"الردع المتقدم".. خطة فرنسا لتوسيع مظلتها النووية في أوروبا

تعمل فرنسا بالتعاون مع حلفائها الأوروبيين على تعزيز دورها كقوةً نووية وتوسيع نطاق هذا الدور، في مسعى لتقوية الردع في مواجهة الهجمات الروسية، وسط تراجع ثقة أوروبا في الضمانات الأمنية الأميركية، حسبما نقلت "وول ستريت جورنال" .
وتتضمن الخطة، التي أطلق عليها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اسم "الردع النووي المتقدم"، نشر مقاتلات "رافال" قادرة على حمل أسلحة نووية في أنحاء أوروبا، وإنشاء بنية تحتية جديدة، وتطوير قنوات الاتصالات والإنذار المبكر وتبادل المعلومات الاستخباراتية مع الدول الحليفة.
وقال كزافييه شاتيل، مستشار ماكرون للشؤون الاستراتيجية، خلال مؤتمر أمني عُقد مؤخراً في وارسو: "ما يوفره هذا المشروع هو تعقيد جديد أمام الخصم، إذ يضيف طبقة أخرى يتعين على الروس فهمها وتقديرها".
وأضاف أن المشروع يمنح فرنسا "خيارات جديدة لنشر قواتها النووية في حال حدوث تصعيد نووي".
وانضمت 10 دول أوروبية، بينها بريطانيا وألمانيا وبولندا ودول الشمال الأوروبي، إلى المبادرة الفرنسية بدرجات متفاوتة من المشاركة، منذ إعلان ماكرون عنها للمرة الأولى.
ويقول مسؤولون أوروبيون إن منظومة الاتصالات الآمنة والإنذار المبكر وتبادل المعلومات الاستخباراتية التي يجري العمل على إنشائها يمكن أن تسهم أيضاً في الدفاع التقليدي، إذا أخفقت الولايات المتحدة في حماية حلفائها في حلف الناتو.
وقال وزير الخارجية النرويجي، إسبن بارث إيدي: "نعيش فترة أكثر توتراً من الناحية الجيوسياسية، وفرنسا تمتلك هذه القدرة الاستراتيجية".
وأضاف أن الخطة الفرنسية "لا تحل محل أي شيء، بل تكمل الضمانات النووية التي يوفرها بالفعل المظلة النووية الأميركية".
العقيدة النووية الفرنسية
وتنص العقيدة النووية الفرنسية على إمكانية استخدام الأسلحة النووية عندما تتعرض "المصالح الحيوية" للبلاد للخطر. وفي الخطاب الذي أعلن فيه السياسة الجديدة في مارس، أكد ماكرون أن هذه المصالح لا تتوقف عند حدود فرنسا، بل لها بُعد أوروبي أيضاً.
وقال ماكرون: "هل يمكننا أن نتصور أن بقاء أقرب شركائنا قد يصبح مهدداً من دون أن يؤثر ذلك في مصالحنا الحيوية؟".
وأشار ماكرون أيضاً إلى أن فرنسا، التي يُعتقد أنها تمتلك نحو 290 رأساً نووياً عاملاً، وهو عدد أقل بكثير من الترسانتين الأميركية والروسية، ستستأنف تصنيع أجهزة نووية للمرة الأولى منذ عقود، ولن تكشف بعد الآن عن حجم مخزونها النووي.
وتتعمد باريس إبقاء النطاق الجغرافي الدقيق لما تسميه "مصالحها الحيوية" غامضاً، ولم تقدم قط ضماناً صريحاً لحلفائها. لكن الدول التي دعتها إلى المشاركة في منظومتها النووية تقدم بعض المؤشرات على نطاق هذه المصالح.
وتضم القائمة الحالية بريطانيا وألمانيا وهولندا وبلجيكا وبولندا واليونان وفنلندا والنرويج والسويد والدنمارك. ولا تشمل الدول الثلاث المطلة على بحر البلطيق، وهي الأكثر عرضة للتهديد الروسي، فيما رفضت إيطاليا الانضمام إلى المبادرة.
وقال الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب: "ليست لدينا خطط لنشر أسلحة نووية على الأراضي الفنلندية في وقت السلم، لكن لدينا خططاً لخلق معضلة استراتيجية لروسيا".
وأضاف: "رأينا أن الحصول على المعلومات والمشاركة في هذه المبادرة سيكون مفيداً لأمننا. ولا نعرف إلى أين ستصل الأمور، فالأمر على الأرجح عملية تستغرق من 10 إلى 15 عاماً".
شكوك بشأن المظلة الأميركية
وطورت فرنسا قواتها النووية المستقلة بالكامل عن حلف شمال الأطلسي في عهد الرئيس شارل ديجول خلال ستينيات القرن الماضي. ولا تشارك باريس في مجموعة التخطيط النووي التابعة للحلف، التي تجمع الولايات المتحدة وبريطانيا، القوة النووية الأخرى في أوروبا، وبقية أعضاء التحالف.
وتدير الولايات المتحدة برنامجاً منفصلاً للمشاركة النووية مع عدد من الدول الأوروبية، يشمل نشر أسلحة نووية تكتيكية على طائرات حليفة، على أن يتطلب استخدامها موافقة مزدوجة من الدولة المعنية وواشنطن. أما الردع النووي البريطاني، فعلى خلاف الفرنسي، فيعتمد على منصات مصنوعة في الولايات المتحدة ويخضع لقيادة الناتو.
وليس التشكيك في استعداد الولايات المتحدة للمخاطرة بحرب نووية دفاعاً عن أحد حلفائها أمراً جديداً. فقد كان هذا أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت ديجول إلى السعي لبناء قوة ردع مستقلة، بعدما لم يتلق رداً من الرئيس الأميركي جون كينيدي في عام 1961 عندما سأله عما إذا كان مستعداً للتضحية بنيويورك لإنقاذ باريس.
لكن هذه الشكوك تصاعدت في ظل تقارب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، وإبرام صفقات في مجال الطاقة، وممارسة ضغوط على أوكرانيا.
ويرى مسؤولون فرنسيون أن "الردع النووي الفرنسي أكثر مصداقية، لأن أمن الحلفاء الأوروبيين يرتبط بفرنسا بصورة مباشرة أكثر مما يرتبط بالولايات المتحدة".
وقال شاتيل، مستشار ماكرون، خلال مؤتمر وارسو الأمني: "هناك اختلاف واحد بين فرنسا والولايات المتحدة، هو أننا نتشارك الجغرافيا نفسها، وننتمي إلى القارة ذاتها، وتربطنا بجيراننا، على نطاق واسع، استمرارية اقتصادية واجتماعية".
لكن ذلك لا يعني أن جيران فرنسا سيشاركون في اتخاذ القرار بشأن استخدام الأسلحة النووية. وقال وزير في حكومة إحدى الدول الأوروبية المشاركة في المشروع، ساخراً: "سيتيح الفرنسيون لنا المشاركة في ردعهم النووي بالقدر نفسه الذي يتيحه الأميركيون".
ويُعد احتفاظ فرنسا بالسيطرة الكاملة على قواتها النووية جزءاً من مسعى متعمد لجعل استراتيجية "الردع المتقدم" مقبولة لدى مختلف أطياف المشهد السياسي الفرنسي، بما في ذلك حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبان، التي تتقدم، وفق استطلاعات الرأي، في السباق الرئاسي المقرر الربيع المقبل.
وأبدى حزب لوبان تأييداً ضمنياً للمبادرة، لكن محللين يحذرون من أن وصولها إلى الرئاسة قد يقوض جاذبية المشروع لدى الدول الأوروبية، بالنظر إلى علاقاتها الودية السابقة مع بوتين، وتشكيك حزبها عموماً في الالتزامات الأوروبية المشتركة.
وقال برونو تيرتريه، الخبير الفرنسي في السياسة النووية ونائب مدير مؤسسة البحوث الاستراتيجية في باريس لـ"وول ستريت جورنال": "المشكلة هي أن وصول رئيس من حزب التجمع الوطني سيؤدي إلى فقدان المصداقية على صعيدي ردع روسيا وطمأنة الحلفاء".
واتفق مسؤول دفاعي أوروبي رفيع في إحدى الدول الشريكة مع هذا التقييم، قائلاً إن أهداف الشراكة مع فرنسا وتركيزها ونطاقها ستخضع لمراجعة جديدة في باريس وبين الحلفاء إذا وصلت لوبان إلى السلطة.
وحتى الآن، أنشأت فرنسا 10 مجموعات توجيه منفصلة مع شركائها في مبادرة "الردع المتقدم"، وتجري محادثات ثنائية وفق نظام يربط باريس بكل دولة على حدة، بدلاً من جمع الدول المشاركة في إطار نادٍ نووي موحد.
وقال فيبين نارانج، أستاذ الأمن النووي والعلوم السياسية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، الذي أشرف على السياسة النووية في وزارة الدفاع الأميركية خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن: "هل هذا أفضل من لا شيء؟ على الأرجح. لكنه ليس بديلاً عن الردع الأميركي الموسع، ولا ينبغي النظر إليه على هذا الأساس. والفرنسيون واضحون جداً في هذا الشأن أيضاً".
وأضاف: "يؤلمني، بصفتي مسؤولاً أميركياً سابقاً، أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها ذلك ضرورياً، لكن الفرنسيين قطعوا شوطاً طويلاً".
قدرات فرنسا النووية
ورغم امتلاك الولايات المتحدة ترسانة نووية استراتيجية أكبر بكثير، يسود الاعتقاد في باريس وعواصم أوروبية أخرى بأن القدرات النووية الاستراتيجية الأميركية مخصصة لحماية الأراضي الأميركية، وأن المظلة النووية الفعلية التي تحمي أوروبا لا تتجاوز، في أفضل الأحوال، القنابل المشمولة ببرنامج المشاركة النووية التابع للناتو. وتتعمد واشنطن الإبقاء على الغموض بشأن كيفية ردها في حال تعرض أحد حلفائها لهجوم.
وقد صُممت القنابل النووية الأميركية من طراز B-61 في ستينيات القرن الماضي لوقف تقدم فرق الدبابات السوفيتية التي كانت تنطلق من ألمانيا الشرقية، لكنها أصبحت أقل ملاءمة للحروب الحديثة، كما أن قدرتها على تهديد العمق الروسي محدودة في ظل التطور الذي شهدته الدفاعات الجوية الروسية.
في المقابل، صُممت صواريخ ASMP-A الفرنسية المجنحة، المزودة برؤوس نووية والتي تحملها مقاتلات "رافال"، لاستهداف المدن الروسية الرئيسية، وتتمتع بفرص مرتفعة للوصول إلى أهدافها، ما يوفر مستوى مختلفاً من الردع، وفق مسؤولين عسكريين ومحللين.
وقالت نيكول جرايفسكي، الخبيرة في الشؤون الروسية والنووية بجامعة "ساينس بو" في باريس للصحيفة: "ليس من الواضح ما إذا كان الروس سيقتنعون بأن الفرنسيين مستعدون للمخاطرة بتعرض باريس لرد انتقامي من أجل وارسو، على سبيل المثال. لكن الروس يتابعون الأمر بالتأكيد".
وأضافت جرايفسكي أن طبيعة العقيدة النووية الفرنسية وترسانة البلاد تجعلانها، من بعض النواحي، أكثر تهديداً لروسيا من منظومة الردع الموسع التي تقودها الولايات المتحدة ضمن الناتو"، موضحة: "قنابل B-61 ليست أدوات لخوض الحرب، بل هي إلى حد كبير أدوات لتقديم ضمانات سياسية. أما الترسانة النووية الفرنسية، فعلى النقيض من ذلك، فيمكنها الوصول إلى روسيا".
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.