الصحراء المغربية... الأمم المتحدة تنتقل من إدارة النزاع إلى حله
قبل سنة قلنا بكل وضوح أن قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 2797 الخاص بقضية الصحراء المغربية يشكل تحولاً تاريخياً، ليس في ما يتعلق بالنزاع في ذاته وحسب، بل أساساً في منظور الأمم المتحدة لمبدأ تقرير المصير، الذي أُريد له طوال خمسين سنة أن يكون مجرد شعار إيديولوجي يخالف الأسس التي قام عليها، وهي أساساً ألا يكون في تناقض مع مبدأ أكبر: وهو حق الدول في الحفاظ على وحدتها الترابية.
ويا للمفارقة، فإن الذين رفعوا طويلاً شعار "تقرير المصير"، هم أنفسهم من دافعوا عن بقاء الحدود الموروثة عن الاستعمار، التي مزقت البنى القبلية والعرقية، خصوصاً في إفريقيا كبنيات اجتماعية وسياسية ما قبل الدولة في إطار توزيع المستعمرات بين القوى الكبرى، وقامت بحرمان ملايين الأفارقة حقهم في تقرير المصير...
هذا الواقع التاريخي، يمثل وجهاً مشوهاً لنشأة الدولة في إفريقيا، والتي تعدّ سبباً مباشراً في عدم استقرار عدد كبير منها إلى اليوم، خصوصاً في ظل ضعف الممارسة الديموقراطية والمواطنة الدستورية في بعدها الإجرائي، والتي استطاعت في دول الغرب أن تتجاوز الاختلافات اللغوية والعرقية والدينية والمناطقية، مؤسسة لقواعد عيش مشترك تتيح لجميع المواطنين التمتع بالحقوق نفسها وبالواجبات نفسها، مع حق الجميع في الحفاظ على خصوصيات لا تتناقض مع الدولة الموحدة.
لهذا كان قرار مجلس الأمن 2797 قبل سنة، يؤسّس بجرأة كبيرة لمفهوم جديد لتقرير المصير، من خلال الانتصار للسردية المغربية المنتجة في التاريخ، والتي تعتبر الحكم الذاتي شكلاً من أشكال تقرير المصير، وتطهير هذا الأخير في شكله الخارجي، من شبهة تقسيم الدول والعبث بوحدتها الترابية والوطنية، بما يشكله ذلك من تهديد للسلم والأمن الدوليين.
وضوح قرار مجلس الأمن الرقم 2797، وعدم معارضته من أي دولة عضو، وبعد إقرار الجزائر - بصفتها طرفاً أساسياً في النزاع المفتعل - أن القرار لا يخدم مصالحها ومصالح البوليساريو، لم يمنعها ذلك من العودة، بعد امتصاص الصدمة إلى ممارسة لعبتها المفضلة مدى سنة كاملة: إنكار الواقع وتحريفه. وهي ممارسة متجذرة في سلوكها السياسي والديبلوماسي، خصوصاً أن جزءاً واسعاً من نخبتها الحاكمة لا يزال حبيس تفكير الحرب الباردة وقاموسها. هذا الإنكار هو ما يجعلها دائماً في صدام مع واقع تفتقد أدوات قياسه وتحليله، ما تسبب لها بعزلة إقليمية ودولية متصاعدة.
اليوم بعد مرور سنة كاملة على صدور القرار التاريخي لمجلس الأمن، وبعد تسريب ثلاث وثائق مرتبطة بقرار مجلس الأمن نهاية الشهر، وهي مسودة تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، وتقرير المبعوث الشخصي للأمين العام دي ميستورا الذي قدمه أمام أعضاء مجلس الأمن، ومسودتا القرار الأممي الذي وزعته الولايات المتحدة الأميركية باعتبارها حاملة القلم، يظهر بشكل واضح لا يقبل الجدل، أن الأمم المتحدة، لأول مرة منذ خمسين سنة، تنتقل فعلياً من منطق إدارة النزاع إلى حل النزاع، ويظهر ذلك من خلال انتقالها من اللغة والقرارات العامة المطاطية التي تسع طموحات جميع أطراف النزاع وأهدافهم وتضيق بنفسها، بحيث تصبح هي والعدم سواء، ولعل الصيغة التي تدير بها اللجنة الرابعة هذا النزاع المفتعل، تعبر بالدليل على أن بعض الآليات الأممية متجاوزة ولم يعد لها أي قيمة تذكر، المستفيد الوحيد منها هو بيروقراطية الأمم المتحدة.
الوثائق الثلاث المشار إليها تعد بتحول جذري ونهائي للنزاع المفتعل في الصحراء المغربية (من المفترض أن يكون مجلس الأمن قد أصدر أمس قراراً جديداً) يقوم أساساً على: لا حل ولا تفاوض خارج الحكم الذاتي المغربي، لا نقاش في موضوع سيادة المغرب على الصحراء، انعكاس كل ذلك على بعثة المينورسو سواء من حيث التسمية أو من حيث ولايتها، وهو ما طالبنا به منذ مدة طويلة، إذ لا يعقل أن يسقط مجلس الأمن في تناقضات يحملها القرار نفسه، من جهة اعتبار الحكم الذاتي الحل الوحيد الممكن، ومن جهة أخرى التمديد الروتيني لبعثة دولية أحدثت في سياق آخر يتعلق بمسلسل التسوية بداية التسعينات وفي صلبه تنظيم الاستفتاء، علماً أن مجلس الأمن نفسه أقر منذ سنة 2004 باستحالة تنظيم الاستفتاء بناء على تحديد قبلي لهوية الكتلة الناخبة، وهو ما لم يتحقق في أي تجربة أخرى في العالم.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.