طرابيش ومكابس ورق.. فنان فلسطيني يوظّف أدوات يومية في صورغير مألوفة

طرابيش ومكابس ورق.. فنان فلسطيني يعيد تقديم الأدوات اليومية بطريقة غير متوقعة
صور غريبة.. فنان فلسطيني يحوّل التفاصيل اليومية إلى عوالم سريالية
(CNN)-- تتحوّل الصورة في أعمال الفنان الفلسطيني عمر شاع إلى مساحة يلتقي فيها الواقع بالخيال، والطبيعة بالذاكرة، والتفاصيل اليومية بعوالم سريالية تحمل إشارات إلى الهوية والانتماء. وبين التصوير الفوتوغرافي والرسم والنحت، يبني شاع لغة بصرية خاصة وغريبة، تبدأ غالبًا من التجربة نفسها قبل أن تصل إلى مفهومها النهائي.
ويأتي هذا المفهوم من عملية إنتاج العمل نفسها، إذ يوضّح شاع في مقابلة مع CNN بالعربية أنّ العمل الفني، سواء كان لوحة أو سلسلة فوتوغرافية، هو الذي يقوده عادةً إلى النتيجة النهائية، وليس العكس.
ويبدأ كل مشروع بوضع مجموعة من القواعد أو المحدّدات التي تمنحه نقطة انطلاق، قد تتمثّل في بحث طويل حول مكان معين، أو في الالتزام بلون واحد، قبل أن يبدأ المفهوم بالتشكل والتطور مع اقترابه من إنجاز العمل.

تنبع أفكار شاع غالبًا من أماكن لا تزال تحتفظ بعلاقتها الطبيعية بالإنسان، ومن مجتمعات تعيش بهدوء وسط الطبيعة، بعيدًا عن آثار التنمية البشرية، حيث تتجمّع حول لحظات بسيطة؛ كينابيع المياه الساخنة، والصحراء، وعائلة تجتمع تحت شلال، أو مشهد غروب دافئ فوق الجبال.
وقد تكون إحدى هذه المشاهد كافية لإطلاق فكرة جديدة، ينتقل بعدها إلى البحث في تاريخ المكان عن آثار من ماضيه يمكن إبرازها داخل العمل.
وخلال بناء الصورة، يجمع شاع تدريجيًا بين المشاعر التي أثارها المكان، وتاريخه، والضوء وتفاصيله، تاركًا المجال للعناصر بأن تتطوّر حتى تكتمل الصورة التي يتخيّلها. كما يضيف أحيانًا تفاصيل صغيرة تحمل طابعًا فكاهيًا أو نكتة داخلية، قد يلتقط معناها بشكل خاص الأشخاص الذين ينتمون إلى خلفيّته وثقافته.

ولا يتعامل الفنان الفلسطيني الشاب مع اختلاف الوسائط الفنية باعتباره تغييرًا في هويته الإبداعية، بل كاختيار يرتبط بالشعور الذي يريد نقله. فقد يرى مشهدًا أثناء وجوده في الينابيع الساخنة من دون أن تكون الكاميرا معه، فيعود إلى الاستوديو ويرسمه.
وفي حالات أخرى، قد يعيش مغامرة تترك لديه إحساسًا يصعب تحويله إلى كلمات أو عناصر على لوحة، فيجد أن النحت، وربما صناعة مزهرية، هو الوسيلة الأنسب للتعبير عنه.
أما علاقته بالمناظر والذكريات والهوية العربية، فلا تنطلق من رغبة مباشرة في الوصول إلى جمهور عالمي، بل من حاجة إلى توثيق ما يحدث من حوله. ومع ذلك، تحمل أعماله رغبة واضحة في إبراز خلفيته ومجتمعه، خصوصًا اللحظات الدافئة والعادية والمليئة بالفرح التي لا تحظى عادةً بالقدر نفسه من الظهور.

ويرى شاع أنّ وصول هذه الأعمال إلى أشخاص من خارج خلفيته يعود إلى صدق تلك اللحظات، لا إلى تصميمها بهدف أن تكون عابرة للحدود. فمشهد مجتمع مصوّر بعاطفة حقيقية يمكن أن يلامس الآخرين، حتى لو لم يتعرفوا إلى جميع الإشارات والتفاصيل التي يتضمنها.
قد يهمك أيضاً
وتلعب المواد والألوان دورًا أساسيًا في هذه اللغة البصرية. ويعود شاع باستمرار إلى مشهد غروب الشمس، الذي يصفه بأنه أحد أكثر العناصر رومانسية وعاطفية بالنسبة إليه. كما يحتل الطين مكانة خاصة في تجربته، سواء استخدمه كعنصر داخل صورة فوتوغرافية أو كمادة للنحت، إذ يراه مادة مرنة ومتسامحة، تسمح لليدين بالحركة بحرية والتعبير عما تريد قوله من دون قيود.
جذبت أعماله قطاع الأزياء
ومع توسع تجربته في الجانب السريالي من صناعة الصور، وجد شاع مساحة مشتركة مع عالم الموضة. ويقول إن هذا الجانب من تجربته جذب اهتمام قطاع الأزياء، وفتح أمامه مجالًا جديدًا لصناعة الشخصيات، وليس فقط المناظر والمشاعر. ومن هنا بدأ يستكشف مفهوم الهوية بطريقة أكثر مرحًا، من تخيل عارض أزياء في هيئة بطل خارق سريالي، إلى تحويل شخصين من لاعبي كمال الأجسام إلى شخصية واحدة تبدو كأنها وحش واحد.

وفي وقت تُستهلك فيه الصور بسرعة غير مسبوقة، لا يرى شاع أنّ سرعة الاستهلاك الرقمي تؤثّر كثيرًا في طريقته في التفكير بعمله. فهو يتخيل أعماله أساسًا ضمن سياق مادي: مطبوعة في مجلة، أو ضمن كتاب، أو معروضة في معرض، وليس كمنشور يظهر لثوانٍ على الشاشة ثم يُتجاوز بإعجاب سريع والانتقال إلى الصورة التالية.

وعن الأثر الذي يريد أن يتركه لدى من يشاهد أعماله للمرة الأولى، لا يبحث شاع بالضرورة عن تفسير عميق أو قراءة فكرية معقدة. ما يهمه هو أن يجد المشاهد إحساسًا بسيطًا وساذجًا، لكنه خالد، يعيده للحظة إلى طفولته. بالنسبة إليه، يكفي أن يصل العمل عاطفيًا أولًا، وأن يبقى هذا الشعور مع المشاهد، عوض أن يتحول العمل إلى فكرة تحتاج دائمًا إلى التفكيك والتحليل.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.