Daily MaverickWHAT’S COOKING: Snoek pâté with a mango-jerepigo relishRTP DesportoRonaldo envia mensagem a Messi afirmando respeito pelas conquistas que o jogador fez pelo seu paísBollywood HungamaNana Patekar’s funeral to be held with full state honours, confirms Maharashtra CM Devendra FadnavisPunchFG urges scrap dealers to suspend strike, promises steel sector reformESPN DeportesVinícius cae y Diomande sube: nuevos valores del Real MadridCNN TürkFındıkta ağustos ayı işlem hacmi belli olduInquirerDOJ airs warning, concerns on PWD IDsZDF heuteEntdecken Sie das ZDF-NachrichtenstudioCollider‘Avengers: Doomsday’ Is Officially a Box Office Hit Ahead of December PremiereSouth China Morning PostTo retire or not to retire? Malaysia divided over working past 60Digital SpyCelebrity Traitors and Coronation Street star confirmed for huge Lifetime Achievement awardFootball ItaliaMcKennie set to overtake Locatelli as Juventus appearance leader in the current squad
The Daily Newsstand · Free, Always
Thursday, October 8, 2026

شارل مالك وهايدغر: عندما أصبح السؤال وطناً

Translate

في منتصف ثلاثينيات القرن العشرين، اختار الشاب اللبناني شارل مالك أن يسافر إلى ألمانيا ليدرس عند مارتن هايدغر، أحد أهم فلاسفة القرن العشرين بحثًا في عمق سؤال الوجود. كان السؤال الذي يشغل هايدغر يبدو بسيطًا في صياغته، لكنه يفتح أبوابًا واسعة: ماذا يعني أن يكون الإنسان موجودًا؟ لم يكن مالك يعرف يومها إلى أين سيأخذه هذا السؤال.

ذهب إلى فرايبورغ، ودرس في محيط هايدغر الفلسفي، ثم عاد إلى الولايات المتحدة، حيث أنهى أطروحته للدكتوراه في الفلسفة من جامعة هارفرد عام 1937 بعنوان "ماورائيات الزمن في فلسفتي ألفرد نورث وايتهد ومارتن هايدغر". وخصّص فيها قسمًا مهمًا لتحليل فلسفة هايدغر وكتاب "الوجود والزمان". كان يمكن أن تبقى تلك المرحلة فصلًا من السيرة الأكاديمية لفيلسوف لبناني. لكن، حين ننظر إلى مسار مالك كله، تبدو كأنها بداية سؤال طويل سيتغير موضوعه مرة بعد مرة، من دون أن يفقد جذره.

من الوجود، إلى الإنسان ومن الإنسان، إلى الحرية. من الحرية إلى الحقوق، ومن الحقوق، إلى الدولة ومن ثم إلى لبنان. هنا تكمن جاذبية مسيرة شارل مالك. هايدغر لم يعطِه برنامجًا سياسيًا، ولا يمكن اختزال فكر مالك أو مواقفه في تأثير فيلسوف واحد. لكن تجربة هايدغر كانت جزءًا من المرحلة التي تبلور فيها عنده عمق السؤال الفلسفي؛ ذلك الإحساس بأن وراء كل مفهوم كبير سؤالًا أعمق، وأن الإجابات السريعة قد تخفي المشكلة بدل أن تحلها. وهذا السؤال سيرافقه خارج قاعة الفلسفة.

حين أصبح الإنسان هو السؤال

بعد عودته إلى لبنان، دخل شارل مالك الحياة الأكاديمية، ودرّس الفلسفة في الجامعة الأميركية في بيروت، وأسهم في تطوير دراسة الفلسفة والفكر الحضاري فيها. لكن العالم من حوله كان يدفع الفلسفة إلى مكان آخر. كانت الحرب العالمية الثانية قد كشفت إلى أي حد يمكن أن يتحول الإنسان إلى ضحية للتاريخ والدولة والإيديولوجيا. وبعد الحرب، لم يعد السؤال عن الإنسان سؤالًا فلسفيًا مجردًا. صار سؤالًا سياسيًا وقانونيًا وأخلاقيًا. وهنا يظهر مالك في الأمم المتحدة. ففي عام 1947، دخل مالك في صميم العمل الدولي المتعلق بصياغة الإعلان العالمي لشرعة حقوق الإنسان، وعمِل مقررًا للجنة حقوق الإنسان، وشارك مع إليانور روزفلت وبنغ-شون تشانغ وسواهما في المسار الذي قاد إلى الإعلان. وفي عام 1948، ترأس اللجنة الثالثة للجمعية العامة خلال المناقشات النهائية للنص في باريس.

لم يكن مالك «كاتب الإعلان» وحده. الإعلان كان ثمرة عمل جماعي، شاركت فيه شخصيات ودول ونخب فكرية وقانونية مختلفة. لكن موقعه كان مركزيًا في هذه العملية. وهنا يمكن أن نرى السؤال القديم من فرايبورغ وقد تغيّر.

لم يعد السؤال عن الوجود في ذاته

تغيّر الطرح مع الوقت وأصبح: ما الذي يجعل وجود الإنسان جديرًا بالحماية؟ ومن هنا جاءت قضية الحرية والكرامة والحقوق. كان مالك يدخل إلى النقاش الدولي محمّلًا بتكوينه الفلسفي، وبخبرته في التفكير في الإنسان بوصفه أكثر من مجرد فرد داخل نظام سياسي. وفي النقاش حول حقوق الإنسان، ظهرت لديه قناعة بأن الإنسان لا يمكن أن يكون مجرد موضوع لسلطة الدولة؛ فهو أيضًا صاحب حقوق تضع حدودًا لهذه السلطة.

بدأ السؤال الفلسفي يقترب من السياسة، منتقلاً من الإنسان إلى الدولة: فإذا كانت الحقوق لا تعيش في الفراغ، فمن يحمي الإنسان ويحمي حريته؟ وماذا يحدث عندما تصبح الدولة نفسها مصدرًا للخطر؟

هنا دخلت الدولة إلى عالم مالك. في أزمة 1958، كان لبنان يعيش مواجهة سياسية وأمنية عميقة حيث كان المد العربي بقيادة جمال عبد الناصر يقرع أبواب السيادة اللبنانية، وكان مالك وزيرًا للخارجية في حكومة سامي الصلح، كما تولى وزارة التربية الوطنية في المرحلة الأولى من تلك الحكومة، في عهد الرئيس كميل شمعون. وفي مواجهة الأزمة، تحرك داخل المؤسسات الدولية، ورفع قضية لبنان إلى مجلس الأمن، فيما ارتبط موقفه بمسألة حماية استقلال لبنان وسيادته وباللجوء إلى الآليات الدولية في مواجهة الأزمة. وهنا أيضًا يبدو أثر السؤال الأول، لا بوصفه وصفة هايدغرية للسياسة، وإنما بوصفه طريقة في النظر. فالوجود السياسي ليس مجرد بقاء، والدولة ليست مجرد أرض وحدود ومؤسسات كما أن السيادة ليست كلمة في خطاب. كل هذه المفاهيم تحتاج إلى سؤال أعمق: ما الذي يجعل الدولة جديرة بأن توجد؟

لبنان يدخل إلى السؤال

في 4 حزيران 1956، ألقى مالك في الندوة اللبنانية محاضرة بعنوان "الوجود بالفعل". العنوان وحده لا يكفي للقول إن مالك كان يطبق فلسفة هايدغر على لبنان، ومن المهم ألا نتجاوز الأدلة. لكن وضع هذه المحاضرة في سياق مساره الفكري يجعلها لافتة؛ فبعد سنوات من العمل  على مفهوم الوجود، ثم الإنسان، ثم الحقوق والدولة، يعود السؤال إلى الوطن.

-        ماذا يعني أن يوجد لبنان؟

هل يكفي أن يكون لبنان قائمًا على الخريطة؟ هل يكفي أن تكون له دولة ومؤسسات ودستور؟ أم أن وجوده يحتاج إلى مضمون سياسي وأخلاقي يجعله جديرًا بالحياة؟ هنا يصبح الوجود أكثر من مفهوم فلسفي. يصبح قضية تاريخية وسياسية. وإذا كان هايدغر قد جعل سؤال الوجود مدخلًا إلى فهم الإنسان والعالم، فإن مالك أخذ هذا السؤال إلى فضاء آخر: كيف يمكن لجماعة سياسية وتاريخية أن تحقق وجودها وتحافظ عليه؟ لبنان، بالنسبة إليه، لم يكن مجرد دولة صغيرة تحتاج إلى الحماية. كان فكرة عن الحرية والتعدد والسيادة، ومجالًا لاختبار العلاقة بين الإنسان والجماعة والدولة.

ومن هنا، يصبح عنوان "الوجود بالفعل" أكثر إثارة للاهتمام. فالوجود الذي يُبحث عنه ليس مجرد حضور مادي، وإنما وجود يحتاج إلى أن يتحقق في التاريخ. وهذه هي النقطة التي يبدأ فيها السؤال الفلسفي بالاقتراب من السؤال الوطني.

-        حين تصبح الهوية مسؤولية

مالك، وهو أرثوذكسي، اختار أن يخاطب الموارنة مباشرة، مستعيدًا دورهم التاريخي في لبنان والشرق، ومحمّلًا إياهم مسؤولية خاصة تجاه الحرية ولبنان، من دون أن يحصر مسؤولية الوطن بهم وحدهم. هنا يتغير السؤال مرة أخرى. إذا كان الإنسان مسؤولًا عن الطريقة التي يعيش بها وجوده، فماذا عن الجماعة؟ هل تكون الهوية مجرد تعريف بالذات أم تصبح مسؤولية تجاه التاريخ والمستقبل؟ في نصوص مالك الموجهة إلى الموارنة، تتحول الحرية إلى مسؤولية، والتاريخ إلى أمانة، والهوية إلى فعل. وهكذا يقترب سؤال الوجود من سؤال آخر: ماذا نفعل بما ورثناه؟ لم يعد لبنان مجرد قضية وجود سياسي؛ صار أيضًا قضية مسؤولية تاريخية. وهذا السؤال سيصبح أكثر قسوة عندما يدخل لبنان الحرب.

حين تدخل الفكرة إلى السياسة

مع اندلاع الحرب اللبنانية عام 1975، انتقل مالك إلى مرحلة أكثر مباشرة في العمل السياسي. وساعد في تأسيس «جبهة الحرية والإنسان في لبنان» عام 1976، وهي ائتلاف من قوى وشخصيات مسيحية، تحوّل لاحقًا إلى «الجبهة اللبنانية». هنا لا تعود الفكرة في كتاب أو محاضرة أو مؤتمر دولي. تصير موقفًا سياسيًا. وهذه المرحلة تحتاج إلى قراءة دقيقة. فالجبهة كانت جزءًا من الاصطفاف المسيحي السياسي خلال الحرب، وبالتالي لا يصح تقديمها كأنها كانت إطارًا محايدًا أو خارج الانقسامات اللبنانية. لكن وجود مالك فيها يكشف شيئًا مهمًا في مساره: دفاعه عن الحرية والسيادة ووجود لبنان أصبح مرتبطًا بمشروع سياسي محدد في قلب الحرب.

وهنا يعود السؤال الذي بدأ في فرايبورغ، ولكن في صورة أشد قسوة. ماذا يفعل الإنسان عندما يشعر أن وجود وطنه نفسه مهدد؟ في الفلسفة، يمكن أن يبقى السؤال مفتوحًا. في السياسة، تأتي لحظة يصبح فيها الاختيار ضروريًا.

في 23 كانون الأول 1980، صدر عن الجبهة اللبنانية وثيقة "لبنان الذي نريد أن نبنيه"، وكان شارل مالك قد كتب نصها. وقدمت الوثيقة تصورًا واضحًا للبنان الذي تريده الجبهة: دولة حرة ومستقلة وذات سيادة، جمهورية ديمقراطية برلمانية تعددية ومنفتحة، تقيم علاقاتها بالدول الأخرى على أساس المساواة في السيادة والاحترام المتبادل.

لكن الوثيقة ذهبت أبعد من تحديد شكل الدولة. فقد دعت إلى إعادة النظر في الصيغة السياسية التي حكمت لبنان منذ 1943، بما يمكن أن يقود إلى نوع من اللامركزية أو الفيديرالية أو الكونفيديرالية ضمن إطار لبنان موحّد. كما شددت على الحريات الدينية، وسيادة القانون، والعدالة الاجتماعية، والحرية المسؤولة، واحترام الآخر والخير العام.

وفي الوقت نفسه، حملت الوثيقة بوضوح هواجس الجبهة في زمن الحرب. فقد جعلت من بقاء لبنان دولة حرة ومستقلّة وذات سيادة، وبقاء مجتمعه حرًا ومنفتحًا وتعدديًا، وبقاء الجماعة المسيحية حرة وآمنة وقادرة على الحفاظ على قيمها ومصيرها، قضايا أساسية لما سمّته "القضية اللبنانية". كما رفضت التقسيم وتوطين الفلسطينيين، وربطت وجود لبنان بحماية حرياته وباستمرار تفاعله مع محيطه العربي والعالم. هنا لم تعد المسألة وصف لبنان كما هو. صارت محاولة لرسم لبنان كما ينبغي أن يكون. وكأن السؤال الذي بدأ مع هايدغر عن معنى الوجود أخذ يطلب جوابًا سياسيًا: ليس فقط أن يوجد لبنان، وإنما أن يمتلك شكلًا من الوجود ينسجم مع الحرية والسيادة والتعدد.

الاختبار الأخير 1982

كان لبنان الذي دافع عنه مالك يحتاج إلى دولة حرة، مستقلة، ذات سيادة، قادرة على حماية الإنسان والتعدد. لكن الحرب كانت تقول إن الوصول إلى هذه الدولة أصعب بكثير من صياغتها في نص. وبعد اغتيال بشير الجميل في أيلول 1982، بدا كأن التاريخ نفسه يضع المشروع أمام أقسى اختبار ممكن.

وهنا تظهر المفارقة. كلما اقترب السؤال من الواقع، ازداد تعقيدًا، وكلما أصبحت الفكرة مشروعًا سياسيًا، ظهرت حدود قدرتها على التحكم بالتاريخ. وهذه ربما هي المسافة التي تفصل الفيلسوف عن رجل السياسة: الأول يستطيع أن يواصل السؤال، أما الثاني فعليه أن يقرر تحت ضغط الوقت والخطر والواقع. ومالك عاش المرحلتين معًا.

وعليه، تبدو مسيرة شارل مالك كرحلة سؤال واحد تغيّرت موضوعاته من دون أن يتغيّر جوهره. بدأ في الفلسفة سؤالًا عن الوجود، ثم أصبح سؤالًا عن الإنسان، وفي الأمم المتحدة عن الحرية وحقوق الإنسان، وفي السياسة الدولية عن الدولة والسيادة، وصولًا في لبنان إلى سؤال الوطن ومسؤوليته عن حماية الإنسان ووجوده.

لذا، يحضر هايدغر بوصفه جزءًا من البدايات الفكرية لهذا السؤال، لا بوصفه مشروعًا سياسيًا تبنّاه مالك. فالطرح خرج من قاعة الفلسفة ورافقه عبر القارات والمؤسسات والأزمات، متحوّلًا من الوجود إلى الإنسان، فالحرية والحقوق، وأخيرًا الوطن. وفي النهاية، لم يعد السؤال فلسفيًا أو سياسيًا فحسب؛ لقد أصبح وطنًا.

View the original on النهار →

KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.