تحليل: الديمقراطيون يشعرون بمعاناة الأمريكيين.. لكن هل يستطيعون حل أزمة الغلاء؟

(CNN)--قد يفوز الديمقراطيون في انتخابات التجديد النصفي لمجرد كشفهم وهم "العصر الذهبي" للاقتصاد الذي يروج له رئيس لا يحظى بشعبية؛ لكن هذا وحده لن يؤدي إلى خفض أسعار السلع الغذائية والبنزين.
خلال الحملات الانتخابية، نجح المرشحون الديمقراطيون في التعبير بفاعلية عن معاناة الأسر التي تئن تحت وطأة أزمة غلاء المعيشة. لكنهم لم يكونوا بالقدر نفسه من البراعة في تحديد تفاصيل خططهم الرامية إلى جعل الحياة أقل تكلفة.
ومع تزايد احتمالات سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب، في حين يشعر الجمهوريون بالقلق إزاء وضعهم في مجلس الشيوخ، فإن السؤال المتعلق بقدرة الديمقراطيين على اتخاذ خطوات ملموسة وسريعة لتخفيف الأعباء المالية عن الأمريكيين يستحق مزيدا من التدقيق.
ثمة جانب من الصحة في شكوى ترامب من أن الديمقراطيين استغلوا مصطلح "القدرة على تحمل تكاليف المعيشة" ضده، لا سيما أن عهد الرئيس السابق جو بايدن شهد ارتفاع التضخم إلى أعلى مستوياته منذ ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن يتراجع لاحقا. وقال ترامب خلال مؤتمر الحزب الجمهوري الخاص بانتخابات التجديد النصفي: ""إنهم مزيفون.. إنهم مزيفون للغاية، لأنهم هم من تسببوا في أزمة القدرة على تحمل التكاليف، كما يسمونها"".
لكن هذه هي تبعات تولي الرئاسة، ولا سيما بالنسبة إلى رئيس سبق أن انتقد ارتفاع أسعار السلع الغذائية خلال حملته الانتخابية عام 2024، ثم أخفق في خفضها بعد وصوله إلى السلطة. لقد كان ترامب أسوأ عدو لنفسه؛ إذ طغت حروبه المتعلقة بإيران والرسوم الجمركية، التي أدت إلى ارتفاع التكاليف، على مبادراته الرامية إلى تخفيف أعباء المعيشة، مثل مقترحاته لإعفاء الإكراميات من الضرائب واتخاذ إجراءات لخفض أسعار بعض الأدوية الموصوفة طبيا.
لكن إذا فاز الديمقراطيون بنصيب من السلطة في واشنطن في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، فسيجدون أنفسهم أمام مسؤولية التحرك أيضا، رغم أن قدرتهم على إعادة تشكيل الاقتصاد ستكون محدودة، جزئيا بسبب وجود رئيس مستعد لاستخدام حق النقض (الفيتو).
وهذا يعني أن الكونغرس الجديد بقيادة الديمقراطيين ستكون لديه قدرة أكبر على عرقلة تحركات الرئيس، الذي يعد الأكثر استخداما لسلطاته الرئاسية في التاريخ الحديث، مقارنة بقدرته على إقرار حلول خاصة به.
وقد ينطوي ذلك على فخ سياسي؛ إذ تظهر الانتخابات الأخيرة في الولايات المتحدة وغيرها من الديمقراطيات أن الناخبين سرعان ما يفقدون صبرهم تجاه الأحزاب التي ينتخبونها لإحداث تغيير، لكنها تفشل في تحقيقه. وبالتالي، قد تتلاشى سريعا فترة "شهر العسل" السياسي التي قد يحظى بها الديمقراطيون.
ماذا سيفعل الديمقراطيون؟
مع دخول سباق انتخابات التجديد النصفي أسابيعه الثلاثة الأخيرة، يواجه الديمقراطيون، الذين يدرسون إمكانية استعادة السيطرة على الكونغرس، ثلاثة أسئلة:
ما الإجراءات التي يقترحونها لتخفيف أعباء التكاليف عن الأمريكيين؟
ما التشريعات التي سيتمكنون من إقرارها؟
وهل يستطيعون تحويل أي تحركات لعرقلة سياسات ترامب إلى ورقة رابحة في حملة انتخابات عام 2028؟
في مواجهة انتخابية تهيمن عليها تصريحات ترامب المثيرة للجدل والسجالات المحيطة به، تراجع الاهتمام بالمقترحات التفصيلية التي يطرحها الديمقراطيون تحسبا لاحتمال حصولهم على الأغلبية في مجلس النواب أو مجلس الشيوخ خلال الدورة التشريعية المقبلة للكونغرس.
ولا يعني ذلك غياب الخطط؛ بل هناك العشرات منها. إذ يطرح المرشحون وجماعات المصالح ومراكز الأبحاث باستمرار أفكارا لخفض تكاليف السكن، وزيادة الأجور، واستعادة المزايا الاجتماعية، وإصلاح نظام الرعاية الصحية، وحماية العمال من تأثيرات الذكاء الاصطناعي، وتوفير رعاية شاملة للأطفال، وإطلاق طفرة في بناء المنازل، وخفض أسعار المواد الغذائية والوقود.
ويروج روي كوبر، المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية نورث كارولينا، لخطة تحمل شعار "جعل الأشياء أقل تكلفة". كما يتبنى جيمس تالاريكو، المرشح لمجلس الشيوخ عن ولاية تكساس، والذي سيشارك في جلسة حوارية مفتوحة تنظمها شبكة CNN ومؤسسة "جوبلي" يوم الأربعاء، أجندة بعنوان ""الحلم الأمريكي الجديد"".
وكشف السيناتور روبن غاليغو عن خطة اقتصادية شاملة تتضمن برنامجا لتوفير وظائف في الخدمات العامة على غرار "الصفقة الجديدة". كذلك، قد يعيد السيناتور تشاك شومر طرح مسودة سياسات مفصلة للغاية، كان قد قدمها دون جدوى في يناير/كانون الثاني عندما كان الجمهوريون يسيطرون على مجلس الشيوخ، إذا استعاد الديمقراطيون الأغلبية.
لكن هذه الأفكار لن تكون ذات قيمة كبيرة ما لم تقترن بخريطة طريق قابلة للتنفيذ، في ظل المشهد السياسي المنقسم في واشنطن، إذا قرر الناخبون توجيه رسالة عقابية إلى ترامب الشهر المقبل.
ويدرك الأمريكيون بالفعل أن التحول إلى الديمقراطيين لن ينهي وحده أزمة تكاليف المعيشة التي تراكمت على مدى سنوات. ففي استطلاع للرأي أجرته شبكة CNN بالتعاون مع مؤسسة "إس إس آر إس" في سبتمبر/أيلول، تقدم الديمقراطيون بفارق 7 نقاط مئوية بوصفهم الحزب الأقرب إلى وجهات نظر الأمريكيين بشأن الاقتصاد.
ومع ذلك، رأى 35% فقط أن الحزب سيكون له تأثير إيجابي في الغالب على تكلفة المعيشة، فيما لم تتجاوز نسبة من رأوا أنه سيؤثر إيجابا في أوضاعهم المالية الشخصية 27%.
فطرح الأفكار وحده لا يعادل وضع خطط قابلة للتنفيذ.
تحرك سريع.. لكن العقبات كبيرة
يتعين على الديمقراطيين التحرك بسرعة، وهناك أمران يعتقدون أن بإمكانهم القيام بهما.
وقال عبد السيد، المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، خلال مناظرة جرت هذا الشهر: "إذا لم نوقف هذه الحرب، وإذا لم نوقفها الآن، فسنواصل مشاهدة النظام الإيراني وهو يفرض قبضته الخانقة على مضيق هرمز، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة لدينا. وسيدفع المواطنون العاديون ثمن ذلك عند محطات الوقود وفي متاجر البقالة".
كما قال كوبر للناخبين في يوليو/تموز: "علينا التراجع عن هذه الرسوم الجمركية الفوضوية، وعلى الكونغرس استعادة سلطته الدستورية في هذا الشأن، لأن هذه الرسوم باتت تكبد الناس العاديين والشركات الصغيرة تكاليف إضافية".
نظريا، يستطيع الكونغرس الجديد إنهاء الحرب وإلغاء الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب، لكن تحقيق ذلك سيكون بالغ الصعوبة، إلى حد يكاد يجعله مستحيلا.
وقد يحاول الديمقراطيون عرقلة إقرار اعتمادات مالية إضافية للعمليات العسكرية في إيران، وسن قوانين تقيد كيفية إنفاق الأموال المخصصة للعمليات العسكرية الأوسع نطاقا. لكن هذه الخطوة تنطوي على مخاطر كبيرة؛ إذ يمكن لترامب اتهامهم بالتخلي عن القوات الأمريكية في منطقة حرب، كما يمكنه استخدام حق النقض (الفيتو) لعرقلة التشريعات.
ويشكل إخفاق مجلس النواب، الذي كان يسيطر عليه الديمقراطيون، في وقف حرب العراق عقب فوز الحزب في انتخابات التجديد النصفي عام 2006، مؤشرا مقلقا على صعوبة تكرار مثل هذه المحاولة. وعلاوة على ذلك، فإن أي مواجهة مع ترامب بشأن صلاحيات الحرب، في ظل الجدل حول قانونية الحرب على إيران، قد تؤدي إلى مأزق دستوري معقد بقدر ما قد تفضي إلى إنهاء الصراع.
ويمكن للكونغرس إلغاء ما تبقى من الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب، والتي صمدت بعد قرار المحكمة العليا إلغاء الرسوم المستندة إلى صلاحيات الطوارئ. غير أن تأمين أغلبية الثلثين اللازمة لتجاوز حق النقض الرئاسي قد يكون أمرا صعب المنال في مجلس الشيوخ، حتى لو استعاد الديمقراطيون السيطرة على المجلس.
وإذا عجز الديمقراطيون عن تغيير مسار البلاد على الفور، فستكتسب رسالتهم السياسية أهمية بالغة. فقد قال حكيم جيفريز، زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب، للصحفيين في يونيو/حزيران، إن أول مشروع قانون سيطرحه الحزب إذا فاز بالأغلبية، والمعروف باسم "إتش آر 1"، سيركز على القدرة على تحمل تكاليف المعيشة.
وأضاف جيفريز: "سينصب التركيز بشكل مكثف على خفض تكاليف المعيشة المرتفعة، وبالطبع إصلاح نظام الرعاية الصحية المتعثر لدينا، ضمن هذا الجهد".
ويكمن التحدي الذي يواجهه جيفريز في توحيد صفوف الكتلة الديمقراطية خلف التشريعات المقترحة، نظرا إلى الفجوات الأيديولوجية العميقة بين الاشتراكيين الديمقراطيين والتقدميين والمعتدلين، وهي انقسامات برزت بوضوح خلال الانتخابات التمهيدية هذا العام. ولذلك، سيتعين عليه أن يأمل في الحصول على أغلبية أكبر من الأغلبية الضئيلة للغاية التي سببت متاعب جمة لرئيس مجلس النواب الجمهوري مايك جونسون.
لكن حتى إذا حقق الديمقراطيون أغلبية مريحة في مجلس النواب، فمن غير المرجح أن يؤدي فوزهم في انتخابات مجلس الشيوخ إلى أكثر من أغلبية ضئيلة في المجلس. ومن المرجح أن يحتفظ الجمهوريون بقدرتهم على عرقلة التشريعات ما لم يتمكن الديمقراطيون من حشد 60 صوتا.
وقد يحاول الديمقراطيون إدراج أولوياتهم ضمن مشاريع قوانين التسوية المالية، وهي آلية لا تخضع عادة لعرقلة الأقلية بالطريقة المعتادة في مجلس الشيوخ، وغالبا ما يستخدمها الجمهوريون أيضا. لكن الرئيس يظل محتفظا بحق النقض؛ وهي صلاحية استخدمها الرئيس الأسبق باراك أوباما، على سبيل المثال، في يناير/كانون الثاني 2016 لرفض مشروع قانون تسوية مالية قدمه الجمهوريون وكان يهدف إلى إلغاء قانون الرعاية الصحية الميسرة.
كيف قد تتبدد الآمال العريضة؟
قد يبدو الأمر غريبا، لكن النظام الأمريكي القائم على توزيع السلطات الفيدرالية يتيح، من حيث المبدأ، إمكانية التوصل إلى حلول وسط.
وربما يستطيع الديمقراطيون التوصل إلى تفاهم مع ترامب بشأن تكاليف السكن، وأسعار الأدوية الموصوفة طبيا، والإعفاءات الضريبية للأطفال، أو البنية التحتية، وهي ملفات أبدى الرئيس اهتماما بها في الماضي.
لكن تعهد الديمقراطيين بشن حملة واسعة من التحقيقات التي تستهدف البيت الأبيض في عهد ترامب من شأنه أن يشعل حربا باردة سياسية، تجعل التعاون بين الطرفين أمرا بعيد المنال.
وقد لا تجد أبرز أولويات الديمقراطيين، مثل استعادة الدعم المخصص بموجب قانون الرعاية الصحية الميسرة، طريقها إلى التنفيذ إلا عبر استعراض القوة خلال مفاوضات الميزانية أو في سياق مواجهات قد تؤدي إلى إغلاق الحكومة الفيدرالية.
ومثل هذه المواجهات مقامرة بالنسبة إلى الحزبين.
لطالما أثارت الانتخابات الآمال والوعود والتوقعات، لكن الحكم المنقسم عادة ما يؤدي إلى جمود سياسي مرير.
ولذلك، قد تلوح في الأفق بالفعل جولة جديدة من المعركة الانتخابية في عام 2028، تتمحور مجددا حول قضية القدرة على تحمل تكاليف المعيشة، فيما يواصل الناخبون انتظار الإجابات طويلا.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.