الجنية التي تسكن مضيق هرمز
تقع 3 جزر في قلب مضيق هرمز تُسمى "جزر سلامة وبناتها". ولمن استغرب من الضمير المتصل المؤنث في كلمة "بناتها"، ففي الإمارات وعمان وقطر، وربما في نواحٍ أخرى من الخليج، يحضر اسم سلامة باعتباره اسما أنثوياً.
الخيالات
عموماً، تقول الأسطورة إن سلامة وبناتها هن جنيات غاضبات يسكن في قاع الخليج عند مضيق هرمز، وبالقرب من الجزر المنسوبة إليهن، وبأنهن كن المسؤولات عن تشكيل الدوامات البحرية الخطيرة في المضيق، والتي تتسبب في تحطّم السفن وفناء ركابها. وتصر الأسطورة على أنه لا خلاص من عدوانية سلامة وبناتها إلا بإلقاء الطعام في الماء عند عبور تلك النقطة التي أصبحت تُسمى "غُبّة سلامة"، و"الغُبة" في لهجتنا المحلية هي لُجة البحر. حتى إن البعض كان يحمل معه المواشي الحية، فيذبحها ويرمي بها لتهدئة الجنيات.
وثمة أسطورة أخرى تزعم بأن سلامة كانت زوجة لصياد لئيم يضرب ابنتيه يومياً. وذات مرة، هددته سلامة بأن تشكوه، فحملها وابنتيهما على متن قاربه، وقذفهن في الخليج. ولكنهن لم يغرقن، بل انبثقن كجزر تنتقم من البشر -أو من الرجال تحديداً؟- بتدمير سفنهم.
الحقيقة
واليوم نعرف بأن سلامة وبناتها النسويات الحانقات كن من نسيج خيال الناس البسطاء آنذاك، فالتفسير العلمي للدوامات المائية هو أنها تنشأ من ارتطام الأمواج في مضيق هرمز بالجبال الشاهقة المحيطة. أما نجاة الذين استمالوا سلامة بالتمور واللحوم وغيرها، فهو لأنهم -ببساطة- خففوا من حمولات سفنهم، فسهلت حركتها عبر المضيق.
لقد تخطينا كابوس "سلامة وبناتها" منذ زمن، وتخطينا معه حاجتنا لمداهنتهن. ولكن يبدو أن النظام الإيراني لم يستوعب بعد كم تغيرنا.
الخيالات المتجددة
تسعى طهران منذ مارس/آذار لفرض رسوم على السفن المستخدمة لمضيق هرمز، فعلى شاكلة الجنية المتسلطة، يريد النظام الإيراني العابث أن يبث الخوف من الهلاك في قلوب المبحرين الآمنين ليلقوا إليه بجزء من ثرواتهم، فيسمح لهم حينها بالعبور. فعلى الرغم من أنه لم يجرؤ على فرض رسومه بشكل مباشر، فقد تحايل عبر تحصيل "بدل خدمات ملاحية" هي 1.5 إلى 2 مليوني دولار للسفينة الواحدة، بل راح مسؤولو النظام المتنمر يتباهون بأن ذلك سيعود على خزينتهم بـ40 إلى 100 مليار دولار سنوياً.
للأسف، يتوهم الإيرانيون بأن العرب الذين تعايشوا مع "بلطجة" قوة ماورائية خارقة في مضيق هرمز حينما كانوا أقل قوة وعتاداً وتقدماً ودراية وثقة في إمكانياتهم، ثم أجادوا التعامل معها، سوف يخضعون الآن بفرائص مرتعدة لنظام محتضر يعجز عن توفير البنزين لمواطنيه!
وربما لذلك تستميت وسائل الإعلام التابعة للحرس الثوري في التبشير بـ"اتفاق وشيك" مع سلطنة عمان على تقاسم رسوم العبور المزعومة.
ولكن الرفض العماني للمقترح -بحسب ما أكدت صحيفة "نيويورك بوست"- يأتي معبراً بوضوح عن الموقف الخليجي العربي، وهو أن "سلامة وبناتها" قد غرقن بالفعل بالنسبة إلينا، ولن ينبثقن أبداً.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.