عقد من الرؤية.. أرقام تكشف تنامي القطاع الثقافي السعودي

تواصل الثقافة السعودية تعزيز حضورها بوصفها قطاعاً اقتصادياً واجتماعياً متنامياً، يتجاوز دوره إنتاج الفعاليات والمحتوى الإبداعي إلى توفير فرص العمل، وجذب الاستثمارات، وتوسيع قاعدة المشاركة المجتمعية.
وتكشف أرقام تقرير "الحالة الثقافية لعام 2025" الصادر حديثاً، عن تحولات في بنية القطاع، شملت ارتفاع أعداد العاملين والمنشآت الثقافية، وتوسع الأنشطة والمرافق، ونمو بعض مؤشرات الإنتاج الثقافي، بالتوازي مع تحديات تتعلق باستدامة المشاريع، وتنمية الكفاءات، وتفاوت مستويات المشاركة بين المجالات الثقافية.
يستعرض التقرير، الذي يرصد واقع الثقافة السعودية خلال عام 2025، مؤشرات تتصل بالاقتصاد الثقافي والإنتاج الإبداعي والتعليم والتدريب والمشاركة المجتمعية، في وقت تسعى فيه المملكة إلى ترسيخ الثقافة بوصفها أحد القطاعات المساهمة في التنويع الاقتصادي ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030.
نمو المهن الثقافية
على المستوى الاقتصادي، تشير بيانات التقرير إلى وصول عدد العاملين في المهن الثقافية إلى نحو 283 ألف عامل وعاملة في عام 2025، بزيادة تقارب 21 ألفاً ونسبة نمو بلغت 8%، في مؤشر على اتساع فرص العمل المرتبطة بالأنشطة الثقافية والإبداعية، وبلغ معدل التوطين 8.5%.
فيما بلغت مشاركة المرأة نحو 10% من إجمالي العاملين في المهن الثقافية، وترتفع النسبة إلى 22.2% عند استبعاد مهن الطهي والأزياء، ما يعكس اختلاف مستويات المشاركة النسائية بين الأنشطة والمهن الثقافية.
نمو القطاع الثقافي
وفي جانب المنشآت، سجّل القطاع الثقافي نمواً ملحوظاً، إذ ارتفع عدد المؤسسات التجارية النشطة في الأنشطة الثقافية من نحو 38 ألف مؤسسة عام 2021 إلى أكثر من 51 ألف مؤسسة عام 2023، ما يبرز الدور المتنامي للمنشآت في النشاط الاقتصادي الثقافي، وتوسّع الاستثمارات ودعم المشاريع الثقافية
كما شهد عام 2025 استمرار الجهود الرامية إلى تطوير البيئة الاستثمارية للقطاع الثقافي، من خلال برامج التمويل والدعم الموجهة إلى المنشآت والمشاريع الإبداعية. إذ ارتفع حجم الدعم المقدم من الصندوق الثقافي إلى 376 مليون ريال سعودي، بنسبة نمو بلغت 93% مقارنة بعام 2024، في إطار توسيع الأدوات التمويلية الداعمة للقطاع.
كما رصد التقرير إطلاق عدد من المبادرات المرتبطة بالاستثمار الثقافي، من بينها برامج لدعم المشاريع والمنشآت، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص في تمويل الأنشطة الثقافية وتطويرها، ما يعكس توجهاً نحو تنويع مصادر التمويل، وتقليل الاعتماد على الدعم الحكومي المباشر، بما يتيح للمشاريع الثقافية فرصًا أكبر للنمو والاستدامة.
الإنتاج الثقافي
على مستوى الإنتاج الإبداعي، أظهرت بيانات التقرير تبايناً في أداء المجالات الثقافية، مع تسجيل نمو في بعض الأنشطة وتراجع في أخرى.
ففي قطاع الأدب والنشر، بلغ عدد الأعمال الأدبية المرصودة 715 عملًا أدبياً.
وفي مجال الترجمة، سجّلت مبادرة "ترجم" ترجمة 847 كتاباً من العربية وإليها، بما يعكس استمرار الجهود الرامية إلى تعزيز حركة الترجمة والتبادل المعرفي.
فيما شهد قطاع البحث والنشر العلمي في المجالات الثقافية، تراجعاً في حجم الإنتاج مقارنة بالعام السابق، في مقابل استمرار جهود تطوير البحث الثقافي وتوسيع مجالاته.
وفي قطاع الأفلام، بلغ إجمالي الأفلام المعروضة للمرة الأولى 54 فيلماً، بينما واصل القطاع حضوره في المهرجانات والمحافل الدولية.
ورغم هذا التراجع، أظهرت بيانات العروض السينمائية استمرار النشاط الجماهيري، إلى جانب اتساع حضور الأفلام السعودية في الفعاليات المتخصصة.
العروض الأدائية والمسرحية
في المقابل، سجّل قطاع الفنون الأدائية والمسرحية نمواً في عدد العروض خلال عام 2025، حيث بلغ عدد العروض المرصودة 238 عرضاً، بزيادة قاربت الضعف مقارنة بعام 2024، ويشير هذا النمو إلى اتساع النشاط المسرحي والفني، مع استمرار التحديات المتعلقة بتطوير البنية الإنتاجية وتوسيع قاعدة الجمهور وتعزيز استدامة المؤسسات العاملة في القطاع.
وفي مجال الأزياء، رصد التقرير إقامة 32 معرضاً، بما يعكس تنامي حضور هذا المجال ضمن الصناعات الثقافية والإبداعية.
كما أظهرت بيانات قطاع العمارة والتصميم، استمرار النشاط في الفعاليات والمعارض المتخصصة، بالتوازي مع اتساع الاهتمام بالتصميم بوصفه مجالاً يجمع بين القيمة الإبداعية والفرص الاقتصادية.
التدريب الثقافي
وفي مجال التعليم والتدريب، كشف التقرير عن توسّع البرامج الموجهة لتنمية القدرات الثقافية، إذ بلغ عدد البرامج التدريبية المقدّمة 875 برنامجاً خلال عام 2025، شملت مجالات الفنون البصرية والمسرح والفنون الأدائية والموسيقى والتصميم وغيرها.
كما بلغ عدد الملتحقين ببرنامج الابتعاث الثقافي 278 مبتعثاً ومبتعثة.
وفي مجال تنمية المواهب، سجّل برنامج "موهوبو العمارة والتصميم" مشاركة 133 طالباً وطالبة، إلى جانب اكتشاف 165 موهبة عبر البرامج والفعاليات.
وتعكس هذه الأرقام توسع الاستثمار في رأس المال البشري الثقافي، في ظل الحاجة إلى تأهيل كوادر قادرة على إدارة المشاريع والمؤسسات الثقافية، وتطوير المحتوى والمنتجات الإبداعية.
المشاركة الثقافية
وعلى صعيد المشاركة المجتمعية، أظهرت بيانات التقرير استمرار نمو بعض أنماط المشاركة الثقافية، مع تفاوت مستويات الإقبال بين المجالات.
وسجّلت المرافق الثقافية نمواً في أعداد زوارها، إذ بلغ عدد زوار المتحف الوطني السعودي 444,540 زائراً، فيما استقبلت مكتبة الملك فهد الوطنية 399,605 زائراً.
كما سجّلت المكتبات العامة توسعاً في أنشطتها وبرامجها، بما يعكس تنامي دورها بوصفها مساحات للتعلم والتفاعل المجتمعي، إلى جانب وظيفتها التقليدية في إتاحة مصادر المعرفة.
وفي قطاع الكتب، شهد معرض الرياض الدولي للكتاب مشاركة واسعة، إذ بلغ عدد زواره 1,380,737 زائراً، في مؤشر على استمرار الحضور الجماهيري للفعاليات الكبرى المرتبطة بالقراءة والنشر.
السياحة الثقافية
أما السياحة الثقافية، فأظهرت بيانات التقرير تراجعاً في بعض مؤشرات المشاركة مقارنة بالعام السابق، مع استمرار حضور المواقع التاريخية والتراثية ضمن الأنشطة السياحية.
ورصد التقرير تراجعاً في أعداد الزوّار في بعض المواقع الثقافية، مقابل استمرار الإقبال على المهرجانات والفعاليات المرتبطة بالتراث والفنون. ويعكس هذا التباين اختلاف أنماط الاستهلاك الثقافي، ومدى ارتباط المشاركة بطبيعة الفعاليات وتوزيعها الجغرافي وتوقيت إقامتها.
كما أشار التقرير إلى استمرار التوسّع في المرافق والبنية التحتية الثقافية، بما يشمل المكتبات والمتاحف والمواقع التراثية، ضمن الجهود الرامية إلى زيادة فرص الوصول إلى الأنشطة الثقافية في مختلف مناطق المملكة.
استدامة الاقتصاد الثقافي
تكشف مؤشرات الحالة الثقافية لعام 2025، عن مرحلة تتسم بتوسع النشاط الثقافي على مستويات عدّة، سواء من حيث التوظيف أو المنشآت أو التدريب أو المشاركة المجتمعية.
ومع هذا التوسّع وارتفاع أعداد العاملين واتساع قاعدة المنشآت وتنامي أدوات التمويل، تبرز أهمية تطوير الكفاءات الإدارية والتخصصية، وتعزيز الاستثمار الخاص، ورفع كفاءة المؤسسات الثقافية، وربط الإنتاج الإبداعي بسلاسل القيمة الاقتصادية.
وبينما تواصل المملكة بناء منظومتها الثقافية ضمن رؤية 2030، تشير نتائج التقرير إلى أن المرحلة المقبلة لا تتعلق فقط بزيادة عدد الفعاليات والمشاريع، بل بقدرة القطاع على تعظيم أثره الاقتصادي والاجتماعي، وتوفير فرص عمل نوعية، وتحويل النمو الثقافي إلى صناعة أكثر استدامة وتنافسية.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.