الصين ترفض "التهويل" بشأن الذكاء الاصطناعي بعد دعوات أميركية لإبطاء التطوير

رفضت الصين دعوات أطلقها مسؤولون تنفيذيون بارزون في قطاع التكنولوجيا الأميركي لإبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي وفرض قيود أكثر صرامة على مطوري النماذج الصينيين، معتبرة أن "التهويل" والمواجهة والمنافسة الشرسة لن تخدم أحداً، وفق ما أوردت "بلومبرغ".
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية قوه جياكون، خلال مؤتمر صحافي دوري في بكين، الاثنين: "التهويل والمواجهة والمنافسة الشرسة لن تؤدي إلا إلى تعطيل عملية الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي، ولن تخدم مصالح أي طرف".
ورداً على سؤال بشأن الدعوات إلى إبطاء تطوير النماذج المتقدمة والمخاوف من أن التفوق الصيني في الذكاء الاصطناعي قد "يشكّل خطراً جسيماً" على العالم، أوضح أن "تطوير الذكاء الاصطناعي يؤثر في الرفاه المشترك للبشرية جمعاء".
دعوات أميركية لإبطاء التطوير
جاء الموقف الصيني بعدما دعا الرئيس التنفيذي لشركة "أنثروبيك" (Anthropic) داريو أمودي، خلال عطلة نهاية الأسبوع، الشركات إلى إبطاء وتيرة تطوير قدرات الذكاء الاصطناعي، وهي دعوة حظيت بدعم الرئيس التنفيذي لـ"أوبن إيه آي" (OpenAI) سام ألتمان، والرئيس التنفيذي لـ"سبيس إكس" (SpaceX) إيلون ماسك.
ودعا أمودي، في مقال، إلى ضرورة أن تحافظ الديمقراطيات على ريادتها "بأكبر قدر ممكن" في مجال الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تشديد القيود على مبيعات الرقائق المتقدمة إلى الصين، واتخاذ إجراءات صارمة ضد استخدام مخرجات النماذج الأميركية لتدريب أنظمة منافسة، في ممارسة تُعرف باسم "التقطير".
ويتزايد الخلاف بشأن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي المتقدمة قبل أيام من مباحثات مرتقبة بين مسؤولين من الولايات المتحدة والصين بشأن الذكاء الاصطناعي، استعداداً لقمة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جين بينج، المقررة في 24 سبتمبر الجاري.
وأشارت "بلومبرغ" إلى أن الخلاف يكشف أن اتفاق واشنطن وبكين على المخاطر التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، مثل الهجمات الإلكترونية والمعلومات المضللة واحتمال فقدان السيطرة على الأنظمة المتقدمة، قد لا يكون كافياً لتجاوز خلافاتهما والتوصل إلى اتفاق.
وقال سون تشنجهاو، الباحث في مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية بجامعة تسينجهوا في بكين، إن الصين تخشى أن تستغل الولايات المتحدة اعتبارات السلامة أو الأمن القومي لـ"تبرير فرض قيود أوسع".
وأضاف سون، الذي ناقش قضايا الذكاء الاصطناعي مع نظراء أميركيين، أن "الحد الفاصل بين سلامة الذكاء الاصطناعي والمنافسة في هذا المجال يزداد ضبابية"، لافتاً إلى أنه "إذا أصبحت كل مسألة تتعلق بالسلامة تُفسَّر من منظور المنافسة الاستراتيجية، فسيكون من الصعب إجراء حوار هادف".
مخاوف صينية
وفي إطار الاستعداد للقمة، أبدى مسؤولون في "الحزب الشيوعي الصيني" بدورهم مخاوف بشأن التطور السريع للذكاء الاصطناعي. وذكرت "بلومبرغ" أن تشن يي شين، أحد كبار مسؤولي الاستخبارات في بكين، نشر خلال عطلة نهاية الأسبوع مقالاً مفصّلاً تناول مخاوف الصين، مع التركيز على أمن النظام.
وقال تشن في المقال إن إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي من جانب خصوم الصين يمكن أن تهدد أمنها السياسي والأيديولوجي، فضلاً عن بنيتها التحتية الحيوية.
وفي السياق ذاته، أصدرت هيئة تنظيم الفضاء الإلكتروني الصينية، الاثنين، إطاراً محدثاً لحوكمة سلامة الذكاء الاصطناعي للتعامل مع المخاطر الناشئة مع تطور هذه التكنولوجيا.
وحذّر الإطار من أن الذكاء الاصطناعي يجعل الهجمات الإلكترونية أكثر تطوراً وقابلية للتوسع، داعياً إلى توخي الحذر من احتمال أن تتجاوز سرعة التطور التكنولوجي قدرة البشر على توقع مساره والسيطرة عليه.
بكين لا تعتزم إبطاء السباق
وترى "بلومبرغ" أن رد وزارة الخارجية الصينية يشير إلى أن بكين وقطاع الذكاء الاصطناعي في البلاد سيواصلان اتباع مسارهما الخاص.
وعلى خلاف بعض نظرائهم الأميركيين، امتنع كبار المسؤولين التنفيذيين في قطاع الذكاء الاصطناعي الصيني، إلى حد كبير، عن الدعوة إلى إبطاء وتيرة التطوير باعتبار ذلك إجراءً وقائياً، فيما تواصل الحكومة الترويج للتكنولوجيا باعتبارها محركاً للنمو الاقتصادي والقوة الوطنية.
وأعلن شي جين بينج وكبار مساعديه أن الذكاء الاصطناعي الصيني يتصدر اقتصاد البلاد، مشيدين برواد أعمال من بينهم مؤسس "ديب سيك" (DeepSeek) ليانج ون فنج، والتقدم الذي تحرزه شركات مثل "هواوي" (Huawei) و"مونشوت إيه آي" (Moonshot AI).
وأشارت "بلومبرغ" إلى أن الوتيرة المتسارعة لتطوير الذكاء الاصطناعي في الصين تظهر في الإصدارات والترقيات شبه الأسبوعية للنماذج، وربما بصورة أوضح في سرعة جمع الشركات للتمويل.
وبحسب "بلومبرغ"، ينصب تركيز رواد الأعمال والمهندسين في قطاع الذكاء الاصطناعي، في أحاديثهم الخاصة، بدرجة أكبر على ضرورة مواكبة المنافسين، بل والتفوق عليهم، في تطوير النماذج، إلى جانب السعي إلى الهدف النهائي المتمثل في الوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام، بدلاً من التركيز على مخاطر خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة.
وينبع ذلك الدافع الشامل من حقيقة أن الذكاء الاصطناعي الصيني لا يزال متأخراً عن أفضل النماذج الغربية، رغم تضييق الفجوة.
وقال جورج تشن، الشريك في The Asia Group، إن "بكين تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره فرصة لا تتكرر إلا مرة واحدة في العمر لإعادة تشكيل التوازن التكنولوجي مع واشنطن، ومن غير المرجح أن تبطئ وتيرتها طوعاً".
تحذيرات أميركية
وفي مقاله، ذهب الرئيس التنفيذي لشركة "أنثروبيك" إلى أن المخاطر تتجاوز المنافسة الاقتصادية، مكرراً ما سبق أن قاله وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت من أن تفوّق الصين في الذكاء الاصطناعي سيشكّل تهديداً للولايات المتحدة والعالم.
وكتب أمودي أن الصين يمكن أن تستخدم تفوقها في الذكاء الاصطناعي لتحقيق ميزة عسكرية على الدول الديمقراطية، بما في ذلك من خلال الطائرات المسيّرة ذاتية التشغيل أو المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
كما دعا إلى التعاون مع الصين في نهاية المطاف بشأن ضبط وتيرة التطوير عالمياً، لكنه قال إن أي اتفاق من هذا النوع سيتطلب "آليات تحقق صارمة وموثوقة".
وتكشف هذه التحذيرات، بحسب "بلومبرغ"، عن قواسم مشتركة بين الجانبين، إلى جانب اتساع هوة الخلاف بينهما. فالقادة الأميركيون في قطاع التكنولوجيا والمسؤولون الصينيون يتفقون على أن النماذج متزايدة القوة تحتاج إلى رقابة، لكنهم يختلفون بشدة بشأن كيفية تعريف هذه المخاطر والجهة التي ينبغي أن تضع القواعد المنظمة لها.
وفي مقاله، دعا تشن إلى زيادة الأبحاث المتعلقة بالرقائق المتقدمة وتسريع بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، مع حثه في الوقت نفسه على تشديد الرقابة.
قيود الرقائق تعقّد السباق
ولا تزال القيود الأميركية على التصدير تمثّل عائقاً رئيسياً أمام الصين، إذ تعمل "هواوي" وشركات صينية أخرى على تطوير أجهزة أكثر قوة، لكن القيود المفروضة على الرقائق المتقدمة تعقّد جهود "ديب سيك" و"تينسنت هولدينجز" (Tencent Holdings) وغيرهما من المطورين لبناء مجموعات الحوسبة الضخمة اللازمة لتدريب النماذج المتقدمة وتشغيلها بكفاءة.
وتجعل تلك القيود مسألة ضبط وتيرة التطوير أكثر حساسية، إذ قد يرى المسؤولون الصينيون أن الدعوات إلى إبطاء التطوير تهدف إلى ترسيخ التفوق الأميركي القائم، في حين من غير المرجح أن تقبل واشنطن فرض قيود على التطوير ما لم تتوفر آليات موثوقة للتحقق من امتثال الصين لها.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.