دونالد ترامب واعتبارات توقيت حسم القرار مع إيران... من أبوظبي إلى شِنجن
دونالد ترامب رئيس يكره الاختيار بين الخيارات التي يضعها أركان إدارته أمامه ويفضّل الإبحار بين مسار المفاوضات مع إيران، ومسار تنفيذ الضربة العسكرية الكبرى، ومسار استمرار الوضع الراهن وأساسه استمرار الحصار والحوار. لن نعرف كيف سيفاجئنا دونالد ترامب بل يفاجئ نفسه عندما يكفّ عن الهروب إلى الإمام وهو يلاكم في الهواء ويطارد القرار.
أدخل فريق التمسك بمسار التفاوض موعد انتهاء المحادثات الروسية-الأوكرانية في أبوظبي يوم 11 تشرين الثاني/ نوفمبر على حسابات الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتوقيت الحسم العسكري مع إيران. أقنعه بأن ما قد يحصل عليه في أبوظبي هو فرصة للتعويض عن إخفاقه في إنهاء الحرب التي بدأها مع إيران بإنجاز في حرب أوكرانيا. عندئذ يستطيع أن يمهل طهران مرة أخرى.
أمّا إذا عاد مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف وصهره ومستشاره السابق جاريد كوشنر خاليَي الوفاض، فسيتعيّن عليه أن يقرّر بأيّ أوراق يذهب إلى الصين إذا اختار المشاركة في قمة ثلاثية مع الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
ما يستحق أن يتنبّه إليه حكّام طهران هو أن الرئيس الذي قد يؤجّل الضربة من أجل فرصة في أبوظبي قد يستعجلها كي لا يذهب إلى الصين وفي ظنّ الرجلين أن إيران هزمته.
مضت ليلة السادس إلى السابع من نوفمبر التي تردّد أنها قد تكون موعد إطلاق العملية العسكرية الكبرى. وما حدث كان ضربة محدودة استهدفت الدفاعات الجوية الإيرانية في جزيرة قشم. تقدم ترامب برواية أن الجيش الأميركي لم يخسر جندياً في الأشهر الماضية، وأن الحرب هي ما يجري بين روسيا وأوكرانيا حيث يُقتل الآلاف شهرياً، وأن أميركا ليست في حرب مع ايران.
هكذا يستطيع ترامب أن يقصف إيران ليلاً وأن يقول للأميركيين في الصباح إنهم ليسوا في حرب معها. ما يتيحه له هذا التعريف هو إعطاء نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس مهلة أخرى للتفاوض، من دون أن يضطر هو إلى أن يشرح للأميركيين كيف ينوي إنهاء الحرب أو ماذا حقّقت. يعطيه أيضاً فسحة إعطاء الانطباع بأنه يصغي لخيار آخر في الوقت الذي يدعم فيه مغامرة فانس بالرهان على إيران - بل مغامرة جي دي بمستقبله السياسي إذا اصطادته الحنكة الفارسية في التفاوض بلا تنازل جدّي.
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيت ينطلق من حساب آخر تماماً. في تقديره وتقدير جزء من المؤسسة العسكرية، أن للجاهزية الأميركية الراهنة عمراً، وللترسانة الإيرانية التي أصابتها الحرب قدرة على التعافي. لذلك يريد هذا الفريق قراراً في غضون أيام، ويعتبر أن انتظار أسابيع - ولو اتّخذ ترامب قراره قبل أن يتسلّم الكونغرس الجديد بأكثرية الديموقراطيين مهامه - قد يبدّد الفسحة التي يستطيع الجيش الأميركي خلالها أن يُلحق بإيران هزيمة عسكرية.
يعتقد هذا الفريق أن طهران قالت كلمتها حين تمسّكت بشروطها لفتح هرمز وبحقّها في مواصلة برنامجها النووي، وأن معرفة ما إن كانت جادّة لم تعد تستدعي جولة أخرى من المفاوضات. فكل يوم يُعطى للديبلوماسية يُعطى أيضاً للحرس الثوري ليستعيد بعض ما خسره. وفي هذا الحساب، يكفي الحرس أن يُحجم ترامب عن تنفيذ ما توعّد به، بعد استنفاد المفاوضات، حتى يعلن أنه انتزع النصر من أميركا واستدرجها إلى هزيمة نفسها.
لكن نائب الرئيس الأميركي يريد أن يراهن على أن تكون الوساطة القطرية كشفت عن استعداد إيراني لتنازلات يمكن البدء بها في مضيق هرمز. يشاركه الرهان مبعوثا ترامب ويتكوف وكوشنر، والسفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الرئاسي الخاص إلى سوريا والعراق توم براك، الذي سبق أن وصف ما يمكن التوصّل إليه بأنه «اتفاق على مسار».
الجديد أن جي دي فانس دخل هذا المسار شخصياً، وربط مستقبله السياسي بما يستطيع أن ينتزعه من المفاوض الإيراني الذي يجيد شراء الوقت. ففتح المضيق من دون عوائق إنجاز يحتاج إليه ترامب في رأيه. لكن إذا كان ثمنه رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية، والإفراج عن أموال مجمّدة، وتأجيل البتّ في مصير اليورانيوم المخصّب، فبأيّ ورقة سيعود فانس إلى طهران حين يطلب منها التنازل النووي الذي به وحده يستطيع رئيسه أن يبرّر خوض الحرب؟ الفرصة هنا فرصة جي دي فانس وطموحاته الرئاسية أكثر مما هي فرصة دونالد ترامب. وقد تكون المجازفة أكبر ممّا يقدّرها نائب الرئيس.
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ووزير الخزانة سكوت بيسنت لهما رأي آخر بحيث يستطيع الرئيس مواصلة الحصار البحري وتشديد العقوبات المالية وتسديد ضربات محدودة متتالية إلى أن يُنهَك الحرس الثوري، مع الاحتفاظ بخيار العملية الكبرى إذا اقتضى الأمر.
خلاف الوزيرين مع نائب الرئيس يبدأ عند تحديد ما يُعطى لإيران سلفاً. فما يعتبره فانس ثمناً مقبولاً للبدء بالتفاوض قد يكون في حساب بيسنت الأداة الوحيدة القادرة على إرغام طهران لاحقاً على تقديم التنازلات. ولخيار الانتظار هذا كلفة أميركية أيضاً، إذا طال الحصار وبقيت أسعار الوقود ترهق الأميركيين فيما يجد الحرس الثوري من المنافذ ما يسمح له باستيراد ما يحتاج إليه لترميم ترسانته.
لهذا يكتسب موعد 11 نوفمبر أهميته في المواجهة داخل الإدارة. ما يحتاج إليه نائب الرئيس الأميركي من أبوظبي هو قدر من التقدّم الروسي-الأوكراني يسمح له بالقول لرئيسه إن استئناف الحرب مع إيران قد يبدّد ما أصبح في متناوله في أوكرانيا. عندئذ يصبح لتمديد المهلة الإيرانية مبرّر يستطيع ترامب أن يدافع عنه أمام معارضيها في إدارته.
من المستبعد أن تتوصّل موسكو وكييف إلى صفقة تكافئ ترامب على انتظاره. ما قد يكون متاحاً هو بداية إعادة النظر في العلاقة الأميركية مع أوروبا، عبر البحث في الضمانات لأوكرانيا وفي الترتيبات الأمنية الأوروبية التي تناولتها المشاورات في بروكسل.
أوروبا مجروحة مرّتين، مرّة من استعداد ترامب للتفاهم مع الرئيس الروسي على حسابها، ومرّة من إقدامه على الحرب مع إيران من دون التشاور مع حلفائه الأوروبيين. لكن تحقيق إنجاز في إعادة هيكلة العلاقات الأميركية-الأوروبية وهندسة جديدة للعلاقة الأمنية سيعتبر إنجازاً إن لم يصطدم بمواقف الرئيس الأميركي المتعاطفة مع الرئيس الروسي والمستاءة من الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
إذا تعثّر الرهان على أبوظبي، فستقوى حجّة وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيت في دعوة الرئيس إلى الكفّ عن الهرولة صعوداً وهبوطاً على سلّم التصعيد. لكن بين أبوظبي والثالث من يناير، يوم يتسلّم الديموقراطيون الكونغرس بمجلسيه، موعد أقرب بكثير. قمّة «أبيك» في شِنْجِن الصينية يومَي 18 و19 نوفمبر تتيح لترامب، إذا انعقد اللقاء الثلاثي على هامشها، الجلوس مع الرئيسين الصيني والروسي. ولكلٍّ منهما مصلحة في معرفة ما الذي بات الرئيس الأميركي مستعداً لتقديمه بعدما خسر حزبه الانتخابات النصفية.
فالرئيس الروسي معنيّ بما قد يفعله الكونغرس المقبل لدعم أوكرانيا واستعادة العلاقة مع أوروبا. والرئيس الصيني معنيّ بموقف الديموقراطيين من تايوان بقدر عنايته بما سيقرّره ترامب في شأن النفط الإيراني وحرية الملاحة في هرمز. من هنا قد يستعجل ترامب إسقاط مزاعم الانتصار الإيراني قبل أن يلتقيهما. وقد يذهب إليهما طالباً عونهما كي تعطيه طهران شيئاً يستطيع أن يسمّيه انتصاراً. والفارق كبير بين الموقعين.
رجال الحكم في طهران، من الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي إلى رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، يتصرّفون وكأنهم هم الذين أسقطوا ترامب في الانتخابات الأميركية. تلك قراءة فيها من الفوقية ما قد يكلّفهم غالياً.
فالمزاج الشعبي الأميركي تعب من مزاجية الرئيس لكن غلاء المعيشة تقدّم على الحرب في أولويات الناخب. الحرب ضاعفت استياءه من رئيس استأثر بقرار دخولها ثم أخذ يتنقّل بين أهدافها. انتصرت الديموقراطية الأميركية عندما حاسب الناخب رئيساً أراد الانتخابات استفتاءً على شخصه.
الديموقراطيون الذين سيحاسبون ترامب على أدائه لن يقبلوا بالضرورة أن تمتلك إيران السلاح النووي أو أن تُهزم الولايات المتحدة على يدها. سيكون في أيديهم حين يتسلّمون رئاسة اللجان أن يحققوا في كيفية إدارة الحرب، وأن يستخدموا التمويل للضغط على الرئيس. وقد تفتح المساءلة ملفّ التقديرات الاستخبارية الأميركية والإسرائيلية لقدرات إيران، حتى لو حاول البعض تحميل وزير الحرب وحده تبعة سوء التقدير.
أما مَن يقيّد يد الرئيس العسكرية من الآن إلى يناير فهو دونالد ترامب نفسه الذي يعاني من الخوف ويخشى الإقدام. لذلك يسمح أو يوكل الرئيس الأميركي إلى نائبه مهمة طمأنة رجال الحكم في الجمهورية الإسلامية الإيرانية بان لا نيّة لديه لإسقاط النظام ولا مضاعفة شروطه عليه، بل العكس.
وما يقوم به جي دي فانس هو إقناع حكام طهران بمخرج لإنقاذ ماء الوجه للرئيس الاميركي لطمس ملامح استسلام دونالد ترامب إذا رضخ للشروط الإيرانية. إنها صفقة الخروج من المأزق والتملص من استحقاقات التبرؤ من خيانة الوعود للحلفاء وللإيرانيين الذين راهنوا على قيادة ترامب المزعومة.
ثمة إيرانيون يجدر بترامب أن يتذكّرهم قبل أن يأذن لنائبه بإعطاء حكّام طهران ضمانات باستمرارية نظامهم. هؤلاء هم الذين شجّعهم الرئيس الأميركي على مواصلة الاحتجاج، وأبلغهم بأن المساعدة آتية، وطلب منهم أن يحفظوا أسماء مَن بطشوا بهم.
دفع هؤلاء من دمهم وهم يسمعون الرئيس الأميركي يتوعّد مَن يقتلهم. فإن كان عرض نائب الرئيس الأميركي على أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني ينتهي بضمان أميركي مفتوح لبقاء الحكم الذي قمعهم، فكيف يفسّر ترامب للإيرانيين أن المساعدة التي انتظروها منه قد تصل غداً إلى الذين قمعوهم، على هيئة ضمانة أميركية لبقائهم في الحكم؟
لعلّ في ذلك، إن حصل، واحداً من أوضح فصول الخيانة الأميركية لمن صدّقوا وعود واشنطن ودفعوا الثمن يوم تخلّت عنهم.
الدول الخليجية العربية أيضاً تعرف معنى أن يقرّر سواها موعد المواجهة وأن تختارها طهران هدفاً لانتقامها. لذلك من مصلحتها أن تنجح الوساطة القطرية، لكنّ ما يكفي نائب الرئيس الأميركي لإعلان نجاحه قد يتركها أمام مضيق مفتوح اليوم وأذرع إيرانية تحتفظ طهران لنفسها بحقّ تحريكها غداً.
فالسعودية معنيّة بما يستطيع الحوثيون فعله عند باب المندب حتى لو فُتح هرمز، والعراق معنيّ بمصير الفصائل التي تملك طهران تحريكها من أراضيه، ولبنان معنيّ بما قد تفعله إسرائيل على أراضيه إذا أبقت طهران على سلاح «حزب الله» ورقةً في يدها.
تستطيع واشنطن أن تختار متى تُشرك إسرائيل في عملية ضد إيران. أمّا في لبنان فقد تختار إسرائيل التوقيت وتكتفي من واشنطن بموافقة ضمنية.
من هذه الزاوية قد يكون استمرار الحصار مع عمليات عسكرية محدودة أقلّ الخيارات سوءاً لدول الخليج، ما دام البديل أن تقع عليها تبعات الحرب الكبرى أو أن تُترك وحدها مع أذرع إيران بعد الصفقة.
وبين موعد أبوظبي واحتمال القمة الثلاثية في شنجن، قد يجد دونالد ترامب مرة أخرى ما يُغريه بالهروب إلى الأمام.
حكّام طهران يراهنون على أن الوقت لهم والصفقة ستكون لصالحهم. الدول العربية تراقب ما إن كان الوقت الذي يشتريه الرئيس الأميركي لنفسه سيُدفع من أمنها وبالمزيد من مواردها وأموالها وميزانياتها العسكرية التي فرضتها الحرب الأميركية عليها.
اليوم اختار ترامب مزيج كوكتيل من الخيارات الثلاثة التي وضعها أركان إدارته أمامه. هذا، لليوم. فغداً يتوقف عند معدن شخصية دونالد ترامب الذي بات اكثر غموضاً ووضوحاً في اَن واحد. والجميع ما زال يترقب آثار ارتجالية دونالد ترامب مهما تظاهر اليوم بأنه تغيّر بعد صفعة الانتخابات النصفية.
العالم كلّه في انتظار قرار من الرئيس الأميركي الهارب من اتّخاذه إلى حين المفاجأة.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.