تحذير دولي من مجاعة بالسودان.. والبرهان يتمسك بالحرب

وجهت الولايات المتحدة ودول أوروبية وعشرات الشركاء الدوليين تحذيراً جماعياً من اقتراب السودان من مجاعة واسعة النطاق، مطالبة طرفي الحرب برفع جميع القيود المفروضة على المساعدات الإنسانية وحماية العاملين في الإغاثة والمنشآت المدنية.
ويحوّل التحذير الجديد الجوع في السودان من ملف إنساني إلى قضية ضغط دبلوماسي، في وقت تتمسك فيه قيادة الجيش السوداني بخطاب الحسم العسكري، وتضع شروطاً مسبقة أمام الهدنة، رغم أن ملايين المدنيين لا يملكون ترف انتظار نتيجة حرب مستمرة منذ أبريل 2023.
وقال البيان المشترك، الذي نشرته وزارة الخارجية الأميركية ووقعت عليه دول بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وأستراليا، إلى جانب مسؤولين أوروبيين، إن الأمن الغذائي في السودان يشهد تدهوراً خطيراً يستدعي تحركاً عاجلاً لمنع المجاعة.
وشدد الموقعون على أن طرفي النزاع يتحملان المسؤولية الأساسية عن تخفيف معاناة السودانيين، وطالبوهما بالسماح بعمليات الإغاثة عبر جميع الطرق العابرة للحدود وخطوط القتال، بما في ذلك فتح وصول جوي إلى إقليم دارفور. كما دعوا إلى حماية العاملين في المجال الإنساني والامتناع عن مهاجمة البنية التحتية المدنية.
ملايين على حافة الجوع
يواجه نحو 19.5 مليون سوداني مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، بينهم أكثر من خمسة ملايين في مرحلة الطوارئ، بينما حذرت منظومة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي من احتمال اتساع رقعة المجاعة خلال الأشهر المقبلة.
وتتداخل أسباب الكارثة بصورة يصعب فصلها؛ فالحرب عطلت الزراعة والأسواق وحركة النقل، وأغلقت طرق الإمداد، ودفعت الملايين من أراضيهم، بينما فاقم الجفاف المرتبط بظاهرة النينيو خسائر المحاصيل والثروة الحيوانية.
وتشير تقديرات برنامج الأغذية العالمي إلى أن الجفاف قد يدفع 350 ألف شخص إضافي إلى الجوع الشديد بحلول نهاية 2026، ويرفع العدد بمقدار 1.2 مليون آخرين بحلول أغسطس 2027. وتزامن ذلك مع تقليص الحصص الغذائية بسبب نقص التمويل وتعثر الوصول إلى مناطق النزاع.
وبذلك، لا يعود الجوع نتيجة جانبية للقتال، بل يتحول إلى امتداد مباشر له. فكل طريق يُغلق، وقافلة تُهاجم، وسوق يُقصف، وموسم زراعي يضيع، يدفع مناطق جديدة نحو المرحلة التي يصبح فيها نقص الغذاء سبباً مباشراً للموت.
هدنة معلقة بشروط الجيش
يتزامن التحذير الدولي مع استمرار قيادة الجيش في ربط أي تهدئة بانسحاب شامل لقوات الدعم السريع من جميع المدن التي سيطرت عليها منذ مايو 2023، وهو شرط عسكري يسبق وقف القتال بدلاً من أن يكون موضوعاً للتفاوض بعد الهدنة.
وكان المقترح الأميركي قد دعا إلى هدنة إنسانية فورية لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات لوقف دائم لإطلاق النار وانتقال مدني.
لكن السلطة التابعة للجيش اعترضت على ترتيبات الانسحاب المحدودة، وطالبت بانسحاب الدعم السريع من كل المدن قبل المضي في المسار، بينما دعت واشنطن الطرفين إلى قبول الخطة من دون شروط مسبقة.
عملياً، يحوّل موقف قيادة الجيش الهدنة من إجراء عاجل لإنقاذ المدنيين إلى مكافأة مؤجلة لا تتحقق إلا بعد تنفيذ أهداف عسكرية واسعة. وبينما يتحدث البرهان عن مواصلة القتال واستعادة الأراضي، يدفع المدنيون كلفة هذا الرهان من الغذاء والدواء والمأوى.
ولا يعفي ذلك قوات الدعم السريع من مسؤوليتها عن الجرائم والانتهاكات وعرقلة الإغاثة. فقد اتهمتها تحقيقات أممية بارتكاب عمليات قتل جماعي وتجويع قسري في دارفور، فيما اتهمت واشنطن الدعم السريع بارتكاب إبادة جماعية والجيش بارتكاب جرائم حرب. وينفي الطرفان الانتهاكات المنسوبة إليهما.
نفوذ الإسلاميين خلف جبهة الحرب
يزيد المشهد تعقيداً النفوذ المتنامي لشبكات الحركة الإسلامية والنظام السابق داخل معسكر الجيش ومؤسسات سلطة بورتسودان. وكشفت تقارير صحفية، استناداً إلى وثائق داخلية وشهادات إسلاميين ومصادر عسكرية وحكومية، أن شبكات الحركة الإسلامية دفعت بآلاف المقاتلين من مليشياتها إلى صفوف الجيش، وشاركت في تدريب عشرات الآلاف من المستنفرين، بينما عادت شخصيات مرتبطة بالنظام السابق إلى مواقع في مؤسسات الدولة.
وبينما تنفي قيادة الجيش التحالف أو التنسيق مع الحركة الإسلامية (الإخوان)، لكن قيادات إسلامية تحدثت علناً عن دورها في دعم العمليات العسكرية، وعن تصور يبقي الجيش في قلب الحكم بعد الحرب.
وهنا تكمن خطورة استمرار الحرب: فبالنسبة إلى شبكات الإسلاميين التي فقدت السلطة بثورة ديسمبر، لا تمثل المعركة مجرد مواجهة عسكرية مع الدعم السريع، بل فرصة لإعادة بناء نفوذها، وإجهاض العودة إلى حكم مدني ديمقراطي. ولذلك يتقاطع خطاب الحسم مع مصالح قوى ترى في الهدنة تهديداً لمشروع عودتها إلى السلطة.
المجاعة ليست كارثة طبيعية
البيان الدولي الجديد يضع قيادة الجيش وسلطة بورتسودان أمام اختبار لا يمكن تجاوزه بالشعارات. فالجهة التي تقدم نفسها باعتبارها ممثلة للدولة تتحمل مسؤولية مضاعفة عن حماية السكان، وفتح الطرق، والسماح بالإغاثة، والقبول بهدنة توقف الموت.
قد يفاقم الجفاف نقص الغذاء، لكنه لا يقصف الأسواق ولا يغلق المعابر ولا يرفض وقف إطلاق النار. المجاعة التي تقترب من السودان ليست قدراً طبيعياً؛ إنها نتيجة سياسية وعسكرية لحرب يصر قادتها على استمرارها.
وإذا واصل البرهان تقديم الحسم العسكري على إنقاذ المدنيين، فلن يكون الجوع مجرد أثر مؤسف للحرب، بل دليلاً على أن البقاء في السلطة واستعادة نفوذ الإسلاميين أصبحا أكثر أهمية لدى قيادة الجيش من بقاء السودانيين أنفسهم.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.