الإفراط في وصف التستوستيرون للرجال.. تحذير من مضاعفات طويلة الأمد

حذر خبراء بريطانيون من أن التوسع السريع في وصف هرمون التستوستيرون عبر العيادات الخاصة والمنصات الطبية الإلكترونية قد يؤدي إلى إخضاع رجال لا يعانون نقصاً هرمونياً لعلاجات غير ضرورية، وسط مخاوف من مضاعفات صحية طويلة الأمد وزيادة الضغوط على النظام الصحي الحكومي في بريطانيا.
وقال الباحثان ستيفن أتكين وإريك كيلباتريك في دراسة تحليلية نشرتها المجلة الطبية البريطانية BMJ إن الانتشار المتزايد لخدمات العلاج بالتستوستيرون يهدد بتوسيع استخدام الهرمون ليشمل رجالاً يعانون أعراضاً عامة، مثل التعب وضعف الرغبة الجنسية وتراجع النشاط، دون وجود أدلة طبية كافية على حاجتهم إلى العلاج.
وأوضح الباحثان أن بعض هذه الأعراض قد يرتبط بالتقدم الطبيعي في العمر أو بمشكلات صحية أخرى، مما يجعل الاعتماد عليها وحدها لتشخيص نقص التستوستيرون أمراً غير كافٍ، خصوصاً عندما تكون نتائج التحاليل قريبة من الحدود الطبيعية.
ويعد التستوستيرون الهرمون الجنسي الرئيسي لدى الرجال، ويلعب دوراً في تنظيم الرغبة الجنسية والحفاظ على الكتلة العضلية وكثافة العظام وإنتاج الحيوانات المنوية. وتنخفض مستوياته تدريجياً لدى كثير من الرجال مع التقدم في العمر، لكن هذا الانخفاض لا يعني بالضرورة وجود حالة مرضية تستدعي التعويض الهرموني.
وأشار الباحثان إلى أن علاج نقص التستوستيرون يمثل تدخلاً طبياً فعالاً للمرضى الذين يعانون نقصاً مثبتاً مصحوباً بأعراض مناسبة، إلا أن استخدامه لدى أشخاص لا تتوافر لديهم معايير التشخيص الواضحة يثير تساؤلات بشأن الفوائد المتوقعة والمخاطر المحتملة على المدى الطويل.
وتأتي هذه التحذيرات في ظل نمو كبير لسوق العلاج الهرموني في المملكة المتحدة، إذ بلغت قيمة سوق بدائل التستوستيرون نحو 205 ملايين دولار في عام 2024، مع توقعات بارتفاعها إلى 365 مليون دولار بحلول عام 2032.
غياب بيانات القطاع الخاص
وتظهر بيانات هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية زيادة بنسبة 52% في صرف مستحضرات التستوستيرون من خلال الصيدليات المجتمعية بين السنتين الماليتين 2020-2021 و2024-2025، في مؤشر على تنامي استخدام العلاج الهرموني.
كما ارتفع استخدام جل التستوستيرون بين النساء البالغات 50 عاماً فأكثر في إنجلترا بنحو 10 أضعاف بين عامي 2015 و2022، وهو اتجاه يثير بدوره تساؤلات بشأن اتساع نطاق وصف الهرمون، خصوصاً خارج الاستخدامات المسجلة رسمياً.
لكن الباحثين أوضحا أن هذه البيانات لا تشمل الوصفات الطبية الصادرة عن القطاع الخاص، نظراً لعدم وجود نظام وطني شامل لتسجيلها، وهو ما يجعل الحجم الحقيقي لسوق التستوستيرون الخاص في بريطانيا غير معروف.
ورغم غياب الأرقام الدقيقة، تشير مؤشرات متعددة إلى التوسع السريع في هذا القطاع، من بينها تزايد أعداد العيادات الخاصة والمنصات الإلكترونية، وانتشار الإعلانات عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمؤثرين واللوحات الإعلانية في الأماكن العامة.
وتقدم بعض هذه الشركات العلاج من خلال اشتراكات شهرية تتراوح بين 100 و375 جنيه إسترليني، تشمل الاستشارات الطبية عن بعد والفحوص الدورية وتوصيل الأدوية إلى المنازل، مما يحول العلاج الهرموني إلى خدمة تجارية مستمرة.
ويرى الباحثان أن هذا النموذج قد يشجع على بدء العلاج بسرعة، رغم أن تشخيص نقص التستوستيرون يتطلب تقييماً طبياً دقيقاً وإجراء تحاليل متكررة، إلى جانب البحث عن الأسباب الأخرى المحتملة للأعراض التي يشكو منها المريض.
وتشير التقديرات التي استندت إليها الدراسة إلى أن ما يصل إلى 20% من الرجال فوق سن الـ50 قد يبلغون عن أعراض يمكن ربطها بنقص التستوستيرون، في حين يحصل أقل من 1% منهم على العلاج عبر النظام الصحي الحكومي البريطاني.
غير أن وجود هذه الأعراض لا يعني أن جميع هؤلاء الرجال يحتاجون إلى التستوستيرون، إذ قد تنشأ الشكاوى نفسها نتيجة اضطرابات النوم أو السمنة أو الاكتئاب أو أمراض مزمنة أو عوامل أخرى تتطلب تدخلات علاجية مختلفة.
وحذر الباحثان من أن نماذج الاشتراك التجاري التي تعتمد على تسويق الأعراض العامة وتوفير الوصول السريع للعلاج قد لا تكون مناسبة للتعامل مع تعقيدات التشخيص، مما يزيد احتمالات بدء علاج طويل الأمد دون ضرورة طبية واضحة.
مضاعفات محتملة
وأضافا أن الإرشادات الصادرة عن الجمعيات الطبية المتخصصة تختلف في الحدود المخبرية المستخدمة لتشخيص نقص التستوستيرون، وهو ما قد يؤدي إلى اختلاف القرارات العلاجية بين العيادات الخاصة وأطباء الخدمات الصحية الحكومية.
وقد يجد أطباء النظام الصحي البريطاني أنفسهم أمام مرضى بدأوا بالفعل استخدام الهرمون وفق معايير أقل تشدداً في القطاع الخاص، رغم أنهم لا يستوفون بالضرورة الشروط التي يعتمدها الأطباء في المؤسسات الحكومية لبدء العلاج.
وتثير هذه الحالات تحديات إضافية، لأن العلاج بالتستوستيرون قد يتطلب متابعة مستمرة لمستويات الهرمون ومؤشرات الدم والحالة الصحية العامة، إلى جانب تقييم الآثار الجانبية المحتملة ومدى استمرار الحاجة إلى العلاج.
ولفت الباحثان إلى أن المخاطر الصحية التي تستدعي الانتباه تشمل مضاعفات محتملة تتعلق بالقلب والكلى، مما يجعل المتابعة الطبية طويلة الأمد جزءاً أساسياً من الاستخدام الآمن للعلاج، خاصة لدى المرضى الذين يعانون أمراضاً مصاحبة.
ولا تعني هذه التحذيرات أن العلاج بالتستوستيرون يسبب بالضرورة أمراض القلب أو الكلى لدى جميع مستخدميه، إذ تختلف المخاطر باختلاف الحالة الصحية والجرعات ومدة العلاج. لكن غياب التشخيص السليم والمتابعة المنتظمة قد يزيد احتمالات حدوث مشكلات صحية أو تأخر اكتشافها.
وامتدت المخاوف إلى وصف التستوستيرون للنساء عبر العيادات الخاصة، خصوصاً لعلاج انخفاض الرغبة الجنسية المرتبط بانقطاع الطمث، عندما يجري استخدام مستحضرات خارج نطاق الترخيص الرسمي المعتمد لها.
وأوضحت الدراسة أن القواعد البريطانية تجعل الطبيب في القطاع الخاص الذي يبدأ العلاج مسؤولاً عن متابعة المريض، ما لم يوافق طبيب تابع للنظام الصحي الحكومي رسمياً على ترتيبات لتقاسم الرعاية.
لكن الواقع قد يكون أكثر تعقيداً، إذ يمكن للمرضى الذين بدأوا العلاج في عيادات خاصة العودة لاحقاً إلى أطبائهم الحكوميين لإجراء التحاليل أو الحصول على المشورة أو التعامل مع الآثار الجانبية، دون وجود اتفاق رسمي ينظم انتقال المسؤولية الطبية.
ويعني ذلك أن النظام الصحي الحكومي قد يتحمل جزءاً متزايداً من أعباء متابعة العلاجات التي بدأت لأسباب تجارية، أو وفق معايير تختلف عن المعايير المعتمدة لديه، في وقت يواجه فيه بالفعل ضغوطاً تتعلق بالتمويل والموارد الطبية.
حجم الظاهرة
ودعا الباحثان إلى إنشاء نظام وطني للإبلاغ عن وصفات التستوستيرون الصادرة عن العيادات الخاصة والصيدليات التي تصرفها، بما يتيح معرفة أعداد المرضى وأسباب وصف العلاج وطبيعة المتابعة الطبية وحالات انتقال الرعاية إلى القطاع الحكومي.
وقالا إن توفير هذه المعلومات سيساعد على تحديد حجم الظاهرة بصورة أكثر دقة، وتقييم مدى التزام مقدمي الخدمات الخاصة بالإرشادات الطبية المبنية على الأدلة، بدلاً من الاعتماد على مؤشرات السوق والإعلانات التجارية لتقدير انتشار العلاج.
وشددا على أن الهدف ليس تقييد وصول المرضى الذين يحتاجون بالفعل إلى التستوستيرون، وإنما منع التوسع غير المبرر في استخدامه، وضمان حصول جميع المرضى على تقييم مناسب ومتابعة طبية مستمرة.
وتؤكد الدراسة الذي تمثل تحليلاً وتحذيراً من خبيرين وليست تجربة سريرية جديدة، أن غياب البيانات الوطنية عن الوصفات الخاصة يحول دون تحديد حجم الإفراط في العلاج بصورة قاطعة، لكنه يكشف فجوة تنظيمية تستدعي المعالجة قبل اتساع السوق بصورة أكبر.
وخلص الباحثان إلى أن تحقيق الشفافية في وصف التستوستيرون ومراقبة استخدامه يمكن أن يساعد في حماية المرضى من العلاج غير الضروري، مع الحفاظ على إمكانية حصول المصابين بنقص هرموني مثبت على علاج فعال وآمن، دون تحميل النظام الصحي الحكومي أعباء إضافية غير منظمة.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.