خطة ترمب الأمنية "الكبيرة والجميلة" تثير تحفظات أوروبية ومخاوف من التهميش

تُثير خطة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجديدة لإقامة ترتيبات أمنية على مستوى أوروبا بالتعاون مع روسيا تحفظات واسعة لدى العواصم الأوروبية، التي تخشى أن تؤدي المبادرة إلى تهميش حلفاء واشنطن، ومنح موسكو دوراً في رسم مستقبل الأمن الأوروبي، فيما تضغط الإدارة الأميركية على أوكرانيا لإحياء المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب الروسية.
وتأتي المبادرة في ظل التقارب بين ترمب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، بالتزامن مع مساعي الإدارة الأميركية لاستئناف المفاوضات التي تعثرت طويلاً بشأن الحرب في أوكرانيا، وسط تساؤلات أوروبية بشأن طبيعة الترتيبات الأمنية المقترحة، والأطراف التي ستشارك في صياغتها، وفق مجلة "بوليتيكو".
وأفادت المجلة في نسختها الأوروبية، بأنها أجرت مقابلات مع 12 شخصاً من دبلوماسيي حلف شمال الأطلسي "الناتو"، ومبعوثي الاتحاد الأوروبي، ومسؤولي الحكومات الأوروبية، طلبوا جميعاً عدم كشف هوياتهم. ونقلت عن ثلاثة دبلوماسيين في حلف الناتو أن الدول الأعضاء لم تُبلّغ مسبقاً بالخطة الأميركية، فيما لا يزال كثير من الحلفاء متشككين في جدواها.
وتحدث ترمب، مساء الخميس، عن اتفاق وصفه بأنه "كبير وجميل"، عقب اجتماعه مع المبعوث الرئيس الروسي كيريل دميترييف، مشيراً إلى أنه لن يقتصر على أوكرانيا، بل قد يشمل أوروبا بأكملها.
وأضاف صهره ومبعوثه جاريد كوشنر، أن الهدف هو وضع "ترتيبات عملية" تعالج المخاوف الأمنية لجميع الأطراف، وتحد من مخاطر اندلاع صراعات جديدة، وتوفر بيئة أمنية أكثر استقراراً وقدرة على التنبؤ.
وحدد كوشنر خمسة أهداف للمقترح، تشمل إجراء مشاورات أمنية دائمة، وتوفير قنوات موثوقة للتواصل خلال الأزمات، وتعزيز الشفافية العسكرية، واتخاذ تدابير متبادلة للحد من مخاطر التصعيد، فضلاً عن وضع إطار طويل الأمد للأمن والاستقرار في أوروبا.
أبرز بنود الخطة الأميركية بشأن الأمن الأوروبي
- إجراء مشاورات أمنية دائمة بين روسيا ودول الناتو والاتحاد الأوروبيين.
- توفير قنوات موثوقة للتواصل خلال الأزمات.
- تعزيز الشفافية العسكرية.
- اتخاذ تدابير متبادلة للحد من مخاطر التصعيد.
- وضع إطار طويل الأمد للأمن والاستقرار في أوروبا.
لكن هذه الأهداف لم تبدد الغموض المحيط بالمبادرة، إذ قال دبلوماسي في الناتو، إن "ما قصده كوشنر لا يزال غامضاً إلى حد ما"، مضيفاً أن "التوجه السائد في أوروبا يرى أن أي نقاش مع روسيا في الوقت الراهن بشأن مستقبل الترتيبات الأمنية قد تستغله موسكو لإضفاء شرعية على مواقفها، ولن يحظى بقبول الحلفاء الأوروبيين".
وأضاف مسؤول أوروبي رفيع: "من الناحية الحرفية، لا يوجد ما يستدعي الاعتراض، لكننا ندرك أن هناك أمراً آخر وراء هذه المبادرة".
تمسك أوروبي بدور الناتو والاتحاد
وفي رد على المقترح الأميركي، قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، الجمعة، إن أوروبا لديها بالفعل هيكل أمني قائم، يتمثل في حلف الناتو، والاتحاد الأوروبي، ولكل منهما دوره.
وشددت كالاس على ضرورة دمج أوكرانيا في هذا الهيكل الأمني، معتبرة أن المشكلة تكمن في استمرار روسيا في انتهاك المعاهدات التي يستند إليها، ومؤكدة أن بوتين لا يملك حق النقض على القرارات المتعلقة بأمن أوروبا.
وفي السياق نفسه، أطلع بيورن زايبرت، كبير مستشاري رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، سفراء الاتحاد الأوروبي على المستجدات، الجمعة، عقب مناقشات بشأن المبادرة بين مستشاري الأمن القومي للدول الأعضاء.
وقال دبلوماسي أوروبي إن هناك استعداداً للتفاعل مع الجهود الرامية إلى التوصل إلى تسوية، سواء في كييف أو بقية أنحاء أوروبا، وإن الاتحاد الأوروبي لا يعرقل هذه المساعي، لكنه أشار إلى أن الدائرة المحيطة بترمب قللت من أهمية الحرب بالنسبة إلى أوروبا، ومن خطورة أي نتيجة غير مواتية لأوكرانيا على أمن القارة.
من جانبه، قال مسؤول أوروبي رفيع معني بالأمن لـ"بوليتكو"، إن موقف بلاده وعدد من الدول الأخرى يتمثل منذ فترة طويلة في رفض مناقشة الهيكل الأمني الأوروبي في ظل استمرار حرب أوكرانيا، مشدداً على أنه لا يمكن إجراء مثل هذه المناقشات من دون مشاركة الأوروبيين.
وأكد الرئيس الليتواني جيتاناس ناوسيدا، الجمعة، ضرورة أن يكون لأوروبا مقعد على طاولة المفاوضات المتعلقة بالسلام في أوكرانيا ومستقبل الهيكل الأمني للقارة، وذلك عقب اجتماع للدول الثماني في منطقة الشمال الأوروبي ودول البلطيق.
الوجود العسكري الأميركي
تتزامن التحفظات الأوروبية مع تحركات دبلوماسية لإحياء مسار التسوية، إذ شهدت بروكسل، هذا الأسبوع، جولتين من الاجتماعات على مستوى الخبراء بشأن اتفاق محتمل للسلام في أوكرانيا، تمهيداً لمحادثات بوساطة أميركية بين أوكرانيا وروسيا في أبوظبي يومي 10 و11 نوفمبر الجاري.
ودعا رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، إلى التعامل بواقعية وحذر مع المفاوضات، مشدداً على ضرورة التحقق من النوايا الحقيقية لروسيا، ومشيراً إلى أن بوتين قد تكون لديه حوافز أقل للتوصل إلى اتفاق خلال فصل الشتاء.
وقال المتحدث باسم المستشار الألماني فريدريش ميرتس، شتيفان كورنيليوس، إن شعوراً جديداً بالإلحاح برز بشأن المفاوضات عقب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأميركي هذا الأسبوع، مضيفاً أن الملف سيُطرح مجدداً خلال اجتماع غير رسمي لقادة الاتحاد الأوروبي في دبلن، الأسبوع المقبل.
وكان من المقرر أن يركز الاجتماع على الذكاء الاصطناعي، لكن التطورات المتعلقة بأوكرانيا قد تطغى على جدول أعماله، في ظل تسارع التحركات الدبلوماسية.
ولا تقتصر المخاوف الأوروبية على مضمون المبادرة الأميركية، إذ تخشى بعض الدول أن تربط واشنطن خطتها بمراجعة مرتقبة لانتشار قواتها في أوروبا، يُتوقع إجراؤها في ديسمبر.
وقال دبلوماسي في الناتو، إن هذه المسألة تمثل جوهر المخاوف الأوروبية، موضحاً أن مناقشة مستقبل الأمن الأوروبي في ظل الوجود العسكري الأميركي المعتاد تختلف تماماً عن مناقشته في ظل ترتيبات عسكرية أميركية مستقبلية لم تتضح ملامحها بعد.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.