نفوذ واسع ونتائج محدودة.. هل ينجح بيسنت في إنقاذ أجندة ترمب الاقتصادية؟

أصبح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أحد أكثر المسؤولين نفوذاً في إدارة الرئيس دونالد ترمب، لكن صعوده ترافق مع توترات داخل الوزارة، ورحيل عدد من كبار المسؤولين، وتشكيك متزايد في قدرته على تحقيق أهداف اقتصادية تعهد بها، بالتزامن مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
وبحسب تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال"، استند إلى مقابلات مع أكثر من 30 مسؤولاً حالياً وسابقاً في وزارة الخزانة والإدارة الأميركية، إضافة إلى مقربين من بيسنت، كان أسلوب الوزير في الإدارة عاملاً في رحيل عدد من كبار المسؤولين.
وفي يناير الماضي، وبحسب أشخاص مطلعين على الواقعة، وبخ بيسنت وكيل وزارة الخزانة لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية جون هيرلي، خلال اجتماع، بعدما رأى أنه يتباطأ في متابعة تحقيق بشأن مزاعم احتيال داخل الجالية الصومالية في مينيسوتا، وهو الملف الذي طلب ترمب من وزير الخزانة متابعته.
وقالت المصادر، إن بيسنت صرخ في هيرلي أمام مساعديه و"استخدم ألفاظاً نابية"، قبل أن يناقش لاحقاً إمكانية نقله إلى وظيفة خارج الوزارة.
وغادر هيرلي لاحقاً لتولي منصب سفير الولايات المتحدة لدى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
أهداف اقتصادية متعثرة
ووفق الصحيفة، يعتمد ترمب على بيسنت لمعالجة ملفات شديدة الحساسية، تشمل ارتفاع تكاليف الاقتراض والتضخم وتراكم الدين الحكومي، فضلاً عن إدارة العقوبات الاقتصادية المرتبطة بحرب إيران.
وكان بيسنت قد طرح سياسة "3-3-3"، التي تستهدف خفض عجز الموازنة إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2028، وتحقيق نمو اقتصادي بنسبة 3%، وزيادة إنتاج النفط بنحو 3 ملايين برميل يومياً.
لكن النتائج لا تزال بعيدة عن هذه الأهداف، فالنمو الاقتصادي يدور حول 2%، ولم ترتفع إنتاجية النفط سوى بأقل من مليون برميل يومياً منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض، بينما تجاوز عجز الموازنة 6% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق لجنة الموازنة الفيدرالية المسؤولة.
كما تجاوز إجمالي الدين الأميركي 40 تريليون دولار، في وقت أدى فيه تراجع سوق السندات الحكومية إلى ارتفاع عائد السندات لأجل 10 سنوات إلى مستويات لم تُسجل منذ أكثر من عقدين، رغم برنامج إعادة شراء السندات الذي دفع به بيسنت.
ويعني ذلك زيادة تكاليف الاقتراض، وهو اتجاه قد يفاقم المخاطر السياسية على الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.
ورغم الضغوط، أظهر بيسنت ثقة متزايدة، وهاجم منتقديه في "وول ستريت"، واصفاً بعضهم بـ"شبان شاشات بلومبرغ". وفي مقابلة حديثة قال: "أنا الآن صاحب الكلمة"، مضيفاً: "يمكنكم المراهنة ضدي إذا أردتم".
لكن بعض المستثمرين بدأوا يرون أنه يتبنى أسلوب ترمب بصورة متزايدة.
وقال ستيفن ميراو، المسؤول السابق في الخزانة، إن كثيرين كانوا يأملون أن يكون بيسنت "الشخص العاقل في الغرفة"، لكنهم بدأوا يرونه "يتصرف أكثر فأكثر مثل ترمب".
في المقابل، عزز ترمب نفوذ بيسنت، وبات يتواصل معه هاتفياً بصورة شبه يومية. وقال أشخاص مطلعون إن الوزير أحد المسؤولين القلائل القادرين على إقناع ترمب بالتراجع عن بعض الأفكار، مثل تشديد الرسوم الجمركية.
خطة "النبذ الاقتصادي"
في نهاية أغسطس، كشف بيسنت عن خطة "النبذ الاقتصادي" بهدف إنهاء حرب إيران، بعدما أقنع ترمب، وفق مصادر مقربة من الإدارة، بأن الوقت حان للانتقال من الضربات العسكرية إلى الضغط الاقتصادي.
وأعد الوزير الخطة مع دائرة صغيرة من مساعديه، مستعيناً بحليفه جين لانج، الذي عمل معه سابقاً في شركة "كي سكوير كابيتال مانجمنت" (Key Square Capital Management).
وبعد مغادرة هيرلي، أُسندت إلى لانج مهامه، دون منحه المنصب الذي يتطلب موافقة مجلس الشيوخ، ليصبح مسؤولاً عملياً عن مكتب شؤون الإرهاب والاستخبارات المالية، الذي يشرف على ملفات العقوبات وغسل الأموال.
لكن "وول ستريت جورنال" نقلت عن خبراء في الاقتصاد والسياسة الخارجية تشكيكهم في قدرة الحملة الاقتصادية على إجبار طهران على الاستسلام، وانتقدوا عدم استهداف الصين، باعتبارها الشريك التجاري الأهم لإيران.
موجة استقالات
وحتى نهاية أغسطس، كان 7 مسؤولين عيّنهم مجلس الشيوخ قد غادروا وزارة الخزانة، مقارنة بما بين صفر واثنين خلال الفترات المماثلة في الإدارات الأربع السابقة، بما فيها الولاية الأولى لترمب.
ولم يعيّن سوى منصب واحد شاغر بمسؤول جديد يوافق عليه مجلس الشيوخ، بينما غادر عشرات المسؤولين الآخرين الذين لا تتطلب مناصبهم موافقة المجلس.
كما خلت الوزارة من مسؤولين مصادق عليهم في مناصب رئيسية، بينها المستشار العام ورئيس الشؤون التشريعية والمسؤولان عن السياسة الضريبية والمالية المحلية، رغم وجود مرشحين لبعض المناصب.
وشهدت مصلحة الضرائب، التي يشرف عليها بيسنت، اضطراباً كبيراً أيضاً، إذ تعاقب 5 مفوضين بالإنابة على إدارتها منذ عودة ترمب إلى السلطة، ولا يزال منصب المفوض شاغراً.
وبحسب أشخاص مطلعين، أدى بيسنت دوراً في ترسيخ سمعة الوزارة كمكان عمل شديد الضغط، ما جعل بعض المرشحين المحتملين يتراجعون عن قبول وظائف فيها.
ويعترف مؤيدو بيسنت بأنه "حاد الطبع"، لكنهم يرون أن ضغوطه على موظفيه تستهدف تحسين أدائهم وضمان تنفيذ أجندة الرئيس، وهي طريقة اكتسبها خلال إدارته شركة استثمارية.
كما انتقد مستشارو الوزير بعض الموظفين الذين غادروا الوزارة بعد خلافات معه، معتبرين أنهم كانوا يعرقلون تنفيذ رؤية ترمب.
وقال كبير المخططين الاستراتيجيين السابق في البيت الأبيض ستيف بانون، إن بيسنت "شخص جيد، لكنه سريع الاشتعال ولديه طبع حاد"، بينما وصف مسؤولون حاليون وسابقون بيئة العمل بأنها "شديدة التوتر"، وقال بعضهم إن الموظفين يتبادلون النصائح بشأن مزاج الوزير قبل الاجتماع معه.
صدامات داخل الإدارة
وأشارت "وول ستريت جورنال" إلى أن مواجهات بيسنت امتدت إلى مسؤولين آخرين في إدارة ترمب. فقد دخل في شجار لفظي مع الرئيس التنفيذي لشركة "تسلا" الملياردير إيلون ماسك، واضطر مسؤولون إلى الفصل بينهما، كما واجه وزير الإسكان بيل بولتي، وتوترت علاقته مع وزير التجارة هاورد لوتنيك.
ورغم ذلك، عزز أسلوبه الصدامي مكانته لدى ترمب، الذي قال عنه في وقت سابق: "لقد صنعت وحشاً".
كما دخل بيسنت في مواجهات مع وسائل إعلام بشأن التغطية الصحفية لأدائه، إذ قال مسؤولون حاليون وسابقون إنه كان يوبخ موظفي الاتصالات بسبب تقارير أو عناوين لا تعجبه، فيما منعت وزارة الخزانة مراسل "وول ستريت جورنال" من حضور مؤتمر صحافي بعد نشر تقرير انتقد بعض تحركات الوزير.
كما سحبت الوزارة اعتماد صحافيين من "وول ستريت جورنال"، و"نيويورك تايمز" و"بلومبرغ" لتغطية اجتماع لوزراء مالية مجموعة العشرين، في خطوة جاءت بعد انتقادات متكررة من بيسنت لتغطيتهم.
مع ذلك، تدافع وزارة الخزانة عن أداء بيسنت، مشيرة إلى تنفيذ تخفيضات ضريبية، وإصلاحات مصرفية، وإبرام أكثر من 12 اتفاقاً اقتصادياً، إضافة إلى تعزيز العلاقات مع الصين، وتشديد الضغط المالي على إيران.
لكن مع استمرار ارتفاع تكاليف الاقتراض، وتجاوز الدين 40 تريليون دولار، وبقاء النمو دون هدف 3%، يواجه بيسنت اختباراً متزايداً لقدرته على تحويل نفوذه السياسي الكبير إلى نتائج اقتصادية ملموسة، قبل أن تتحول الأسعار والدين وتكاليف الاقتراض إلى عبء انتخابي على الجمهوريين.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.