من سيارة محلية إلى صادرات بـ30 مليار دولار... كيف تعيد الجزائر رسم اقتصادها؟
تفرض تقلبات أسواق الطاقة وتحديات تنويع مصادر الدخل على الجزائر تسريع التحول نحو اقتصاد أكثر تنوعاً، عبر توطين صناعة السيارات، وتقليص الواردات، وتطوير إنتاج المشتقات النفطية، بالتوازي مع تسهيل إجراءات الاستثمار.
وتستهدف هذه التحركات تعزيز الإنتاج المحلي وتنويع موارد النقد الأجنبي، عبر تقليص الاعتماد على السلع المستوردة وتوسيع قاعدة الصادرات غير النفطية، بما يدعم مساعي الجزائر لتقليل ارتباط إيراداتها الخارجية بعوائد النفط والغاز.
.jpg)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (أ ف ب)
الصادرات غير النفطية... طموح لتغيير هيكل الاقتصاد
وفي إطار هذا التوجه، يستهدف مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري رفع قيمة الصادرات غير النفطية إلى نحو 30 مليار دولار بحلول عام 2030، ويتكامل هذا الطموح مع توجه أوسع أعلنه الرئيس عبد المجيد تبون، يتمثل في تحقيق إيرادات سنوية بالعملة الصعبة لا تقل عن 50 مليار دولار من خارج قطاع النفط والغاز، بالاعتماد على قطاعات تشمل صناعة السيارات والمناجم وإدماج الحديد في الصناعة الوطنية، إلى جانب إدماج الشرائح الإلكترونية في الصناعات الجزائرية.
كذلك يراهن الرئيس على رفع الناتج المحلي الإجمالي إلى 400 مليار دولار بحلول نهاية عام 2026 أو مطلع عام 2027، مدفوعاً بزيادة الاستثمارات وإطلاق مشاريع في الصناعة والتعدين والبنية التحتية، بما يجعل تعزيز الإنتاج المحلي وتقليص الواردات جزءاً أساسياً من هذه التوجهات.
من تلبية الطلب إلى التصدير
ويشكل خفض الاعتماد على الاستيراد وتعزيز القدرة الإنتاجية المحلية أحد المسارات التي تراهن عليها الحكومة لدعم هذه الطموحات، ولاسيما مع تراجع فاتورة الواردات من نحو 62 مليار دولار إلى ما بين 40 و42 ملياراً، بانخفاض يقارب 20 مليار دولار، وفق تصريحات الرئيس الجزائري خلال "اللقاء الوطني" في الجزائر العاصمة.
وفي هذا الإطار، يبرز قطاع الطاقة نموذجاً لهذا التوجه، إذ أوضح الرئيس أن الجزائر أوقفت استيراد البنزين والكيروسين، وتستهدف إنهاء واردات الديزل مع دخول مصفاة "حاسي مسعود" الخدمة في عام 2027، بطاقة تصميمية تبلغ خمسة ملايين طن سنوياً، بما يعزز قدرات التكرير المحلية ويقلص الحاجة إلى الاستيراد.
تهيئة الطريق أمام التصنيع
ولا يقتصر التحول على تعزيز الإنتاج المحلي فحسب، بل يتطلب أيضاً تهيئة بيئة استثمارية تدعم إقامة المشاريع وتوسيع سلاسل الإمداد، وفي هذا الإطار، تستعد الجزائر لتفعيل "الشباك الوحيد الوطني للاستثمار" اعتباراً من الأول من كانون الثاني (يناير) 2027، ليتولى توحيد الإجراءات والتراخيص المرتبطة بالمشاريع، ومتابعة الاستثمارات، وإدارة ملفات العقار الاقتصادي والمزايا الاستثمارية، ومعالجة شكاوى المستثمرين، بما يساهم في تبسيط الإجراءات وتسهيل تنفيذ المشاريع.
وفي تقييم لهذه التوجهات، يرى الباحث والمحلل الاقتصادي مهدي عفيفي، في تصريحات خاصة بـ"النهار"، "أن استراتيجية الجزائر للتحول نحو التصنيع وتقليص الاعتماد على الاستيراد تكتسب أهمية في ظل تقلبات أسواق النفط والحاجة إلى تنويع مصادر الدخل وتعزيز موارد النقد الأجنبي".
ويضيف أن تفعيل "الشباك الوحيد للاستثمار" يمثل خطوة داعمة لهذه الاستراتيجية، إذ يتيح تبسيط الإجراءات وتوحيد جهة الحصول على التصاريح، بما يشجع المستثمرين المحليين والأجانب على دخول قطاعات متعددة، ويساهم في تعزيز جاذبية الاستثمار وتوسيع القاعدة الصناعية في الجزائر.
صناعة السيارات... الاختبار الأبرز لتوطين الإنتاج
وتجسد صناعة السيارات هذا التوجه ايضاً، إذ تعمل الجزائر بالتعاون مع شركاء ألمان وإيطاليين على تصنيع سيارة محلية بحلول نهاية عام 2028، بمكونات أساسية تشمل المحرك وعلبة السرعة والعجلات، بدلاً من الاكتفاء بالتجميع، بما يدعم رفع نسبة الإدماج المحلي. غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب تطوير الصناعات المغذية وتذليل مختلف العقبات واستقطاب الاستثمارات اللازمة لبناء قاعدة إنتاجية متكاملة.
في هذا السياق، يرى عفيفي "أن نجاح الجزائر في توطين صناعة السيارات وزيادة الصادرات وتنويع موارد الاقتصاد يستلزم عدة متطلبات وهي إصلاح الهيكل الإداري للمؤسسات الحكومية، تطوير النظامين النقدي والمصرفي لتسهيل المعاملات، إلى جانب إقرار تشريعات تشجع الاستثمار وتيسر إجراءاته".
ويؤكد عفيفي على أهمية وضع قوانين تحمي حقوق العامل وصاحب العمل وتعزز جاذبية الاستثمار، مشيراً إلى أن الجزائر تمتلك الإرادة السياسية والإمكانات المادية، لكن الانتقال من اقتصاد يعتمد أساساً على المحروقات إلى اقتصاد إنتاجي يتطلب إصلاحات متكاملة وجهوداً متواصلة.
في الختام، من الواضح أن الجزائر تراهن على توطين الصناعة وتطوير إنتاج الطاقة وتسهيل الاستثمار لتعزيز موارد النقد الأجنبي وتقليص الاعتماد على المحروقات، وسيظل نجاح هذه الاستراتيجية مرتبطاً بقدرتها على تحويل مستهدفات الإنتاج والصادرات إلى نتائج فعلية، وبناء قاعدة صناعية تنافسية تحقق قيمة مضافة مستدامة.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.