كيف تلهم عيون القطط الباحثين في تطوير تكنولوجيا التصوير؟

- Author, كاثرين هيثوود
- Role, بي بي سي الخدمة العالمية
Published
مدة القراءة: 6 دقائق
ذات ليلة ضبابية من عام 1933، كان بيرسي شو يقود سياراته عائداً إلى بيته، حين ظهر له على جانب الطريق ضوء استوقفه.
وتقول الرواية الشائعة إن مصدر الضوء كان قطاً، انعكست أضواء السيارة الأمامية في عينيه فعاد الضوء مباشرة نحو شو.
وعندما توقف بيرسي شو، اكتشف أنه يقود في الاتجاه الخاطئ، وأنه كان على وشك السقوط في جُرف، لو لم ير هذا الضوء، حسبما قالت حفيدة أخيه، غليندا شو، لبي بي سي.
وعليه، فإن هذه اللحظة لم تنقذ حياة بيرسي شو فقط، وإنما ألهمته أن يخترع تلك العلامات العاكسة للضوء "مسامير الطرق" التي تثبّت على طرق السير، ويسمّيها البريطانيون "عيون القطط".
وعند وفاة شو في عام 1976، كانت هناك 15 مليون من هذه العلامات "عيون القطط" المصنوعة، ولا تزال مستخدمة حول العالم حتى يومنا هذا.

صدر الصورة، Peter Laurie/ViniSouza128 via Getty Images
وفي طريقه لاختراع "عيون القطط"، اتّبع شو أسلوب "التجربة والخطأ"، وفقاً لحفيدة أخيه، التي قالت إنه "لم يكن خبيراً في الفيزياء وانعكاسات الضوء وانكساراته والزاويا والأبعاد، وقد عمد إلى اسكتشاف الأمر بنفسه".
ولم يكن التصميم المبدئي الذي وضعه شو يطابق تصميم عيون القطط، ومع ذلك، فقد حاول محاكاة انعكاس الضوء الذي أوقفه على الطريق في تلك الليلة مستخدماً لهذا الغرض حبيبات زجاجية.
كيف تلمع عيون القطط؟
تبدو عيون القطط وكأنها تتوهج في الظلام، بسبب طبقة نسيجية عاكسة خلف الشبكية تُعرف باسم "بساط العين الشفاف"، في ميزة خاصة لا يتمتع بها الإنسان، بحسب برايدي فوت، طبيبة العيون البيطرية، والباحثة بجامعة تينيسي.
تخطى الأكثر قراءة وواصل القراءة
الأكثر قراءة
الأكثر قراءة نهاية
وتحول هذه الطبقة العاكسة عين القط إلى ما يشبه المرآة، فتحسن قدرته على الرؤية في الإضاءة الخافتة أثناء الصيد ليلاً، فهي تمنح العين فرصة ثانية لالتقاط الضوء الذي كان سيضيع لولاها.

تقول الباحثة برايدي فوت: "عندما لا يجد الضوء مُستقبِلاً ضوئياً يقع عليه فإنه يُفقَد؛ لكن في نطاق العيون التي تحتوي على البساط الشفاف العاكس (كعيون القطط)، فإن الضوء يجد ما ينعكس عليه لدى اصطدامه بهذا البساط الذي يعمل كمرآة فيرتد باتجاه أيّ مستقبِل آخر للضوء".
وتوضح الباحثة سبب الشعور بسطوع هذا الضوء المنعكس، بأن حدقة العين عادة ما تتّسع في الأجواء المعتمة، مما يعزّز الشعور بهذا السطوع.
ويتفاوت لون هذا الضوء من قطة إلى أخرى، ما بين البرتقالي والأصفر وصولاً إلى الأخضر، وذلك وفقاً للصبغات الموجودة في النسيج.
ولا تنفرد القطط بميزة العيون العاكسة للضوء، فهناك حيوانات أخرى تلمع أعينها أيضاً، مثل الكلاب والخيل والأبقار.

صدر الصورة، Kanti S Sonagra via Getty Images
كاميرات مستوحاة من عيون القطط
بعد عقود من اختراع بيرسي شو، يستلهم المهندسون في الوقت الراهن تشريح عيون القطط لتطوير تكنولوجيا تصوير عالية الدقة وتصميم كاميرات يمكن تثبيتها في الروبوتات أو الطائرات المسيّرة أو المركبات ذاتية القيادة.
ومن هؤلاء المهندسين، يانغ مين سونغ، الباحث في الهندسة الكهربائية بالمعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا، الذي يرغب في تطوير كاميرا قادرة على العمل في أجواء تتفاوت فيها درجات الضوء، والتقاط صور للأجسام في قلب محيطات مزدحمة.
وللوصول إلى هذا الهدف، حاول سونغ في أول الأمر محاكاة الطبقة الشفافة العاكسة الموجودة في عيون القطط.
وفي القطط الحقيقية، تتكون هذه الطبقة من خلايا تحتوي على بلورات عَصوية الشكل - من عنصرَي الريبوفلافين والزنك - مُرتّبة على نحوٍ يعكس الضوء.
لكن بالتجربة، اتضح للباحث أن محاكاة هذا التركيب "النانوي" هي مسألة بالغ الصعوبة، فاتجه هو وفريقه إلى استخدام مادة فضية عاكسة بدلاً من تلك الطبقة، ووضع هذه المادة الفضية وراء مستشعر الصورة لصنع عاكس اصطناعي، وتمكن بذلك من زيادة امتصاص الكاميرا للضوء المرئي بنسبة 52%.

صدر الصورة، Young Min Song
بعد ذلك، تحوّل الباحث سونغ إلى سمة أخرى من سمات عيون القطط، وهو شكل الشَق المرئي في بؤبؤ العين والذي يسطع منه الضوء.
ويعتقد الباحثون أن هذا الشَق "العمودي الضيّق" يساعد القطط في قياس المسافات، بما يمكّنها من التقاط الفرائس المختئبة ولو تحت غطاء عشبي كثيف.
وفي ذلك، قال الباحث سونغ: "إذا تمكنتُ من تطوير كاميرا تحاكي عين القطة ذات البؤبؤ العمودي، فسيكون ذلك مفيداً في التخلص من كافة الخلفيات المزعجة التي تظهر في الصور، مما يساهم في زيادة وضوح وتمييز الجسم المستهدف تصويره".
ويمكن لأنظمة الرؤية في الحواسيب الحديثة أن تعزل الجسم المستهدَف تصويره عن الوسط المحيط به، على غرار الهواتف الذكية القادرة على تشويش الخلفية في الصور التي تلتقطها. لكنّ عمل ذلك يتطلب قدرة عالية على المعالجة.
وكانت فكرة الباحث سونغ تتمثل في تضمين هذه القدرة بشكل مباشر داخل الكاميرا نفسها، متمثلاً في تصميم فتحة عدَسة عمودية الشكل تحاكي بؤبؤ عين القطة.

وعلى سبيل اختبار الفكرة، قام فريق الباحث سونغ بتصوير جسم في وسط مزدحم بالأشياء مستخدمين اثنتين من الكاميرات: إحداهما ذات عدسة عمودية الشكل، والأخرى ذات عدسة دائريّة عادية.
وفي الصورة الملتقطة بالكاميرا ذات العدسة الدائرية (البؤبؤ الدائري) ، ظهر الجسم المتسهدَف كما ظهرت الأشياء في خلفية الصورة بنفس درجة الوضوح، أما في الكاميرا ذات البؤبؤ العمودي (فتحة العدسة عمودية)، فإن الجسم المستهدف ظهر أكثر وضوحاً من الأشياء في الخلفية.
وفي الوقت الراهن، يتعين تغيير الفتحة يدوياً بدلاً من أن تتكيف تلقائياً مع مستويات الإضاءة كما تفعل عين القط، وهو تحدٍّ يقول سونغ إنه يريد حله مستقبلاً.
عيون أخرى جديرة بالمحاكاة
بالإضافة إلى الكاميرات المستوحاة من عيون القطط، عمد الباحث سونغ وفريقه إلى تطوير كاميرات أخرى عديدة تحاكي عيون حيوانات أخرى.
ويعتقد أن هناك إمكانات لتطوير مئات التصاميم المستوحاة من الطبيعة.
وفي 2013، اهتدى سونغ إلى تصميم كاميرا مستوحاة من عين الذبابة، إذ يعتقد الباحث أن "للذباب عيون كبيرة الحجم مقارنة بأجسامها، بما يمكّنها من الرؤية في كل الاتجاهات في نفس اللحظة".
ويرى سونغ أن تلك الكاميرا تتميّز بقدرة مُلفتة على استكشاف المدى الواسع وسرعة فائقة في تمييز الأجسام، بما يجعلها "مناسبة تماماً للاستخدام في المسيّرات الروبوتية".
وقد طوّر الفريق البحثي كاميرا بعدسة تحاكي عين النسر، قادرة على التقاط صورة حادة ومكبرة في مركز مجال الرؤية، مع استمرارها في التقاط مشهد محيطي واسع بدقة أقل.
ويتساءل الباحث سونغ عن أفضل حيوان يمكن محاكاة عينيه في تطوير كاميرا.

صدر الصورة، Silaphop Pongsai via Getty Images
ويعكف سونغ في الوقت الراهن على دراسة عين العنكبوت القافز، الذي يمتلك أحد أكثر أنظمة العيون تميّزاً في الطبيعة، وذلك بـ "ثماني عيون - أمامية، وجانبية، وخلفية - تمكّنه من الرؤية في كل الاتجاهات. وفي الوقت نفسه، يستطيع بعينه الأمامية تحديد العمق بدقة".
ولهذه العناكب قدرة فائقة على قياس المسافات بدقّة، نظراً لامتلاكها شبكية متعددة الطبقات، "تمكّنها من القيام بقفزات محسوبة بعناية دون أن تخطئ هدفها".
ويرى الباحث أنه في حال القدرة على تطوير كاميرات محاكية لعين هذا النوع من العناكب، فإنه يمكن الاستعانة بها في المهام التي تتطلب قياس المسافات بدقّة، كما في أنظمة توجيه الصواريخ، على سبيل المثال.
وبينما تحاكي أنظمة الكاميرات الحالية في معظمها عين الإنسان، كما هي الحال في كاميرات الهواتف المحمولة، فإن سونغ يرى أن تطوير كاميرات تحاكي أنظمة الرؤية لدى الحيوانات يمكن أن يساهم في تطبيقات متخصصة، "سواء في صناعة الروبوتات، أو الطائرات المسيّرة، أو أيّ من أنظمة الجيل التالي الروبوتية"، وفقاً للباحث.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.



