دبلوماسيون: فون دير لاين فاجأت الاتحاد الأوروبي بمقترح منح كندا صفة "عضو منتسب"

أثار اقتراح رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين منح كندا صفة "عضو منتسب" في الاتحاد الأوروبي ارتباكاً داخل العواصم الأوروبية، بعدما طرحته من دون تشاور مسبق مع الدول الأعضاء، فيما سارعت أوتاوا إلى خفض سقف التوقعات بشأن الفكرة، حسبما نقلت "بوليتيكو" عن أربعة دبلوماسيين، قالوا إن حكوماتهم لم تُبلغ مسبقاً بالأمر.
وفاجأت فون دير لاين الحضور في مقر البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ، بالاقتراح خلال خطابها عن حالة الاتحاد، الأربعاء، إذ وجهت حديثها مباشرة إلى رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني من على منصة البرلمان الأوروبي.
وقالت: "أود أن أعمل معكم على فتح الباب أمام كندا لتكون أول عضو منتسب في الاتحاد الأوروبي"، وسط تصفيق حاد من أعضاء البرلمان الأوروبي وعناق مع كارني.
وذكرت "بوليتيكو" أنه بعد ساعات من الخطاب، بدأت كندا في خفض سقف التوقعات. وقال جوناثان ويلكينسون، السفير الكندي المقبل لدى الاتحاد الأوروبي، للصحافيين في ستراسبورغ، رداً على سؤال بشأن عضوية الانتساب: "لسنا عند هذه المرحلة. ما نركز عليه فعلياً هو تحقيق نتائج".
ووجدت فون دير لاين نفسها قد عرضت علناً وضعاً جديداً لم يوافق الاتحاد الأوروبي على استحداثه، ولم يتوصل إلى تعريف محدد له، فيما لا تبدو كندا نفسها متحمسة تماماً لتبنيه، بحسب "بوليتيكو".
استراتيجية "خطيرة"
ولم تأتِ الفكرة من فراغ. ففي ظل الضغوط التي تفرضها الرسوم الجمركية الأميركية وتهديدات دونالد ترمب بجعل كندا "الولاية الـ51"، تسعى أوتاوا إلى تقليص اعتمادها على جارتها الجنوبية، التي تستقبل نحو 70% من صادرات كندا، من خلال تعميق علاقاتها الاقتصادية والأمنية مع أوروبا.
وكانت أوتاوا تبحث إمكانية إقامة علاقة وثيقة بصورة استثنائية مع الاتحاد الأوروبي، وفق ما أوردته صحيفة "وول ستريت جورنال" للمرة الأولى الأسبوع الماضي. وأكد كارني علناً الطموح الأوسع، الأحد، قائلاً إن كندا لا تسعى إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، وإنما إلى "تحالف فريد" مع التكتل.
لكن قرار فون دير لاين الإعلان عن المقترح خلال أكبر مناسبة سياسية سنوية لها فاجأ دول الاتحاد الأوروبي، وفق أربعة دبلوماسيين أوروبيين قالوا إن حكوماتهم لم تُبلغ مسبقاً بالأمر.
ووصف أحد الدبلوماسيين التكتم على الفكرة بأنه "خطير" و"غير حكيم"، مشيراً إلى أن فون دير لاين لم تطرحها حتى خلال مأدبة غداء حديثة مع سفراء الاتحاد الأوروبي. وقال دبلوماسي آخر إن نسخة الخطاب التي تسلمتها حكومته مسبقاً لم تتضمن عبارة "العضوية المنتسبة".
وأثار دبلوماسي ثالث مطلع على المباحثات مع كندا مسألة مختلفة، قائلاً: "لا أحد يعرف فعلاً ما الذي تعنيه العضوية المنتسبة".
ورغم أن رئيسة المفوضية ليست ملزمة بإبلاغ العواصم مسبقاً بمضمون خطابها، فإن أي خطة رسمية لمنح كندا وضعاً استثنائياً ستحتاج إلى موافقة الدول الأعضاء في الاتحاد.
وأثارت الفكرة أيضاً تساؤلات حول إمكانية سعي بريطانيا إلى إبرام اتفاق مماثل. لكن مسؤولين في الاتحاد الأوروبي سارعوا إلى استبعاد ذلك، مؤكدين أن النموذج المقترح مخصص لدول لا يمكنها الانضمام إلى التكتل.
وقال مسؤول أوروبي رفيع المستوى: "على خلاف أوكرانيا ومولدوفا وجورجيا والنرويج والمملكة المتحدة، فإن كندا ليست في أوروبا. ولا يمكنها الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي".
وبموجب معاهدات الاتحاد الأوروبي والممارسات المؤسسية المعمول بها، هناك تمييز واضح بين العضوية والشراكة. فالكتلة تقيم علاقات وثيقة مع العديد من الدول غير الأعضاء، لكن الدول الـ27 الأعضاء فقط تتمتع بمقعد في المؤسسات السياسية الأساسية للاتحاد ودور رسمي في صياغة قوانينه.
وقال النائب الألماني في البرلمان الأوروبي عن الاشتراكيين والديمقراطيين، رينيه ريپاسي، لـ"بوليتيكو"، إن استحداث نموذج جديد للعضوية "سيتطلب فعلياً تغييراً في المعاهدة".
غياب التشاور
وظهر غياب التشاور الواسع داخل المفوضية نفسها أيضاً، إذ قال مسؤول يعمل في ملف التوسّع لـ"بوليتيكو" إن فريقه لم يشارك في أي نقاشات بشأن المقترح، وإنه لم يكن على علم به.
وفي أروقة البرلمان الأوروبي، أثار المقترح ردود فعل متباينة. وقال نيكولا بروكاتشيني، الرئيس المشارك لكتلة المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين اليمينية، لـ"بوليتيكو": "لم يكن أحد على علم بمقترح هذه العضوية الخاصة لكندا"، مضيفاً أنه "ليس واضحاً تماماً ما الذي تعنيه هذه العضوية فعلياً"، لكنه رأى أن المملكة المتحدة ينبغي أن تكون أول المستفيدين من مثل هذا الترتيب.
ورأى نائبان أوروبيان من تيار الوسط ومسؤول في البرلمان أن إعلان فون دير لاين ينبغي فهمه باعتباره محاولة لتسويق حزمة من العلاقات الأعمق في قطاعات معينة تسعى إليها كندا، إذ لا يوجد أساس قانوني في المعاهدات الحالية لمثل هذا الوضع الخاص بالعضوية.
وتجنب مكتب رئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا ميتسولا، في بيان صدر بعد اجتماعها مع كارني، الإشارة إلى الموضوع تماماً، قائلاً إن الزعيمين ناقشا "مجالات ذات إمكانات كبيرة لمزيد من التعاون الوثيق"، من المعادن الحيوية إلى الدفاع.
ورحب مكتب كارني بدفع بروكسل الأوسع نحو تعميق العلاقات، قائلاً بعد خطاب فون دير لاين إن كندا تريد تعزيز علاقتها بالاتحاد الأوروبي وتجاوز علاقة التجارة الحرة القائمة نحو "تحالف أقوى وأكثر طموحاً بكثير".
لكن أوتاوا حرصت، على الأقل علناً، على التمييز بين هذا الطموح وأي شكل من أشكال عضوية الاتحاد الأوروبي. وكان كارني قد قال الأسبوع الماضي إنه يريد إقامة "شراكة فريدة" مع بروكسل، لكنه تجنب استخدام عبارة "العضوية المنتسبة".
وحتى إذا أصبحت كندا منفتحة على الفكرة في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأكبر: ماذا ستعني العضوية المنتسبة فعلياً؟
وليس من الصعب تصور بعض أشكال العضوية شبه الكاملة، استناداً إلى الامتيازات الممنوحة لدول أخرى غير أعضاء.
فأيسلندا والنرويج وسويسرا وليختنشتاين تشارك جميعها في السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي عبر المنطقة الاقتصادية الأوروبية، كما تنتمي إلى منطقة شنجن التي تتيح حرية التنقل من دون جوازات سفر، رغم أنها ليست أعضاء في الاتحاد الأوروبي.
كما يستطيع مواطنو مولدوفا وأوكرانيا إجراء المكالمات وإرسال الرسائل النصية داخل الاتحاد الأوروبي من دون رسوم إضافية، بفضل برنامج التكتل "التجوال كأنك في بلدك".
وقال ريپاسي إن ما يمكن تصوره، من دون تعديل المعاهدات، هو التوجه نحو نموذج المنطقة الاقتصادية الأوروبية، واصفاً إياه بأنه "شكل من أشكال العضوية المنتسبة أساساً".
لكن نموذج المنطقة الاقتصادية الأوروبية يواجه تعقيدات خاصة به، إذ تندمج دول المنطقة بعمق في النظام التنظيمي للاتحاد الأوروبي، من دون أن يكون لها حق التصويت عند إقرار تشريعات التكتل.
وبحسب مسؤول أوروبي مطلع على المباحثات، فإن العضوية المنتسبة لن تكون مجرد إعادة تسمية للعلاقة الحالية بين الاتحاد الأوروبي وكندا، أو تعبيراً شاملاً عن علاقة أكثر قرباً، بل ستعني إنشاء فئة جديدة من الشركاء لتعزيز التجارة الحرة والتعاون في مجالات تشمل الدفاع والذكاء الاصطناعي والعلوم والتكنولوجيا المتقدمة.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.