سوريا... "حرب المواقع" المحتدمة!
في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، لم تسقط دمشق لتقوم دولة بديلة. سقطت لينكشف تحتها عفن عقود، وأربع قوى اجتماعية-سياسية بقيت، ولا تزال، تتصارع داخل أنقاض السلطة، لا في معارك مكشوفة تحسمها هزيمة أو نصر، بل كما وصفها غرامشي "حرب المواقع" تُدار خندقاً خندقاً، داخل مؤسسات المجتمع نفسها.
أربع قوى لا يستطيع أي منها الحسم منفرداً:
1. تيار سلفي-جهادي يريد إعادة صياغة سوريا دولةً طائفية إسلامية سنية، وما أنتجه من قوى الارتداد الطائفي والإثني على الجانب الآخر، حيث تلتقي هذه القوى جميعاً في مشاريعها المناهضة للمشروع الوطني الجامع.
2. طبقة برجوازية طفيلية ناشئة تحوّل اقتصاد الحرب إلى امتياز دائم.
3. كتلة وطنية منتجة من صغار التجار والمهنيين وبقايا الإدارة البيروقراطية تملك أكبر مصلحة في قيام دولة، وأضعف قدرة على بنائها.
4. مجتمع مدني من النساء والشباب بدأ يتنفس بحذر.
لا أحد من هؤلاء يربح وحده. وهذا بالضبط ما يجعل المصير مفتوحاً للتحالف: قوى الفساد من جهة وقوى البناء من جهة أخرى.
دولة بلا هيكل، وسلطة بلا مؤسسات، ونظام يُدار، دون مرجعية بثلاثة احتكارات متزامنة:
الاحتكار الأمني: تكرسه هيئة الأمن القومي، ليصير الأمن استنساخاً لتركة إدلب العرجاء، على ثلاثة وعشرين مليون نسمة.
الاحتكار المالي – الأوليغارشي: غرف التجارة توزع الامتيازات ضمن دوائر هيئة تحرير الشام، وصندوق سيادي ومجلس أعلى للتنمية الاقتصادية خارج أي رقابة معلنة! لتتوزع عقود الإعمار في تكرار حي لتجربة العراق الكارثية.
أما الاحتكار السلطوي الثالث فخلاسي خفي!: تحوّل عقائدي هادئ من السلفية الجهادية إلى سلفية "مدخلية" تُدرَّس في المساجد والجامعات والكليات العسكرية، قوامها الطاعة المطلقة للحاكم ورفض التعددية. تحاول تعليب المواطن ليصير شرطياً على عقله، وأداة لا تُناقش أي سلطة للحاكم، بل تستمر كتلة ملموسة من جمهور الموالين "على عماها" تنكر فظائع الساحل والسويداء وشمال شرقي سوريا، وتنكر حقيقة أقرتها المراجع الدولية مثل "هيومن رايتس ووتش" أن العملية كانت منسّقة مركزياً من وزارة الدفاع، لا فوضى ميليشيات منفلتة.
وبعد المجازر والمعارك في الساحل والسويداء والفرات، تصف الباحثة رنا خلف ("تشاتام هاوس بريطانيا") أن هذه التسويات "لا تحلّ النزاع، بل تؤجله داخل مؤسسات "مبنية على رمال متحركة"... بل إنها حرب مواقع في كل مكان!
حتى داخل المعسكر الإسلامي ذاته، تمرّد ضباط رفضوا التنسيق مع واشنطن ضد "داعش"، وهو شرخ يخترق مجمل البنية الأمنية. ثم ذلك العمل الحثيث لهيئة تحرير الشام لحلّ جماعة الإخوان المسلمين، بحجة أن "المشروع الإسلامي تحقق عبرها "بالفعل"، فيما ينقسم الإخوان شِيَعاً بين الانسحاب والمساومة والتفكك الجهادي.
هيهات أن يُحسم هذا الصراع بمرسوم... وجمر الإخوان المسلمين يتسلل ويغلي، إلى حين.
على الجانب الآخر من حرب المواقع، يتشكل تحالف وطني قوي لبناء سوريا الجديدة في حرب تغطي أرجاء المجتمع والدولة والاقتصاد والبيروقراطية الحاكمة ذاتها.
تتمثل هذه القوى بمئات الألوف من السوريين الوطنيين الذي يعملون على تدعيم كل ما هو بنّاء وصالح، ليجعل "الحياة ممكنة" للسوريين، في مواجهة مشروعَي الإقصاء الطائفي والقمع الدموي والاحتكار الاقتصادي معاً.
ويقف إلى جانبهم كتلة كبيرة من القوى البيروقراطية القديمة- الجديدة، التي لا تريد عودة الماضي بأي حال، لكنها ترفض مشروعاً إسلامياً طريفاً ("القومجية السنية الجديدة – على النمط التركي)، بل تعمل حثيثاً لأجل مسار دستوري تفاوضي حقيقي بضمانات دستورية ملزمة لبناء دولة المواطنة الحقة.
أما داخل الاقتصاد، فساحة لمعركة محتدمة أيضاً، بين رأسمالية الدولة الاحتكارية الفاسدة وبين البرجوازية الوطنية المنتجة!
على ضفة الأوليغارش الطفيليين الأسماء معروفة: تجار عهد الأسد يجلسون الآن جنباً إلى جنب مع رجال ملتحين من هيئة تحرير الشام، من هيئة الرقابة المالية إلى هيئة المعابر إلخ. لا صناعة تُحمى، ولا زراعة تُدعم، بل سياحة وعقارات ومال سريع، في انتظار حصة من الكعكة العملاقة، حيث العملة الرديئة (المحسوبية والصفقة السريعة) تطرد العملة الجيدة: الاستثمار المنتج طويل الأمد.
في مواجهتهم، وعند كل مفصل من مفاصل الحياة والدولة، تخوض الكتلة الوطنية المنتجة حربها السلمية، ضد الفساد، والتسلط: إنهم تجار المدن، والطبقة المهنية، والعمال الذين تحمّلوا أقسى سنوات الحرب.
وعلى الهامش الأكثر هشاشة، يقف المجتمع المدني والنساء والشباب، ليخوضوا معاً، معركة التصدي لإعادة المجتمع إلى الوراء، فيما يتّضح تمام الإدماج الزخرفي للنساء: "كأننا لوحة تُعلَّق على الجدار"، بل جرى إحياء القانون البعثي ليشترط موافقات أمنية على قيام الجمعيات؛ وحتى الفراغة العقارية صارت مرتبطة بموافقات أمنية مدفوعة.
بحسب توماس شيلينغ: في غياب طرف ثالث يضمن العقد وينفّذه، لا يملك أي فاعل في حرب المواقع هذه أيّ قدرة على الحسم! إنه توازن تصفه مراكز أبحاث روسية "بتوازن عصابات وعشائر"، لا مؤسسات دولة، فيما تحذر مجموعة الأزمات الدولية من أن "عدد السوريين الذين يرون في دمشق تهديداً لا حامياً "لن يتوقف عن النمو" ما لم تتغير قواعد الحماية والمساءلة جذرياً.
قليلة هي الأمثلة التاريخية التي حلت سلمياً تناقضات كهذه! بل في هذه الميلودراما الفوضوية يترقب المجتمع وقوى الإنتاج أن يقتحم تحالف الجهادية الأوليغارشية خنادق المجتمع والإنتاج والحقوق... لتنفتح ثلاثة سناريوهات:
1. التماسك القسري. تُحكِم دائرة الأمن والمال قبضتها، فتُطفأ الحرائق الجانبية بالقوة، لتردم "الجمر تحت التراب"، وليستمر الاستقرار الظاهري على وقع تذمر مكتوم؛ يتوسّع نموذج إدلب الأمني-الاقتصادي إلى كل المؤسسات: القضاء، غرف التجارة المتبقية، الجامعات، بحيث تتقلص قدرة المجتمع والاقتصاد على المقاومة.
2. التفكك الزاحف حيث تتصلّب مناطق التوتر الإثني والطائفي: مطلب حكم ذاتي مُعلَن، ومؤسسات فعلية موازية، وضرائب محلية، قضاء منفصل، تفاهمات أمنية مباشرة مع جهات خارجية بلا وساطة دمشق، "في سياسة تأجيل للانفجار " – (تشاتام هاوس).
3. تعددية تفاوضية حقيقية, تفرضها الكتلة المنتجة والمجتمع المدني وتيار الإصلاح الداخلي مجتمعين برنامجاً تدريجياً! فهذا المسار وحده يمكن أن يحوّل الحرب المكتومة إلى دولة بالمعنى الفعلي للكلمة: مسار دستوري ملزم فعلياً لا استشارياً، تُترجَم فيه ضمانات القوى المجتمعية (المكونات والقوى العلمانية والنساء) إلى مشاركة فعلية لا زخرفية.
سؤال ملحّ يطرحه الخارج يومياً:
هل السوريوين جاهزون أو جديرون بخوض حرب مواقع تنتصر فيها دولتهم المتمدنة المدنية على قوى الأوليغارش الجهاديين؟ و"إلا فنحن نترقب الجولة "المقبلة" المدمرة للوجود الوطني السوري بأسره.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.