكد أن هذه الظاهرة لا تعني توريث التطرف بصورة حتمية، ولا تبرر وصم العائلات، التي قد تكون من أهم الجهات القادرة على حماية أبنائها ومساعدتهم على الخروج من دوائر التطرف. وبيّن أهمية تتبع تاريخ الخلايا ومسارات التأثير وعلاقات القرابة وتجارب السجن والاتصال بالخارج، لفهم كيفية استمرار الشبكات المتطرفة حتى بعد تغيير التنظيمات والقيادات.
مؤشرات اجتماعية وتعليمية متنوعة
وتطرق أبو رمان إلى دراستين سابقتين. الأولى، "سوسيولوجيا التطرف والإرهاب في الأردن"، التي اعتمدت قاعدة بيانات تضم 760 حالة، مع تفاوت المعلومات المتاحة عن المؤشرات ذات الصلة بجرائم الإرهاب، وأظهرت حضورًا للفئات الأقل تعليمًا والمتعطلين عن العمل، إلى جانب أصحاب الأعمال والمهنيين والمدرسين والموظفين. وهو ما يكشف عن تنوع اجتماعي لا ينسجم مع تفسير الظاهرة بعامل واحد.
أما الدراسة الأحدث، المتعلقة بالفترة 2017–2021، فأظهرت تحولًا مهمًا جديدا؛ بحسب أبو رمان، إذ أشارت إلى تنوع خصائص عينة أخرى أظهرت أن هناك نسبا لافتة سجلت بين جهاديين من الحاصلين على درجة البكالوريوس ضمن بيانات التعليم المتاحة، ونسب أقل بكثير متعلقة بالبطالة.
نحو استراتيجية متكاملة للوقاية من التطرف
ودعا أبو رمان هنا، إلى تطوير استراتيجية متكاملة لمكافحة التطرف تتجاوز الإجراءات الأمنية إلى الوقاية المبكرة والتأهيل داخل السجون وبعد الإفراج، مع قياس فاعلية البرامج وفق نتائجها الفعلية، لا عدد الأنشطة التي تنفذها.
وأكد أهمية التمييز بين مراحل التأثر بالفكر المتطرف، والتعاطف معه، والترويج له، والتجنيد والتخطيط للعنف، مشيرًا إلى أن اختلاف المسارات يستدعي تدخلات متباينة، خصوصًا في التعامل مع الأحداث والشباب في المراحل الأولى من الاستقطاب.
كما شدد على ضرورة ربط التأهيل داخل مراكز الإصلاح والتأهيل ببرامج متابعة ومساندة بعد الإفراج، وإشراك الأسر والجامعات ومؤسسات المجتمع في جهود الوقاية. واعتبر أن توفير مساحات حقيقية للشباب للحوار والمشاركة والعمل العام، إلى جانب تعزيز الأنشطة الثقافية والاجتماعية والتطوعية، يمكن أن يوسع خياراتهم الاجتماعية ويحد من قدرة الجماعات المتطرفة على احتكار علاقاتهم وتشكيل هوياتهم.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.