The Daily Newsstand · Free, Always
Saturday, October 24, 2026

أوروبا تحتج في الشارع: كيف وصلت إلى هنا؟

Translate

بين شاب إسباني يعمل ولا يستطيع استئجار منزل، وعامل إيطالي لا يحميه راتبه من الهشاشة، وفرنسي يتساءل عما يحصل عليه مقابل ضرائبه المرتفعة، يتشكل سؤال يتجاوز الغلاء في أوروبا: كيف وصلنا إلى هنا؟

أوروبا ليست قارة معدومة الموارد، لكن اتساع المسافة بين قدرتها الاقتصادية والأمان الذي يشعر به مواطنوها يفتح النقاش حول التوزيع: توزيع الدخل والفرص والضرائب، وتوزيع المال العام بين الحاجات الآنية والالتزامات البعيدة.

تكشف 4 مقابلات اختلافاً في تشخيص الأزمة. فأنطونيو بروتو، الصحافي الإسباني المقيم في جنيف، ينطلق من أزمة السكن والأجور والانقسام السياسي. ويركز ستيفانو ماركي، الكاتب الإيطالي المتخصص في الشؤون الدولية والسياسية والاقتصادية، على تآكل الحماية الاجتماعية واستمرار الأزمات. أما فرانسيسكو شتينو، أستاذ الاقتصاد السياسي في جامعة "كامبانيا لويجي فانيتيلي" الإيطالية، فيضع توزيع عوائد العمل والتفاوت الاقتصادي في صلب الأزمة. ويربط إيف بوزو دي بورجو، عضو مجلس الشيوخ الفرنسي الفخري عن باريس، فيربط الإفقار بأزمة الثقة والتمثيل والاندماج.

لكن اتفاقهم على وجود احتقان لا يعني اتفاقهم على أسبابه، ولا على الطريق إلى معالجته.

أزمة تتراكم ولا تنتهي

يبدأ ماركي من الشرارة الاقتصادية: "هناك غضب في مختلف أنحاء أوروبا والعالم الغربي، بل وفي مناطق أخرى أيضاً، بسبب ارتفاع التضخّم الذي تغذّيه الحروب المتعدّدة المستمرة". لكنه يرى أن ما وراء الأسعار "غضب عميق واحتجاج أوسع على وضع اقتصادي متعثر، لا تقتصر أسبابه على هذه الحروب".

وفي تفسيره، يتصل الغضب بعجز الحماية الاجتماعية عن مواكبة الضغوط، "فهذا الوضع لا يتيح للدول ضمان الحماية الاجتماعية للناس، فيما تتعرّض حقوقهم بصورة متزايدة للانتهاك أو الإلغاء".

ويضع ماركي ذلك ضمن مسار طويل بدأ مع أزمة الديون السيادية الأوروبية التي انفجرت في أواخر عام 2009، مع تصاعد المخاوف بشأن ديون اليونان وعجز الموازنة، وبلغت ذروتها بين عامَي 2010 و2012. ويقول: "منذ ذلك الحين، بقينا في حالة أزمة مستمرة".

أما شتينو فلا يمنح الصدمات الخارجية الموقع الأول، بل يذهب إلى بنية الاقتصاد، إذ يعتبر أن "الأسباب متعددة بلا شك، لكنّ التفاوتات التي باتت صارخة تأتي في مقدّمتها، فقد تراجعت حصة الطبقة العاملة من الناتج المحلي الإجمالي بصورة مطّردة، فيما استأثرت الريوع (العوائد الناتجة عن امتلاك الأصول) والأرباح بكامل ثمار النمو المحدود الذي تحقق".

والفارق بين الرأيين جوهري، ماركي يركز على منظومة حماية تضعف تحت ضغط أزمات متلاحقة ويشرح تضاؤل قدرة الدولة على التعويض، وشتينو يسأل عمّن استفاد من الاقتصاد قبل الأزمة وخلالها، ويشكك في عدالة القواعد التي تجعل التعويض ضرورياً باستمرار.

ويلتقي بوزو دي بورجو معهما عند العامل الاجتماعي بقوله: "أعتقد أيضاً أن هذا يرتبط بالإفقار والأزمة الاقتصادية التي مرت بها فرنسا". فيما يحذر بروتو من افتراض غضب موحد أصلاً: "ليس لدى الجميع الغضب نفسه أو الشكاوى نفسها، يشكو اليمينيون من الهجرة، فيما يشكو اليساريون من صعود الفاشية"، وبذلك قد تتشابه مشاعر الخوف، بينما تتناقض الوجهات السياسية التي تتخذها.

إيطاليا.. أجور لا تضمن الخروج من الهشاشة

يصف شتينو جوهر المأزق الإيطالي بقوله: "الأجور الحقيقية تراوح مكانها أو تتراجع، نتيجة عدم تجديد اتفاقيات العمل الجماعية، وتفشّي هشاشة التوظيف بين الشباب".

والمقصود بهذه الاتفاقيات الترتيبات التي تتفاوض عليها النقابات مع أصحاب العمل لتحديد الأجور والزيادات وشروط العمل لمجموعات من العاملين. وحين يتأخر تجديدها، قد تتأخر معها مراجعة الرواتب، فتتآكل القدرة الشرائية إذا ارتفعت الأسعار من دون زيادة تعوضها، أي إن العامل قد يتقاضى المبلغ نفسه، لكنه يشتري به سلعاً أقل.

ويربط شتينو ذلك باتساع الفقر بين العاملين، "فالمشكلة لم تعد تقتصر على غياب الوظيفة، بل تشمل وظيفة لا يكفي دخلها لتأمين حياة مستقرة"، ويمنح هذا التحول بُعده الاجتماعي: "انحدرت شرائح واسعة من الطبقة الوسطى إلى أوضاع الطبقة العاملة، وبدا أن الحلم الرأسمالي بالفرد الذي يصنع نجاحه بنفسه يتلاشى. العاملون بأجر هم الأكثر معاناة، سواء في الشمال أو الجنوب (إيطاليا)، وسواء كانوا من الشباب أو من الأكبر سناً".

ولا يلغي ذلك تفاوت المناطق. فهو يشير إلى أن "نسبة كبيرة من الشباب الحاصلين على شهادات ثانوية أو جامعية يضطرون إلى الهجرة نحو الشمال، أو إلى بلدان أخرى في أوروبا والعالم". لكنه يضع الجغرافيا داخل تفاوت أوسع، لأن "الفجوة بين المناطق ليست سوى أحد أوجه عدم المساواة، وهناك أيضاً تفاوتات عميقة بين الطبقات الاجتماعية".

ماركي أكثر تحفظاً في منح التفاوت الإقليمي دوراً حاسماً. فعندما سُئل عن الفجوة بين الشمال والجنوب وإهمال المناطق الأصغر، أجاب: "قد يكون كذلك، لكنني أعتقد أن السبب الرئيسي هو ما ذكرته سابقاً"، عائداً إلى الوضع الاقتصادي والحماية الاجتماعية.

وبذلك يرسم شتينو خريطة الفئات المتضرّرة، فيما يركّز ماركي على السياق الاقتصادي العام الذي يجمعها، فتتكامل القراءتان في إبراز الجذور الاقتصادية للأزمة.

لكن إعادة التوزيع ليست وحدها الإجابة. فتقرير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية عن إيطاليا لعام 2024 يضع ضعف نمو الإنتاجية، وانخفاض المشاركة في سوق العمل، خصوصاً بين النساء، والفقر المرتفع نسبياً ضمن التحديات الأساسية.

كما يشير التقرير إلى خسارة إيرادات مهمة بفعل التهرب الضريبي، وإلى إعفاءات ضريبية مكلفة وتفاوت في توزيع العبء الضريبي. وهنا يصبح سؤال الموارد ملموساً، فقبل مطالبة العامل بالمزيد، ما الذي تفعله الدولة لتحصيل الضرائب المستحقة، ومراجعة الامتيازات، وتحسين شروط الإنتاج؟

إسبانيا.. وظيفة موجودة واستقلال مؤجل

في إسبانيا، يختصر بروتو نقطة الالتقاء بين معسكرات متعارضة: "بغضّ النظر عن الانتماء إلى اليمين أو اليسار، هناك كثيرون لا يستطيعون تحمّل كلفة السكن، ولا سيما في المدن الكبرى مثل مدريد وبرشلونة. في موضوع السكن على الأقل، يتفق الجميع على أن الوضع سيئ".

ويشرح بروتو أن اليمين يسأل: "لماذا لا تسمحون ببناء المزيد من المساكن؟"، فيما يسأل اليسار: "لماذا توجد في إسبانيا هذه الشركات العقارية الكبرى وصناديق الاستثمار الانتهازية؟".

ويضيف بروتو: "الرواتب في إسبانيا منخفضة جداً، وعند مقارنة الرواتب بالأسعار، نجد أن كثيراً من الشباب لا يستطيعون تحمّل إيجار شقة، فيضطرون إلى البقاء في منازل أسرهم". وهنا تتقاطع إسبانيا مع إيطاليا، فما يتعطل ليس الاستهلاك وحده، بل انتقال الشاب من العمل إلى بناء حياة مستقلة.

وفي وصفه أثر السياحة على الأحياء المركزية في مدريد وبرشلونة، يقول أنطونيو بروتو إن "وسط المدينة تحوّل إلى مجرد منطقة سياحية. التحوّل الذي يطرأ على هذه الأحياء يزيح سكانها".

وتجد هذه الشهادة سنداً في البيانات الرسمية، فوفق تشخيص نشرته بلدية مدريد ضمن "خطة RESIDE" في ديسمبر 2024، استحوذت منطقة "سنترو" على 42% من الشقق السياحية في العاصمة بواقع 6 آلاف و755 شقة، وهي مؤشرات على حضور الاستخدام السياحي داخل النسيج السكني، لا قياس شامل لتحوّل الأحياء إلى مناطق سياحية خالصة.

وفي مقابل الضغط الذي يفرضه الاستخدام السياحي على السكن في مدريد وبرشلونة، تقدم فيينا نموذجاً أوروبياً أكثر نجاحاً في صون الوظيفة السكنية للمدينة، إذ تضم نحو 220 ألف مسكن بلدي وأكثر من 200 ألف مسكن مدعوم توفره جهات غير ربحية.

ويقوم الفارق على أن التدخل العام لا يقتصر على مساعدة المستأجر في تحمّل أسعار السوق، بل يشمل توفير مخزون واسع من المساكن الميسرة، أقل خضوعاً لمنطق تعظيم الربح. ولا تمثل التجربة وصفة فورية لأزمة إسبانيا، لكنها توضح كيف يستطيع الاستثمار العام المتراكم أن يمنح السكان بدائل، بدلاً من ترك قدرتهم على البقاء في مدنهم رهينة العائد السياحي والعقاري.

فرنسا: أزمة خدمات أم عدم ثقة؟

في فرنسا، يقرأ إيف بوزو دي بورجو الغضب الاجتماعي بوصفه تعبيراً يتجاوز التعبئة الحزبية إلى أزمة ثقة بالقيادات السياسية. ويستند إلى مشاهداته خلال التظاهرات الأخيرة في باريس: "رأيت عدداً قليلاً جداً من أعلام الأحزاب، ولم أرَ سوى ملصق واحد لحركة ميلانشون (حركة فرنسا الأبية اليساري التي يتزعمها جان لوك ميلانشون)".

وفي تقديره، الأحزاب "ليست قوية بما يكفي لتنظيم كل ذلك، هذه ليست ظاهرة حزبية، بل ظاهرة أعمق في البلاد، ترتبط برفض هذا الجيل (من السياسيين)، وأقصد جيل ماكرون"، ما يكشف مسافة بين الحراك والأطر السياسية التقليدية وأثرها في فرص التفاوض والتسوية.

ويتقاطع ماركي مع هذا التشخيص من زاوية مختلفة. ويستذكر أنه كان يرى في التظاهرات "أشخاصاً من الأحزاب والنقابات مكلّفين تحديداً بحفظ النظام ومنع أشخاص من خارج التحرّك من التدخّل لتعطيله أو الإخلال بسيره".

ويضيف: "لديّ انطباع بأن هذا لم يعد يحدث كما كان في السابق". فما يصفه بوزو دي بورجو ضعفاً حزبياً، يراه ماركي تراجعاً في قدرة الوساطة والتنظيم الميداني.

ويبيّن تقرير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية عن فرنسا لعام 2024 أن التدخلات الحكومية حمت الوظائف والقدرة الشرائية خلال الجائحة والتضخم، فيما ظلت نتائج التعليم مرتبطة بقوة بالخلفية الاجتماعية للطلاب.

العنف يحجب الصوت

حين تتقدم صور الحرائق على أصوات المحتجين، تنقلب الأولويات وينشغل الجميع بكيفية ضبط الشارع، ويتراجع السؤال عما أخرج الناس إليه.

في شهادته عن تظاهرات باريس، يصف دي بورجو طلاباً كانوا "سعداء جداً بالمشاركة في التظاهر"، قبل أن يرصد "تحركات منظّمة لإشعال حاويات القمامة" وحواجز تعرقل وصول الشرطة والإطفاء.

ويستنتج أن التظاهرة "التي انطلقت من مطالب منطقية، قد جرى تحريفها عن مسارها"، لكنه يقر بحدود معرفته: "لا نعرف كيف، ولا على يد مَن، ولا بأي وسيلة". تحفظ يمنع تحويل الشهادة إلى اتهام لجهة بعينها، أو اختزال المحتجين في أفعال التخريب.

وفي  تقييمه لأداء الشرطة الفرنسية في مواجهة العنف، يتساءل دي بورجو عما إذا كان الخلل في القيادة أم في الاستعداد الميداني، قائلاً: "رأينا ثغرات كثيرة، سواء على مستوى القيادة أو على مستوى التصرف الميداني، وإن كنتُ أرجّح أنها تتعلق بالقيادة. ولا أقصد القول إنها لم تتصرف بذكاء، لكنني لا أعرف إن كانت مستعدة أم فوجئت بما حدث، لجنة التحقيق في الجمعية الوطنية هي التي ستبحث في ذلك".

ويلتقي ستيفانو ماركي معه في رفض العنف، لكنه يحذر من أنه "قد يقوّض فرص تحقيق المطالب المشروعة للمتظاهرين". ويتحدث عن شبان "يشعرون بأن لا مستقبل لهم، فيعبّرون عن ذلك بالعنف، وهو أمر غير مقبول في جميع الأحوال. أنا أرفض عنف المتظاهرين، لكنني أدافع عن الاحتجاج بوصفه حقاً أساسياً".

الهجرة.. سبب أم كبش فداء؟

لا يعتبر ماركي أن "الهجرة تؤثر بدرجة كبيرة في سوق العمل الإيطالية. لم أكن يوماً مقتنعاً بذلك، القضية تُستغل بسهولة من بعض الأحزاب والسياسيين، ولا سيّما في أوقات الأزمات".

ويوافق شتينو على استخدام الملف "وسيلةً لصرف انتباه الرأي العام وإيجاد كبش فداء". أما دي بورجو فيمنح الاندماج وزناً أكبر، قائلاً: "لا تتوافر وسائل كافية لضمان اندماج الجميع على نحو جيد"، ويصف طلاباً من أصول مهاجرة بأنهم "يمثلون، إن جاز التعبير، فرنسا المتعددة الألوان، في المظاهرات كانوا يغنّون 'لا مارسييز' (النشيد الوطني الفرنسي)، ويعبّرون عن انتمائهم الفرنسي".

الدفاع والخدمات: خلاف على الأولويات

في ملف الدفاع، يعتبر شتينو أن "الأفضل هو خفض الإنفاق الدفاعي وزيادة الإنفاق على الخدمات العامة". ويربط ضيق الخيارات بقوله إن "قواعد المالية العامة الأوروبية لا تتيح هامشاً واسعاً من المرونة". ويبدو ماركي أكثر تشاؤماً: "لست متفائلاً بإمكانية زيادة الإنفاق الاجتماعي، سواء على مستوى الاتحاد الأوروبي أو على مستوى الدول، بالتزامن مع هذه الزيادة الكبيرة في الإنفاق الدفاعي"، ويوضح أن القوى اليسارية لا تعارض الدفاع بحد ذاته، بل "تريد تحقيق توازن".

أما دي بورجو فينقل تصوره عن شعور المواطنين بأن "المليارات التي استثمرناها في أوكرانيا تُفقِر الاقتصاد وتُفقِرهم هم أيضاً". هذه القراءة للمزاج الشعبي يقابلها بروتو بتحفظ صريح، إذ لا يرى انطباقها على الحالة الإسبانية: "لا أعتقد أننا نربط هذه المسائل بحلف شمال الأطلسي وما يتصل به. هناك عوامل أخرى كثيرة".

ويطالب شتينو بـ"إعادة توزيع حصة من الناتج لصالح العاملين بأجر، وتحسين الخدمات الاجتماعية والمدارس، والقضاء على فقر العاملين والعمل غير النظامي".

ويدعو كذلك إلى "زيادة العبء الضريبي على من يمتلكون ثروات بمليارات". أما بروتو فيضع إصبعه على شرط يسبق المساءلة "أعتقد أن الناس لا يعرفون حقاً مقدار الأموال التي تملكها الدولة ولا كيف تنفقها".

وتمنح المواعيد المقبلة "الغضب الأوروبي" اختباراً جديداً: تظاهرات في فرنسا يومي 24 و31 أكتوبر، وتعبئة نقابية في 5 نوفمبر، وتحرك طلابي في إيطاليا يوم 30 أكتوبر، إلى جانب دعوات للتظاهر كل سبت.

وهذه مواعيد معلنة في بلدين على الأقل خلال الأسبوعين المقبلين، ضمن خريطة احتجاج أوسع تشمل أيضاً إسبانيا والبرتغال وبلجيكا وألبانيا، من دون وحدة في التنظيم أو المطالب.

ومع انضمام النقابات وقطاعات مهنية إلى الطلاب، تتجاور مطالب الأجور والمدارس مع السكن وكلفة الوقود، فيما يبرز الفساد ومستوى المعيشة في ألبانيا.

هذا الاتساع يفتح النقاش حول مدى تشكل موجة احتجاج أوروبية أوسع، من دون أن يحسم اتجاهها، فتزامن التحركات يقابله اختلاف في المؤسسات والأهداف. وستكشف التعبئة المقبلة مقدار ما يجمع هذه التحركات، وقدرة المؤسسات على تحويل الغضب إلى تسويات.

View the original on الشرق →

KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.