كيف صنعت الحرب سوقين للدولار في السودان؟

في السودان، لم تعد الحرب تقسم المدن ومناطق النفوذ فحسب، بل امتد انقسامها إلى سوق العملة نفسه، فأصبح للدولار أكثر من سعر، وللجنيه قيمة تختلف باختلاف الجهة التي يجري فيها التداول.
وبينما تتباين أسعار الدولار في السوق الموازية بين المناطق الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة السودانية، وتلك التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، تكشف هذه الفجوة عن اقتصاد تتشظى مؤسساته، وتتباعد أسواقه بفعل الحرب.
فما الذي يجعل سعر العملة الأميركية مختلفاً من منطقة إلى أخرى؟ وكيف أثرت حركة السيولة والنقد الأجنبي، والتجارة والتحويلات، والعملات المتداولة، واختلاف مستويات العرض والطلب، في تشكيل سوقين للصرف داخل بلد واحد؟
قال متعامل في تجارة العملات بمناطق سيطرة الجيش السوداني لـ"الشرق"، إن سعر الدولار بدأ تداولات 26 سبتمبر 2026 عند نحو 7700 جنيه للشراء، و8100 جنيه للبيع، فيما بلغ سعر الريال السعودي 2080 جنيهاً للشراء، و2130 جنيهاً للبيع، والدرهم الإماراتي 2150 جنيهاً للشراء و2200 جنيه للبيع، والجنيه المصري 152 جنيهاً للشراء و159 جنيهاً للبيع.
وأضاف المتعامل أن أسعار العملات أغلقت عند هذه المستويات مع استقرار نسبي في حركة التداول، بعد موجة ارتفاع شهدتها أسواق الصرف خلال سبتمبر.
وأوضح أن حركة الأسعار في السوق الموازية تتأثر بصورة رئيسية بمستويات العرض والطلب وتوفر النقد الأجنبي، إلى جانب حجم التحويلات وتدفقات العملات المرتبطة بالتجارة والاستيراد.
وأشار إلى أن ارتفاع الطلب على العملات الأجنبية خلال الفترة الأخيرة ارتبط بزيادة احتياجات التجار والمستوردين، في وقت يتراجع فيه المعروض من النقد الأجنبي، ما انعكس على سعر الجنيه مقابل العملات الرئيسية.
تفاوت أسعار الدولار بين مدن دارفور
وقال تاجر عملات في مناطق خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع لـ"الشرق"، إن أسعار صرف الدولار تشهد تفاوتاً ملحوظاً بين مدن دارفور، عازياً ذلك إلى اختلاف مستويات السيولة النقدية، وحركة التجارة، وتوفر العملات الأجنبية من مدينة إلى أخرى.
وأضاف أن سعر الدولار في مدينة الضعين يبلغ نحو 500 جنيه للبيع، وقد يصل إلى 505 جنيهات في بعض التعاملات، بينما يتراوح في نيالا، وفق تقديره، بين 450 و495 جنيهاً.
وأشار إلى اتساع الفجوة بين أسعار الصرف في دارفور، وتلك المتداولة في بورتسودان والخرطوم، حيث يصل سعر الدولار في السوق الموازية إلى نحو 800 جنيه، بحسب إفادته.
وقال إن سوق الصرف في دارفور، لا تستند إلى بورصة محلية للعملات، وإنما تتأثر بدرجة كبيرة بتوافر النقد الأجنبي وحركة التجارة، ولا سيما تجارة المواشي والصادرات والواردات، إلى جانب ارتباط بعض التعاملات بأسواق إقليمية، من بينها جوبا ودبي.
ولفت إلى أن الفارق بين سعر الدولار النقدي وسعره في التعاملات المصرفية والتحويلات الرقمية يتسع بصورة لافتة، موضحاً أن سعر البيع نقداً قد يبلغ نحو 505 جنيهات، في حين تصل القيمة المقابلة في بعض التعاملات المصرفية عبر تطبيق "بنكك" إلى نحو 760 جنيهاً، مع اختلاف سعر الاستلام تبعاً لطريقة التحويل وطبيعة المعاملة.
وأشار إلى أن مصادر النقد الأجنبي في دارفور تعتمد بصورة رئيسية على حركة الصادرات والواردات وتجارة المواشي، إضافة إلى نشاط التجار القادمين من دول الجوار. وقال إن عملات أجنبية، بينها الفرنك الإفريقي، تدخل في التداول التجاري، قبل تحويلها إلى الجنيه السوداني أو الدولار لتمويل شراء السلع وتغطية احتياجات التجارة.
وبحسب التاجر، فإن حركة انتقال العملات الأجنبية بين دارفور والدول المجاورة لا تواجه عوائق كبيرة، إذ يلجأ التجار إلى التحويلات المالية أو نقل النقد معهم لتمويل عمليات شراء السلع.
غياب البنوك وانقطاع الاتصالات
متعامل آخر في سوق العملات بدارفور، أوضح أن ضعف شبكات الاتصالات يمثل أحد أبرز القيود التي تواجه النشاط الاقتصادي في الإقليم، خصوصاً مع اعتماد جانب من التعاملات على التحويلات والخدمات المالية الرقمية.
وأضاف أن غياب البنوك العامة وانسحاب عدد من المؤسسات المصرفية من المنطقة، قلّصا دور القطاع المصرفي في تلبية احتياجات السوق، لافتاً إلى أن اختلاف العملات المتداولة بين المناطق الخاضعة لسيطرة أطراف مختلفة في السودان زاد من تعقيد حركة الأموال والتجارة.
وأشار المتعامل إلى أن البنوك لم تعد تؤدي، في أجزاء واسعة من دارفور، الدور الذي كانت تضطلع به في التعاملات اليومية، ما دفع التجار والمتعاملين إلى الاعتماد بدرجة أكبر على النقد والتحويلات البديلة وشبكات التجارة المحلية والإقليمية.
فجوة سعر الجنيه
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي قاسم الظاهر لـ"الشرق"، إن اختلاف سعر الجنيه السوداني بين السوق الرسمية والموازية، يعود بصورة أساسية إلى فقدان الحكومة السيطرة الكاملة على أدوات إدارة النقد وسعر الصرف، مشيراً إلى أن تمويل عجز الموازنة عبر طباعة النقود يزيد المعروض النقدي ويضغط على القوة الشرائية للجنيه مقابل العملات الأجنبية.
وأوضح أن الحكومة لا تستطيع تعديل السعر الرسمي للعملة بالسرعة التي يتحرك بها السوق، في حين يعيد السوق الموازية بصورة مستمرة تقدير قيمة الجنيه، وفقاً للعرض والطلب وتوافر العملات الأجنبية، ما يؤدي إلى اتساع الفجوة بين السعرين.
وأضاف أن غياب السوق المنظمة للعملات الأجنبية، بما يضم البنك المركزي والمصارف وشركات الصرافة وشركات الاستيراد والتصدير، يمثل أحد أسباب استمرار التباين، داعياً إلى إنشاء سوق للعملات ضمن المنظومة المالية الرسمية، بما يسمح بمراقبة حركة النقد الأجنبي وتعزيز الشفافية، ويتيح للبنك المركزي التدخل عبر آليات السوق.
وأشار إلى وجود سعر ثالث للعملة يُعرف بـ"الدولار الجمركي"، معتبراً أن تعدد أسعار الصرف يعكس الحاجة إلى توحيد أدوات وآليات تقييم وبيع العملات الأجنبية مقابل الجنيه السوداني.
واقع نقدي لمناطق السيادة والسيطرة
وفيما يتعلق بالسعر الذي تحدده سلطات الدعم السريع للعملة في مدينة نيالا، قال الخبير إن هذا السعر لا يستند، وفق تقديره، إلى منظومة اقتصادية متكاملة من العرض والطلب وحركة التجارة الخارجية، وإنما يرتبط بمحاولة فرض واقع نقدي وإظهار مظاهر للسيادة والسلطة في المناطق الخاضعة لسيطرة الدعم السريع.
ووصف الظاهر السعر المتداول في تلك المناطق بأنه "سعر رغائبي"، موضحاً أنه يعكس رغبة الجهة التي تحدده أكثر مما يستند إلى مؤشرات اقتصادية متكاملة، في ظل ضعف حجم التداول والتعاملات والرقابة الرسمية.
وأوضح أن محدودية النشاط الاقتصادي والمالي في تلك المناطق، تجعل السعر المعلن غير معبر بالضرورة عن القيمة الفعلية للجنيه، وفقاً لمؤشرات العرض والطلب وحركة التجارة الخارجية.
وخلص إلى أن التباين في أسعار الصرف داخل السودان، يرتبط بعوامل اقتصادية ونقدية من جهة، وبالانقسام السياسي والسيادي الذي أفرزته الحرب من جهة أخرى.
غياب المنظومة المصرفية
وقال الظاهر إن المناطق الخاضعة لسيطرة الدعم السريع، تعاني من عدم اكتمال المنظومة المالية والنقدية، في ظل غياب منظومة مصرفية وسياسات نقدية ومالية وتشريعات اقتصادية متكاملة، مقارنة بالمنظومة المالية الواقعة تحت إدارة الدولة وبنك السودان المركزي.
وأوضح أن الحكومة اتخذت إجراءات للحد من تأثير المناطق الخاضعة لسيطرة الدعم السريع على الاقتصاد السوداني، شملت تقييد التبادل التجاري والسلعي، ما أدى إلى صعوبات في حركة التجارة وتداول السلع بين مناطق السيطرة المختلفة.
وأشار إلى أن مناطق سيطرة الدعم السريع تعاني أيضاً من محدودية حجم التبادل السلعي والكتلة النقدية، فضلاً عن عدم وجود بنك مركزي يتولى إدارة سوق النقد الأجنبي وضبط عرض العملات المختلفة، مثل الدولار والدرهم واليورو، وفقاً لحركة العرض والطلب.
وأضاف أن غياب مؤسسة نقدية مركزية في تلك المناطق يؤدي إلى عدم اكتمال إدارة الاقتصاد بشقيها النقدي والمالي، ويخلق فجوة بين حجم الكتلة النقدية المتداولة والقيمة الفعلية للعملة.
وفي سياق متصل، أشار الخبير إلى مشكلة أخرى نتجت عن الحرب، تتمثل في وجود أرصدة مصرفية رقمية لا يقابلها بالضرورة نقد فعلي متاح في النظام المصرفي، موضحاً أن بعض الحسابات قد تظهر فيها أرصدة مالية، بينما تواجه البنوك صعوبة في توفير قيمتها النقدية.
وقال إن الفجوة بين الكتلة النقدية الفعلية الموجودة في السوق والأرصدة الرقمية المسجلة في الحسابات المصرفية أصبحت، بحسب تقديره، أحد العوامل التي ساهمت في تفاقم أزمة سعر الصرف، إلى جانب عوامل أخرى مرتبطة بطباعة العملة والاضطرابات التي أصابت النظام المالي خلال الحرب.
شبكات محلية وخارجية لتوفير الدولار في السوق الموازي
بدوره، قال محمد الخاتم إسماعيل، الباحث في شؤون الاقتصاد السوداني لـ"الشرق"، إن آلية تحديد أسعار العملات في السوق الموازي تقوم بصورة أساسية على عوامل العرض والطلب والتنافس بين تجار العملة، مشيراً إلى أن تطور هذه الأسواق واعتمادها المتزايد على منصات التواصل الاجتماعي خلقا واقعاً أقرب إلى "البورصة" للجنيه السوداني.
وأوضح إسماعيل أن مصادر تغذية الأسواق السودانية بالنقد الأجنبي تنقسم إلى سيولة محلية نقدية، سواء كانت مودعة في الحسابات المصرفية أو متداولة في السوق، وأخرى عبارة عن أرصدة أجنبية افتراضية يجري تداولها عبر السوق الموازية خارج السودان.
وأشار إلى أن السيولة المحلية تظل محدودة وغير فعالة، بحسب تقديره، نتيجة العزلة المصرفية للسودان عن النظام المالي العالمي، مبيناً أن مصادرها تشمل مدخرات المغتربين التي يجري ضخها في السوق، وبعض العمليات المالية المرتبطة بالوجود الأجنبي الرسمي وغير الرسمي، إضافة إلى شبكات التهريب والاتجار بالبشر، والتجارة العابرة للحدود.
وأضاف أن الأرصدة الأجنبية الافتراضية المتداولة خارج السودان تتجمع من تحويلات المغتربين عبر قنوات وشبكات مالية معقدة، تنتهي في نقاط تجميع كبيرة تُستخدم لتسوية فواتير المشتريات الحكومية والخاصة من خلال السوق الموازية.
العزلة المصرفية
وعزا إسماعيل القفزة الكبيرة في أسعار صرف الجنيه مقابل العملات الأجنبية إلى مجموعة من العوامل، في مقدمتها العقوبات والقيود الاقتصادية والعزلة المصرفية التي يعاني منها السودان، والتي تحد، وفق تقديره، من قدرة الاقتصاد على الاستفادة من تحويلات المغتربين وحصائل الصادرات.
وأوضح أن صعوبة التعامل مع النظام المالي العالمي تعقد عمليات الاستيراد والتصدير، وتدفع المتعاملين إلى الاعتماد على سلاسل طويلة من الوسطاء، ما يزيد تكلفة التجارة ويطيل آجالها، فضلاً عن اضطرار المنتجين السودانيين في بعض الحالات إلى بيع صادراتهم بأسعار أقل للوسطاء.
وأشار إلى أن بدء تعافي النشاط الاقتصادي، وعمليات إعادة الإعمار، وعودة الشركات والسكان إلى ولايات الوسط أدى إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية، لتغطية احتياجات الأسواق والشركات التي توقفت خلال سنوات الحرب.
وأضاف أن استمرار نزوح أعداد كبيرة من الأسر السودانية إلى دول الجوار وخارجها أدى، بحسب تقديره، إلى تراجع تدفقات تحويلات المغتربين التي كانت تضخ بصورة دورية في السوق السودانية عبر قنوات السوق الموازية.
وقال إسماعيل إن تعطل وتراجع الإنتاج الزراعي والحيواني في المناطق الآمنة، إلى جانب خروج مناطق واسعة من كردفان ودارفور من الدورة الاقتصادية، قلص موارد النقد الأجنبي التي كان يوفرها الاقتصاد السوداني، بما في ذلك الصمغ العربي والفول السوداني والثروة الحيوانية.
وأوضح أن هذا التراجع تزامن مع ارتفاع فواتير الاستيراد المرتبطة بإعادة الإعمار واحتياجات الحرب، بما فيها الوقود والمعدات، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين الطلب على العملات الأجنبية والمعروض منها، وانعكس على سعر الجنيه.
ضعف السياسات والتهريب يفاقمان الاضطراب
وأشار الباحث إلى أن ارتفاع أسعار الصرف يرتبط أيضاً، وفق تقديره، بغياب سياسات اقتصادية واضحة لإدارة الاقتصاد الكلي وتنظيم عمليات الاستيراد في ظل الحرب، إلى جانب ضعف الحوكمة وتضارب المصالح والنزاعات داخل المؤسسات المالية والترهل الوظيفي في أجهزة الدولة.
وأضاف أن اتساع عمليات التهريب والتجارة غير المنظمة والعابرة للحدود للموارد السودانية، وبيع سلع مثل الذهب والمحاصيل والثروة الحيوانية خارج النظام المصرفي الرسمي وفي الأسواق المجاورة، يمثل عاملاً إضافياً في تقليص تدفقات النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية وإضعاف قدرة الاقتصاد على الاستفادة من عائدات صادراته.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.