ميناء طرطوس... رهان "موانئ دبي" على ممر تجاري إقليمي جديد
تسلّمت مجموعة موانئ دبي العالمية "دي بي ورلد" (DP World) رسمياً في 12 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 تشغيل ميناء طرطوس، ثاني أكبر موانئ سوريا على الساحل المتوسطي، بموجب اتفاقية امتياز مدتها 30 عاماً وقعتها الهيئة العامة للموانئ البرية والبحرية السورية مع الشركة الإماراتية في 13 تموز/يوليو 2025.
وتلتزم "دي بي ورلد" بموجب الاتفاقية، المصممة على نموذج "بناء - تشغيل - تحويل"، باستثمار 800 مليون دولار على مدى فترة الامتياز، تشمل إنشاء بنية تحتية جديدة وتوريد معدات مناولة حديثة وأنظمة تشغيل رقمية لمحطتي الحاويات والبضائع العامة في الميناء. وقّع الاتفاقية سلطان أحمد بن سليم، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة "دي بي ورلد"، وقتيبة أحمد بدوي، رئيس الهيئة العامة للموانئ البرية والبحرية، بحضور الرئيس السوري أحمد الشرع.
بالنسبة إلى دمشق، يمثّل العقد أحد أكبر التزامات الاستثمار المباشر التي حصلت عليها سوريا في قطاع اللوجستيات خلال السنوات الأخيرة، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى تمويل خارجي لإعادة بناء بنيتها التحتية وتنويع شركائها التجاريين بعد سنوات من تراجع النشاط الملاحي والقيود الاقتصادية الدولية. أما بالنسبة إلى "دي بي ورلد"، فيندرج المشروع ضمن استراتيجية أوسع لتوسيع شبكتها من الموانئ عند نقاط العبور التجاري في شرق المتوسط.
من اتفاق روسي سابق إلى امتياز إماراتي
كان اتفاق تشغيل سابق للميناء، وُقّع عام 2019 مع شركة "ستروي ترانس غاز" (Stroytransgaz) الروسية لمدة 49 عاماً، يمنح الجانب الروسي 65% من عائدات الميناء مقابل التزامه باستثمار أكثر من 500 مليون دولار في تحديثه، بحسب تصريحات سابقة لوزير النقل السوري آنذاك، علي حمود. وفي كانون الثاني/يناير 2025، أعلنت السلطات السورية إلغاء هذا الاتفاق، بعد أن قال رياض جودي، مدير الجمارك في محافظة طرطوس، لصحيفة "الوطن" السورية إن الشركة الروسية لم تلتزم بتعهداتها بتحديث البنية التحتية المتهالكة للميناء، مضيفاً أن "جميع عائدات الميناء ستذهب من الآن فصاعداً لخدمة مصلحة الدولة السورية".
طرطوس كممر إقليمي لا محطة محلية
بحسب ما نقله موقع "Arabian Business" عن "دي بي ورلد"، تنظر الشركة إلى طرطوس كبوابة لوجستية يمكن أن تخدم حركة التجارة مع العراق والأردن ولبنان وتركيا، لا سوريا فقط، وهو ما يضع المشروع في سياق استعادة الميناء دوره التاريخي كنقطة عبور تجارية إقليمية.

منظر عام لميناء طرطوس في سوريا يوم 14 ديسمبر كانون الأول 2024 (رويترز)
تنفيذياً، وصلت أول رافعة ميناء متنقلة من أصل ثلاث في 29 حزيران/يونيو 2026، على أن تصل الرافعتان المتبقيتان خلال الشهر الجاري، بحسب "دي بي ورلد". وتتسع كل رافعة لمناولة نحو مليوني طن من البضائع سنوياً، ومن المتوقع أن ترفع الرافعات الثلاث مجتمعة الطاقة الاستيعابية للميناء بنحو 40%. ولم تحدد الشركة موعداً نهائياً لاكتمال البرنامج، ولا تفصيلاً لتوزيع الاستثمار البالغ 800 مليون دولار على مراحله.
نموذج مكرر من العين السخنة
يشير مسار طرطوس إلى تكرار نموذج سبق أن طبّقته "دي بي ورلد" في مصر، حيث استثمرت أكثر من 1.3 مليار دولار في تطوير البنية التحتية المرتبطة بميناء العين السخنة، إلى جانب إنشاء منطقة لوجستية وخدمات تخزين وتوزيع ترتبط بعمليات الميناء وسلاسل الإمداد. ويُشار إلى أن هذا النموذج لا يقتصر على مناولة الشحن، بل يمتد إلى الأنشطة الاقتصادية المحيطة كالنقل البري والتخزين والخدمات الجمركية، وهو ما يجعل أثره الاقتصادي المحتمل أوسع من حدود المرفق البحري نفسه، وأثبت في مصر قدرته على استقطاب نشاط اقتصادي مستدام حول الميناء بعد نحو عقد من التشغيل.
مؤشرات على انتعاش الحركة الملاحية
بحسب بيانات صادرة عن الهيئة العامة السورية للحدود والجمارك، نقلتها وكالة الأنباء السورية الرسمية "سانا"، استقبل ميناء طرطوس خلال النصف الأول من العام الجاري 551 سفينة (472 سفينة بضائع عامة و33 سفينة حاويات و46 سفينة صيانة)، وبلغ إجمالي ما ناوله من البضائع نحو 5 ملايين طن، منها 3.9 ملايين طن واردات و1.1 مليون طن صادرات.
يُشار إلى أن بيانات منفصلة صادرة عن هيئة دعم وتنمية الصادرات والإنتاج السورية أظهرت أن صادرات سوريا تجاوزت 2 ملياري دولار في عام 2025، شكّل النفط منها نحو 10% والفوسفات نحو 3%.
إصلاح أوسع لموانئ سوريا يشمل جهات أخرى
لا تقتصر خطط تطوير القطاع البحري السوري على اتفاقية طرطوس وحدها. فقد أعلنت مجموعة "موانئ أبوظبي" (AD Ports Group) في 6 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 توقيع اتفاقية مع مجموعة "سي إم إيه سي جي إم" (CMA CGM) الفرنسية للاستحواذ على حصة 20% في محطة اللاذقية الدولية للحاويات، مقابل 81 مليون درهم إماراتي (نحو 22 مليون دولار)، ضمن مشروع مشترك يستهدف تحديث بنية المحطة وأنظمتها الرقمية. وتُعد محطة اللاذقية، بحسب بيان "موانئ أبوظبي"، المعبر البحري الرئيسي لسوريا، إذ تناول أكثر من 95% من حركة الحاويات في البلاد.

الات رفع وتحميل تنزل حاويات شحن داخل محطة تابعة لشركة موانئ دبي العالمية في ميناء جبل علي في صورة من آرشيف رويترز
وكانت "سي إم إيه سي جي إم" قد وقّعت في وقت سابق من عام 2025 اتفاقية امتياز لمدة 30 عاماً لتشغيل المحطة، بالتزام استثماري يبلغ 230 مليون يورو (نحو 267 مليون دولار، بحسب متوسط سعر صرف اليورو مقابل الدولار في تموز/يوليو 2025 الذي بلغ نحو 1.16 دولار للیورو)، يشمل إنشاء رصيف جديد بطول 1.5 كيلومتر وعمق 17 متراً، ورفع طاقة المحطة من 250 ألف حاوية نمطية إلى 625 ألف حاوية نمطية بحلول نهاية 2026.
وفي حزيران/يونيو 2026، بحسب ما نشرته وكالة "سانا"، بحث مسؤولون سوريون وإماراتيون فكرة إقامة ممر لوجستي يربط الموانئ السورية بالأسواق الخليجية عبر العراق، خلال لقاء جمع قتيبة بدوي بوفد إماراتي رفيع شمل القائم بالأعمال عبدالحكيم النعيمي والرئيس التنفيذي الإقليمي لمجموعة "موانئ أبوظبي" محمد المنهالي. وناقش الطرفان مساراً مقترحاً يربط الموانئ السورية بميناء أم قصر في العراق قبل أن يمتد إلى ميناء خليفة في أبوظبي، بهدف تقليص زمن الشحن وتكاليف النقل، إلى جانب فرص استثمارية أولية في الموانئ والمناطق الحرة والموانئ الجافة الداخلية، من بينها فكرة أولية لمركز لوجستي عند معبر التنف الحدودي، لم تتجاوز بعد مرحلة النقاش.
كما وقّعت الهيئة العامة للموانئ البرية والبحرية السورية في أيار/مايو 2025 مذكرة تفاهم مع شركة "فيدي كونتراكتينغ" (Fidi Contracting) الصينية، تمنحها حق استثمار مساحة تتجاوز مليون متر مربع في منطقتين حرتين لمدة 20 عاماً: 850 ألف متر مربع في منطقة حسياء الحرة بمحافظة حمص لإقامة منطقة صناعية متكاملة، و300 ألف متر مربع في منطقة عدرا الحرة قرب دمشق لمشاريع تجارية وخدمية، بحسب ما أورده موقع "الأهرام أونلاين".
تضع هذه المعطيات مجتمعة مشروع طرطوس في سياق أوسع؛ فالميناء ليس الاستثمار الدولي الوحيد في قطاع اللوجستيات السوري، بل يمثل جزءاً من برنامج إصلاح تشارك فيه جهات متعددة من دول مختلفة، وسط محاولة سورية لإعادة الاندماج في شبكات التجارة الإقليمية بعد سنوات من الانقطاع.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.