عقوبات أميركية على "الجنائية الدولية" بعد فوز نافي بيلاي بـ"نوبل للسلام"

فرضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، الجمعة، بعد ساعات من فوز إحدى قاضياتها السابقات بجائزة نوبل للسلام، فيما نددت المحكمة بالخطوة، ووصفتها بأنها "اعتداء على سيادة القانون وأسس النظام القانوني الدولي".
وسبق لإدارة ترمب أن فرضت عقوبات على مدّعين عامين وقضاة في المحكمة، لكن الإجراء الجديد يتجاوز ذلك بكثير، إذ قد يطال الشركات التي تقدم خدمات للمحكمة نفسها.
وقال وزير الخارجية ماركو روبيو في بيان: "لن يسمح الرئيس ترمب أبداً للمحكمة الجنائية الدولية بمحاكمة أميركيين".
وأضاف: "لهذا السبب، تفرض الولايات المتحدة اليوم عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، سنحظر المعاملات مع هذه المحكمة المارقة، ونقطع عنها مواردها ونشل قدرتها على العمل".
وأعلنت وزارة الخزانة الأميركية عن العقوبات مع فترة سماح أولية مدتها 6 أشهر، وبعض الاستثناءات الأخرى التي ستسمح ببعض المعاملات المتعلقة بالاتصالات والبرمجيات ودفع المعاشات التقاعدية والمعاملات المتعلقة بالمحتجزين.
وأشار روبيو إلى أن العقوبات وضعت بحيث تتيح للمحكمة والدول الأعضاء فيها فرصة لمعالجة مخاوف الولايات المتحدة. وستعدّل إذا لم تتم تلبية تلك المطالب.
المحكمة الجنائية الدولية ترفض العقوبات
من جانبها، قالت المحكمة الجنائية الدولية، في بيان، إنه "لا يمكن للمحكمة أن تقف وحدها، فمصيرها الآن يقع أيضاً في أيدي الدول التي أنشأتها... لا يتعلق الأمر فقط بالدفاع عن مؤسسة واحدة، بل بحماية النظام الدولي القائم على سيادة القانون. والتاريخ سيحكم على هذه اللحظة".
ودعت المحكمة الدول الأعضاء البالغ عددها 125 إلى اتخاذ إجراءات للدفاع عنها.
وقالت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية نزهة شميم خان لوكالة "رويترز": "الهدف من العقوبات هو تقويض سيادة القانون على الصعيد الدولي والعمل الذي تقوم به مؤسسة قضائية مستقلة".
وأضافت نزهة شميم خان: "سيستمر عملنا في جميع القضايا التي ننظرها، وفي تحقيقاتنا وملاحقاتنا القضائية".
وتشعر واشنطن منذ فترة طويلة بالغضب من مذكرتي اعتقال أصدرتهما المحكمة بحق مسؤولين إسرائيليين اثنين، أحدهما رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ومن تحقيق سابق في تصرفات جنود أميركيين في أفغانستان، وهو تحقيق تقول المحكمة إنها أخرت ترتيبه في قائمة الأولويات.
لجنة نوبل تشير إلى هجمات سياسية في منح الجائزة
وتضم المحكمة، التي تأسست عام 2002 لمحاكمة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، 125 دولة عضواً، بينها جميع دول الاتحاد الأوروبي وجميع أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو) باستثناء الولايات المتحدة وتركيا.
وحظيت المحكمة في الماضي بدعم قوي من الدول الأعضاء، ومن بينها حلفاء رئيسيون للولايات المتحدة. ويقع مقرها في هولندا العضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.
وشغلت الحقوقية الجنوب إفريقية نافي بيلاي، التي فازت بجائزة نوبل للسلام تقديراً لعملها في مجال العدالة الجنائية الدولية، منصب قاضية في دائرة الاستئناف بالمحكمة الجنائية الدولية بين عامي 2003 و2008.
وقالت اللجنة المانحة لجائزة نوبل إنها سعت إلى "توجيه تذكير" في وقت "يتعرض فيه قضاة ومؤسسات القانون الدولي لهجمات سياسية".
وأضافت اللجنة: "وجود نظام قانوني دولي يُحاسب فيه مجرمو الحرب وتتحقق فيه العدالة لضحايا الانتهاكات هو شرط أساسي لعالم يسوده السلام".
عقوبات أميركية سابقة
وعادة ما تمنع العقوبات الأميركية كل الشركات التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها من التعامل بأي شكل من الأشكال مع أي منظمة خاضعة للعقوبات، مما يجبر البنوك على إغلاق حسابات، وشركات التأمين على إنهاء تغطيات، وشركات البرمجيات على وقف التعاون.
وسبق أن فرضت الإدارة الأميركية في ولاية ترمب الأولى عقوبات تستهدف مسؤولين بعينهم في المحكمة، لكن الرئيس السابق جو بايدن ألغاها في عهده.
وأعلنت واشنطن عن عقوبات جديدة بعد أيام قليلة من عودة ترمب إلى الرئاسة في يناير 2025.
ويستعد مسؤولو المحكمة منذ أشهر لاحتمال فرض عقوبات على المحكمة نفسها، فقاموا بتحويل برمجيات أجهزة الكمبيوتر في المكاتب من شركة مايكروسوفت إلى بدائل مفتوحة المصدر، واتخذوا ترتيبات جديدة فيما يتعلق بالخدمات المصرفية والتأمين الصحي.
ودعا أمين سجلات المحكمة أوزفالدو زافالا جيلر في وقت سابق من الأسبوع الاتحاد الأوروبي إلى الاستعداد لاستخدام ما يسمى "آلية الحجب" التي تتيح له حماية الدول الأوروبية من الآثار العابرة للحدود الإقليمية للعقوبات.
وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن الولايات المتحدة كانت قد أرجأت فرض العقوبات على أمل أن تعالج المحكمة والدول الأطراف في نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة مخاوف الولايات المتحدة، لكنها فشلت في ذلك، على حد قوله.
وتابع قائلاً: "إما أن تنهي المحكمة الجنائية الدولية تهديداتها أو سننهي وجودها. ونتوقع من حلفائنا، الذين ينتمي الكثير منهم إلى المحكمة ويعتمدون على أفراد القوات المسلحة الأميركية في الدفاع عنهم، أن يكبحوا جماح المحكمة".
إدانات دولية
من جهته، أعرب الاتحاد الأوروبي عن أسفه إزاء قرار الولايات المتحدة فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية.
وأكد الاتحاد، في بيان، استعداده لاتخاذ أي إجراءات ضرورية لتمكين المحكمة الدولية من العمل.
كما أدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش العقوبات الأميركية، مؤكداً على دعمه "الثابت" لاستقلال المحكمة ومسؤوليها.
ودعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إلى اتخاذ إجراءات فورية لحماية المحكمة الجنائية الدولية، بعد أن فرضت الولايات المتحدة عليها عقوبات "غير مقبولة".
وقال تورك: "هذه العقوبات، وهي الأحدث في سلسلة من الإجراءات الانتقامية ضد المحكمة الجنائية الدولية وموظفيها بسبب العمل الذي يقومون به يومياً لتعزيز المساءلة عن أسوأ انتهاكات حقوق الإنسان، غير مقبولة".
بيان مشترك
وفي بيان مشترك، أعرب وزراء خارجية بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا والدنمارك وهولندا واليابان وكندا عن أسفهم ورفضهم الشديد لإعلان الولايات المتحدة فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية. وأكدوا تمسكهم الكامل باستقلالية المحكمة ونزاهتها وحيادها.
وقالت الدول الموقّعة على البيان، وهم أعضاء في نظام روما المؤسس للمحكمة، إنها تقدّر الخطوات التي اتخذتها المحكمة استعداداً لمثل هذه الإجراءات، بما يمكّنها من مواصلة أداء ولايتها وفق نظام روما الأساسي، مشددة على أنها ستواصل دعمها لها في هذا الاتجاه.
وحذّرت من أن "العقوبات، في حال دخولها حيز التنفيذ، ستترك أثراً بالغاً على عمل المحكمة وعلى موظفيها وأسرهم، وهم الذين يعملون يومياً على محاسبة المتهمين بأخطر الجرائم الدولية ودعم ضحاياها".
وأكدت أنها ستبقى موحدة في دعم المحكمة، وملتزمة بحوار بنّاء وشامل مع الدول غير الأطراف في النظام الأساسي، تمهيداً لاجتماع جمعية الدول الأطراف المقرر في ديسمبر المقبل.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.