أنهج وأزقّة في تونس بأسماء غريبة: سيرة مكان يعيد تشكيل الرّعب...
تتشكّل المدينة العتيقة مشاهد صامتة، هادئة، ساكنة، داخل اللّوحات فقط. لكنّ خارجها تصخب بالحركة. تضجّ بالحياة. تغرق في قصص قد تعود الى أكثر من ثلاثة عشر قرناً. تجعلك في اللّحظة الواحدة تتقلّب بين البهجة والسّخط وبين الطمأنينة والرّعب.
وتتفرّع أيضاً المدينة العتيقة بتونس العاصمة إلى طرق متشعّبة كأنّها لعبة المتاهة و"الشّاطر" الذي يدرك التّقاطعات ويفلت من إمكانات الضّياع في زواياها ليتبيّن هويّة المكان. قد يتوه وقد يستدلّ على مكانه بلوحة كتب عليها إمّا نهج الغولة أو نهج الكبدة أو صباط العروس أو صباط الظلام أو نهج المشنقة أو القلش، أو غيرها من الأسماء التي تبدو جاهزة لأن تكون عنوان رواية أو أقصوصة أو ديوان شعر أوفيلم رعب...
يختزل الإسم بكلمة، كلمتين وأحياناً ثلاث لتتجلّى فيه سيرة المكان. وتمتزج بعلامات تدلّ على سرديّة واقعيّة شكليّاً ولا منطق لأحداثها. فتغرق تفاصيلها في الخرافة وتتحوّل إلى أسطورة. إنّه المخيال الشّعبي حين يعيد تشكيل هويّة المكان ويحمّله تمثّلاته وتفاصيله اليوميّة حتى تتداخل سيرة المكان مع سيرة الانسان.
قصص وأساطير مرعبة خلف أسماء بعض الأحياء والأنهج في تونس،
تحملنا إلى جولة في الحكايات الشعبية والأساطير التي ارتبطت بأسماء عدد من الأحياء والأنهج، لنفهم الرابط بين الرواية المتوارثة والوقائع التاريخية، وما تكشفه هذه الحكايات عن الذاكرة الشعبية وكيفية تشكّل صورة المكان في المخيال االتونسي.
"نهج الكبدة"...
يقتل شابّ والدته. ويستلّ كبدها. وفي طريق عودته للمنزل، يتعثّر وتخرج الكبد من الكيس وتتكلّم لأوّل مرّة قائلة بالعاميّة التونسيّة: "اسم اللّه على ولدي". ولكن قبل ذلك ما الذي جعل هذا الشّاب من دون رحمة يقتل أمّه؟
كان يعيش مع والدته التي تتكفّل به منذ وفاة والده. وكانت هذه الأمّ لا تدّخر جهداً في اسعاده الفراغ الذي تركه الأب وملئه حتى أنّها يهدأ لها بال إلاّ أن زوّجته. ولكن الزوجة أيضاً لن يهدأ لها بال إلاّ بعد أن تقطع صلة الرّحم بينهما. فمنذ أوّل يوم لها بدأت تخطّط للتخلّص من حماتها وانتهى بها الأمر إلى إقناع زوجها بنقل أمّه الى دار العجّز.
وكانت تعتقد أنّه سيفارقها بمجرّد رحيلها عن البيت، وإذا به يزورها يوميّاً ليطمئن عليها. فخطّطت هذه المرّة للتخلّص منها نهائياً وقتلها بالاستعانة بمشعوذ أعدّ سحراً لزوجها حتى يلبّي كلّ طلباتها في تنفيذ الجريمة، وفرضت عليه ألاّ يعود إلاّ ومعه كبدها. وحصل بالفعل ما تريد. فقد اصطحب الشاب العاق والدته الى المقبرة حيث كان والده مدفوناً و قتلها ثم استخرج كبدها. ومنذ ذلك الوقت والمكان الذي تكلّمت فيه "الكبدة" يحمل اسمها.
ويتداول العامّة القصّة الى اليوم مع بعض الاضافات والتّحوير على أنّهم يحافظون على الأصل فيها، وهو مغزاها في نطق الكبد وتأويلها بضرورة برّ الوالدين.
"صباطّ" العروسة:
تحمل كلمة "صباط " أكثر من معنى في العامية التونسية فهو: الحذاء وهو أيضاً الغرف العلوية التي تعتلي طريقاً مسقوفة ونعتقد أنّ قصّتنا ترتكز على المعنى الثاني للكلمة. ورغم أنّه يوجد أكثر من سيناريو لهذه القصّة ولكنّها كلّها كاملة تلتقي حول عنوان واحد: في هذه الطريق المسقوفة تنشقّ الأرض وتبتلع عروساً.
يحكى أنّ شابّة تونسية فرضت عليها عائلتها الزّواج من رجل لا تريده. ويوم الزّفاف وتحديداً عند منتصف الليل وهي عائدة الى منزلها الزوجيّ على "الكاليس" (وهو عربة صغيرة يجرّها حصان)، مرّت من زقاق مظلم طويل. وفجأة انشقّت الارض وابتلعتها هي والكاليس وكلّ من كان معها.
وتقول سرديّة أخرى: أنّها خلال محاولتها الهروب من زوجها وبينما كانت تمرّ من الزقاق سمعت صراخاً وكأنّه جنّ يحاصرها فبدأت بالركض ولكن الأرض ابتلعتها.
والمتّفق عليه أنّه لما ابتلعتها الأرض سمعت لها صرخة هزّت المكان لقوّتها وأنّ المارين الى اليوم عبر نهج "صباط العروس" يسمعون صراخها. ولهذا السبب يخافون المرور منه عند منتصف الليل حتى لا تتكرّر الواقعة، بل أكثر من ذلك مازال الى اليوم يردّد في الخرافة الشعبية أن كل من يمر منه في هذا التّوقيت فإن العروس نفسها ستنتقم منه وتبتلعه وتحوّل الأمر بمثابة القاعدة الشعبية التي يجب اتباعها.
أمّا المنطق والواقع فيمليان علينا تصديق هذه السردية والمتمثّلة في أنّ العروس لمّا هربت من زوجها وبما أنّ العائلة محافظة جدّاً، فقد تمّ تأليف الخرافة حفاظاً على كرامة هذه العائلة وصوناً لها. فان يقال ابتلعتها الأرض واختفت نهائياً أفضل بكثير من هروبها ليلة زفافها من دون عودتها.
وهكذا يبنى اسم كامل لزقاق أو نهج على سرديّة وهميّة تختبر مقدرة خيالية للانسان في خلق امكانات للعيش والبقاء خارج منظومة المنطق وما يمليه، ولعلّه هروب أيضاً من ضيم العيش وتعبه. فيخلق بالخيال لحظة شعوريّة تمتزج فيها كلّ الأحاسيس والمشاعر التي تدلّ على وجود الانسان وفعله داخل فضائه.
ويتعدّى الخيال منطق حدوده ليترك السّلف بصمته الوجوديّة الدالّة عليه و"يقحمنا" داخل لعبته في متاهة الحياة. فها نحن أيضاً نسكن أنهجاً ونسكن اليها فنشكّل منها جزءاً من ذاكرتنا المرئية وغير المرئية، في حين أنّه يبدو لنا كأنّ هذا السّلف هو الذي اختار الأسماء من مخاوفه ولحظات رعبه وخيباته وانتظاراته وألمه: فمن "صباط الظلام" وهو المكان الذي كان يعاقب فيه المعارضين للزعيم بورقيبة من اليوسفيين. وها هي زنقة الحرب وزنقة الهرج. ونهج المشنقة الشاهد على المشانق التي كانت تقام في هذا النهج وتحديداً داخل معصرة زيت مهجورة وظفتها السلطة في القرن السابع عشر لتنفيذ أحكام الاعدام. بالاضافة الى زنقة القلش و القلش هو نوع من السيوف برع الحدّادون في ذلك الشارع في صنعه. ولا ننسى زنقة الغولة التي كان يوضع فيها النعش قبل صلاة الجنازة .
حتى المتصوّفة لم تسلم من الخرافة الشعبية...
حتى المتصوّف والمفكّر أبو سعيد خلف الباجي الذي سميت على اسمه المنطقة السياحية الأشهر في تونس العاصمة سيدي بوسعيد تمّ اقحامه في الخرافة الشعبية، إذ قيل أن الولي الصالح سيدي بوسعيد الباجي كانت له قدرة عجيبة على الطّيران ومحاربة القراصنة وكان يحول سفن الأعداء إلى حجار.
نحن العرب نردّد كثيراً "الدّار بأهلها" أيّ أنّ قيمة الدّار بقيمة سكّانها. ونحن في تونس نقول أيضاً: "الدّار بناسها موش بحجارها" و"البلاد بأمّاليها" بما معناه لا قيمة للمكان من دون أثر الفعل البشري عليه. ولعلّه أيضاً من دون محاولات الانسان وصراعه من أجل خلق مساحة بعيداً من المنطق لممارسة ما ركد من أحاسيس واختبار انسانيته حتى بمشاعر الرّعب. فالألم مقياس إنسانية الانسان في إحساسه وتفكيره بالآخر.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.