InquirerSara Duterte trial: Prosecution forgoes CSC exec as witnessPunchSoludo’s wife donates relief materials to rehabilitated inmatesRTP DesportoJoão Ferreira e Filipe Palmeiro venceram a Baja de ReguengosBollywood HungamaEXCLUSIVE: Nani, Raghav Juyal, Sonali Kulkarni and Kayadu Lohar to attend MEGA The Paradise event in Mumbai ahead of releaseInquirer EntertainmentKim Chiu’s sis Lakam under police custody after arrest for qualified theftUOLVeja a previsão do tempo para Ivaiporã nesta segunda (21)ColliderThe Biggest Sci-Fi Hit of 2026 Is Officially Back in the Streaming SpotlightAntara NewsIndonesia eyes coal liquefaction to boost energy securityDeadlineEagle Eye Drama Acquires ‘The Great Dictator’, Matthew Sweet’s Biography Of Barbara Cartlandالشرقوزير الخارجية السعودي يبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية هاتفياً مع نظرائه في الكويت ومصر وتركياCBS NewsIran warns new U.S. assault would see it expand "geography of the war"Egypt IndependentPM, CBE Governor discuss economic reforms, FX reserves
The Daily Newsstand · Free, Always
Monday, September 21, 2026

بين "البيجر" والغاز... حين يُقتل القانون قبل أن يُقتل الجسد

Translate

‏في لحظة ما من التاريخ، توهّم البشر أنهم رَوَّضوا الحرب
صاغوا لها حدوداً في لاهاي، ورسموا لها سقفاً أخلاقياً في جنيف، وأقاموا لها محكمة في روما تُذكّر الطغاة بأن للدم ثمناً. 
لكن ما جرى في لبنان بين انفجار "البيجر" بين أيدي حامليه، وصولاً إلى المؤشرات الميدانية المقلقة حول إطلاق غازات وسامة وحارقة في تلة "علي الطاهر" بجنوب لبنان، لم يكن خرقاً عابراً لتلك الحدود، بل كان إعلاناً هادئاً – بلا بيان ولا مؤتمر صحافي – عن نهاية عصر قانوني بأكمله. 
لم تُقتل الضحايا وحدها في تلك اللحظات؛ بل قُتلت معها فكرة أن للحرب ضميراً.
‏أولاً: حين يتحول جهازك اليومي إلى حكم إعدام مؤجل، ‏فثمة فارق جوهري بين أن يُقتل المرء في ساحة معركة يعرف أنه دخلها، وبين أن يُقتل وهو يمد يده نحو جهاز اتصال في جيبه، غافلاً عن أنه يحمل موته بين أصابعه. هذا الفارق هو بالضبط ما تُجرّمه "اتفاقية لاهاي" لعام 1907 حين تحظر في مادتها الـ23 "الغدر" وسيلةً للقتل، وما يُصنّفه "نظام روما الأساسي" في مادته الثامنة جريمة حرب موصوفة، هجوم يُشن عمداً، عالماً بأنه سيحصد أرواحاً مدنية تتجاوز أي "ميزة عسكرية" يمكن تبريرها.
‏فحين حوّل جهاز استخباراتي آلاف الأجهزة اللاسلكية الإستهلاكية إلى كمائن متفجرة تنفجر في الأسواق والمستشفيات وبيوت المدنيين، لم يكن ذلك ابتكاراً تقنياً يُحتفى به في نشرات الأخبار، بل كان انقلاباً على مبدأين يشكلان جوهر القانون الدولي الإنساني: "مبدأ التمييز" الذي يفصل بين المقاتل والمدني، و"مبدأ التناسب" الذي يمنع أن يُدفع ثمن باهظ من الدم في مقابل هدف عسكري هزيل. 
نعم لقد سقط المبدآن معاً في الثانية التي انفجر فيها أول جهاز.
‏ثانياً: حين يعود الفوسفور والغاز إلى ساحة قيل إنها ودّعتهما إلى الأبد...
‏لم يكتفِ هذا الإنحدار بالتكنولوجيا المدمجة؛ بل امتد ميدانياً إلى الجبهة الأمامية وتحديداً في محيط تلة "علي الطاهر" الإستراتيجية بالنبطية، حيث تشير المؤشرات إلى استخدام مواد كيميائية وغازات سامة وخانقة ضد التحصينات والأنفاق الميدانية، في مخالفة مباشرة لـ"بروتوكول جنيف لعام 1925" و"اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية" (CWC).
‏تُجرم المادة 8 من نظام روما الأساسي استخدام "الغازات الخانقة أو السامة أو غيرها من الغازات وجميع ما في حكمها من السوائل أو المواد أو الأجهزة"، وتعتبرها جريمة حرب لا تسقط بالتقادم، لا بمرور السنين ولا بازدحام العالم بأخبار حروب أخرى. 
‏كما أن الإستخدام الموثق لمادة الفوسفور الأبيض بتركيزاتٍ حارقة في مناطق مأهولة أو ضد تحصينات دفاعية يُخالف البروتوكول الثالث لإتفاقية الأسلحة التقليدية المعنية، إذ تسببت هذه المواد في إحداث "آلام مبرحة ومعاناة لا مبرر لها"، وهو المبدأ الأساسي الذي تمنعه اتفاقيات لاهاي أصلاً لكبح وحشية الحروب.

‏ثالثاً: العالم الذي يصمت، والدولة التي تتلعثم ثم توقّع.
فرغم حجم الكارثة الإنسانية والخرق الفاضح لهذه المواثيق، جاءت ردود الفعل السياسية لتكرس واقعاً مرعباً على مستويين متلازمين:
‏أ- الصمت الدولي وسياسة الإفلات من العقاب، فاكتفت المنظمات الأممية الكبرى بإصدار بيانات قلق عامة، في حين مارست القوى العظمى ضغوطاً لتعطيل أي تحقيق شفاف وصارم بموجب "نظام روما"، مما جعل هذه الهيئات تبدو كأنها توفر مظلة حماية دولية لإفلات الجناة من العقاب. 
‏هذا الصمت الممنهج يُشرعن نمطاً جديداً من الحروب يهدد الأمن السلمي العالمي.

‏ب- الشلل السياسي اللبناني والعجز عن "الولاية القضائية": فعلى الصعيد المحلي، اتسم الموقف الرسمي اللبناني بالإرتباك والعجز عن صوغ استراتيجية قانونية هجومية. 
‏ورغم تحرك وزارة الصحة الإنساني، فشلت الدولة اللبنانية في استغلال الآليات الدولية المتاحة، كتقديم شكاوى مدعمة بالتوثيق الجنائي الفني إلى مجلس الأمن، أو طلب تفعيل آليات التحقيق الخاصة بالأمم المتحدة. 
هذا التردد ينبع من الإنقسام العمودي المزمن والخوف من التوازنات السياسية، مما جعل السيادة اللبنانية مستباحة تكنولوجياً وعسكرياً عن المبادرة، بل مضت خطوة أبعد نحو تكبيل يدها بيدها: ففي 26 يونيو 2026، وقّع لبنان في واشنطن، برعاية أميركية، "اتفاق الإطار" المؤلف من أربعة عشر بنداً مع إسرائيل، وتضمّن هذا الإتفاق في بنده الثالث عشر تعهداً متبادلاً بالإمتناع عن اللجوء إلى "الأعمال العدائية أو الضارة" في المحافل السياسية والقانونية الدولية. 
وبصرف النظر عن الجدل القانوني حول الطبيعة غير الملزمة لهذا الإتفاق، فإن الدلالة الرمزية للبند تبقى فادحة: دولة ضحية تُقايض حقها – وحق ضحاياها – في طلب العدالة، بوعد انسحاب مؤجل لا جدول زمنياً محدداً له. 
‏وهكذا يجتمع العجز البنيوي مع التنازل الطوعي ليُغلقا معاً الباب الذي كان يفترض أن يُطرق بقوة أمام كل محفل دولي مختص.
‏وحين يتلاشى "العقد" ويعود "الغاب" يذكّرنا هذا المشهد بما تخيّله الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز قبل أربعة قرون: أن البشر، في "حالة الطبيعة" التي تسبق القانون، يعيشون في حرب الكل ضد الكل، حيث لا سلطة تردع، ولا معيار يُحتكم إليه سوى القوة العارية. 
‏ولم يخرج الإنسان من تلك الحالة، بحسب هوبز، إلا حين قبل أن يتنازل عن جزءٍ من حريته المطلقة لمصلحة "عقد" جماعي يضمن له الأمن في مقابل الإنصياع لقانون فوق الجميع.
القانون الدولي الإنساني، من لاهاي إلى روما، لم يكن إلا محاولة لعقدٍ شبيه على مستوى الأمم، عقد يقول إن الحرب، مهما استعرت، تبقى محكومة بحدود لا تُمس. لكن حين تُخترق تلك الحدود بلا حساب، وحين يتحول الصمت الدولي إلى غطاء بدل أن يكون رادعاً، وحين توقّع الضحية بيدها على تنازلها عن حقها في المطالبة، فإن العالم لا يعود فقط إلى ما قبل نظام روما؛ إنه يعود، كما تنبأ هوبز، إلى "حالة الطبيعة" ذاتها، حيث القوة وحدها تصنع الحق، وحيث لا فرق بين جهاز اتصال وسلاح، ولا بين تلة عسكرية وقرية آمنة.
‏وأخيراً، فإن التغاضي عن جريمة "البيجر" واستخدام الغازات السامة في "علي الطاهر" ليسا مجرد هزيمة سياسية لخصوم إسرائيل، بل انهيار مدوٍ للمنظومة القانونية التي تلت الحرب العالمية الثانية. 
وإذا حُيدت اتفاقيات لاهاي وجُمد نظام روما الأساسي بفعل الصمت والتواطؤ، وإذا تحولت الضحية نفسها إلى موقّع على تنازلها، فإن الحروب القادمة سوف لن تعرف محرمات، وستتحول التكنولوجيا الإستهلاكية وسلاسل الإمداد العالمية إلى حقول ألغام شرعية بموجب الأمر الواقع.

View the original on النهار

KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.

بين "البيجر" والغاز... حين يُقتل القانون قبل أن يُقتل الجسد — KioskNews